كعلماني، لماذا أحزن من سير أردوغان نحو هاوية الاستبداد؟

السبت 18 يوليو 202002:41 م

ليس أسهل على الإنسان من أن يتبنى موقفاً أحادياً، يصيغ رؤيته للعالم وفقاً له، ويؤطر الآخر من خلاله، ويحكم على كل موقف أو فكر أو شخص بمقياس هذه الأحادية. لكن ما يصلح للفرد لا يصلح للمجتمع دائماً، وما يصلح لبعض الأفراد لا يصلح لآخرين.

بتحفّظ، كان لدي أمل، قبل الربيع العربي، في أن يكون الرئيس التركي رجب طيب أردوغان النموذج القدوة للإسلام السياسي، وللإخوان المسلمين تحديداً. رأيت فيه رجلاً واجه فاشية عسكرية، تتخذ من العلمانية قناعاً للاستبداد، وكان محقاً في كثير من نقده للتطرف العلماني التركي.

نجح أردوغان في سنوات حكمه الأولى، في تعزيز ديمقراطية تركيا، من خلال تحجيم نفوذ العسكريين، وقدّم مثالاً جيّداً على نجاح حزب سياسي في تحقيق ما لم يقدر عليه العسكريون، في منطقة الشرق الأوسط التي تحكم أهم دولها أنظمة عسكرية، أو بخلفية عسكرية، منذ النصف الثاني من القرن العشرين.

لم تكن نجاحات أردوغان الاقتصادية الشيء الوحيد المثير للإعجاب، فالعالم مليء بنماذج من هذه. ما ميّز تجربته أنّها جاءت من حزب ذي مرجعية إسلامية، وينتمي إلى تيار الإسلام السياسي الذي خرج بشكل كبير من رحم جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وأنها أول تجربة ينجحون فيها، وهم في موقع السلطة.

قدوة الإسلام السياسي

حتى عام 2011، كان لدى الإخوان نموذج يتباهون به في تحقيق التنمية الاقتصادية، دون قمع ممنهج للحريات، وفي مناخ ديمقراطي بدرجة كبيرة. ودفع هذا الأمر بالبعض، عقب الثورة المصرية، إلى الطلب من الناس عدم التسرّع في الحكم على تجربة الإخوان في مصر، فربما ينجحون في خلق نموذج شبيه بالنموذج التركي. ألم يدعو أردوغان من القاهرة عام 2011 إلى تبني نموذج علماني، مؤكداً على نجاح تركيا بهذا النموذج.

لكن الإسلام السياسي ليس واحداً. حتى طبيعة جماعة الإخوان تختلف من دولة إلى أخرى. ربما تتفق على مبادئ عامة لكن يختلف خطابها باختلاف الثقافات الخاصة التي نمت فيها. كان أمامنا في مصر نموذجان لحكم الإخوان: الأول ناجح في تركيا، والثاني في السودان، نظام عمر البشير الذي جمع الفشل كله في سلة واحدة، اقتصادياً وسياسياً وأمنياً وعلى مستوى الحريات والعدالة...

إخوان مصر، الجماعة الأم، لم يكونوا مثل أردوغان ولا البشير، بل كانوا مصريين محافظين غير متصالحين مع مفهوم الحريات ومعادين للحداثة.

خلال عامهم الوحيد في الحكم، لم يسعوا إلى تهدئة الخائفين من نموذج إسلامي متشدد، بل نسوا نموذج أردوغان التعدّدي، واقتربوا من نموذج البشير بشكل مخفف، ولو طال حكمهم لربما ساروا على نهجه القمعي.

الشروع في التردي

هل أقول لو؟ لو ضغط أردوغان على الإخوان للاهتمام بملف التنمية والإصلاح الاقتصادي والمؤسسي كما فعل في السنوات الثماني الأولى من توليه رئاسة الوزراء لكانوا كسبوا الشعب المصري إلى جانبهم، وكانت المؤسسة العسكرية لتطمئن لهم لو رأت منهم وطنية وتخلياً عن أفكار أستاذية العالم، بل لربما كانوا سينجحون في تخفيف قبضة العسكريين على السلطة في مصر، شريطة أن يكونوا وطنيين ليقطعوا الطريق على مَن يطالب الجيش باسم الوطنية بالتدخل.

تزامناً مع فوضى وتخبط الإخوان في السلطة، كان "القدوة" أردوغان يسير نحو الانحدار إلى هاوية الانتهازية السياسية في السياسة الخارجية، ويكشف عن وجه آخر غير الذي خاطب به العرب من جامعة القاهرة، وجه يحمل أطماعاً توسعية في المنطقة، بقناع إسلامي-قومي

تزامناً مع فوضى وتخبط الإخوان في السلطة، كان "القدوة" أردوغان يسير نحو الانحدار إلى هاوية الانتهازية السياسية في السياسة الخارجية، ويكشف عن وجه آخر غير الذي خاطب به العرب من جامعة القاهرة، وجه يحمل أطماعاً توسعية في المنطقة، بقناع إسلامي-قومي.

ورغم أنّه لم يكن قد خطا خطواته القمعية الكبرى تجاه الداخل التركي بعد، إلا أنّ أطماع الهيمنة كشفت عن القمع القادم، فصاحب المشاريع الكبرى لن يقبل بوجود صوت معارض يعكّر عليه صفو اصطفاف الشعب حوله.

أردوغان... يا لها من "قدوة"!

كسب أردوغان دور النموذج القدوة للعالم الإسلامي، وساهمت في ذلك القراءات الغربية لتجربته وكثرة الحديث عن "الإسلام التركي". لكن سرعان ما كشفت أحداث الربيع العربي عن وجه آخر له.

من سياسة صفر مشاكل إلى 100 مشكلة، ومن الدعوة إلى العلمانية إلى انتهاج خطاب أكثر دينية، ومن انتخابات تعددية إلى تعديلات دستورية تضيّق الخناق على التعددية، وفصل لرؤساء بلديات انتخبهم الناس، لا لشيء سوى أنهم أكراد.

من سياسة صفر مشاكل إلى 100 مشكلة، ومن الدعوة إلى العلمانية إلى انتهاج خطاب أكثر دينية، ومن انتخابات تعددية إلى تعديلات دستورية تضيّق الخناق على التعددية، وفصل لرؤساء بلديات انتخبهم الناس، لا لشيء سوى أنهم أكراد... انهيار نموذج "الإسلام التركي"

الأكيد أن الكثيرين ممَّن انتقدوا أردوغان والإخوان منذ عام 2011 سيقولون لمَن تمهل في الانتقاد: "موقفكم كان ‘شم كولة’ أو للتشديد ‘شم كولة خام’"، وبعضهم سيقول: "ألم نقل لكم إن الإخوان هدفهم كذا وكذا؟ إنهم يستحقون الإقصاء، ولا مكان لهم في الدولة الوطنية".

ليت الأمر كان بهذه السهولة. كيف يمكن قبول إقصاء ملايين الناس، من كل شعوب المنطقة، وكثير منهم لا جرم له، سوى تأييد نموذج سياسي دعوي رآه الأنسب له، في وقت جرّف حكام منطقتنا الحياة السياسية لعقود، وأفسحوا المجال للإخوان والتيارات السلفية لتهيمن على الشارع؟

مجتمعاتنا مهددة بالانفجار نتيجة إقصاء المخالفين. لا علاج لنا سوى بتجاوز الانقسامات الحادة التي تقسّم مجتمعاتنا. والجميع مطالبون بتقديم نموذج سياسي-ثقافي-اجتماعي يستوعب الاختلاف، ويحوّله إلى تنوّع لا إلى صدام.

وتبقى المسؤولية الكبرى لإحداث هذا التحوّل على عاتق الإخوان، المتهمين باللاوطنية ومعاداة الحريات، وهي تهم ثابتة في الثانية، ولها شواهد في الأولى.

على الإخوان التخلي عن الدوران في فلك أردوغان الذي زج بهم في صراعات إقليمية، زادت من حدة الانقسامات في مجتمعاتنا، وحصرتهم في إطار الساعين إلى السلطة بكل سبيل ممكن، ولو على ظهر دبابات تركية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard