الناجح هو مَن يدفع أكثر... المال الانتخابي يسيطر على مشهد الانتخابات البرلمانية في سوريا

السبت 18 يوليو 202006:10 م

"مو عيب إنو ما ظل إلا كم يوم للانتخابات ولهلأ ما منعرف قديش حق الصوت إذا حبينا ننتخب مثلاً ومين عم يدفع أكتر؟ أو مثلاً إذا متل الانتخابات الماضية بسلة غذائية أو وجبات؟".

هذا ما قالته شابة سورية في منشور ساخر تداوله ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي وكتبوا ما يشبهه. هذه الكتابات الساخرة تعكس صورة جدية للغاية عن الواقع الانتخابي في سوريا. مَن سينجح في انتخابات مجلس الشعب التي ستجري في 19 تموز/ يوليو هو مَن يدفع أكثر، خاصةً إذا لم يكن بعثياً.

الأمر ليس جديداً، ولكن وسائل التواصل الاجتماعي وضعت كل هذه القصص أمام الناس، وجعلت السوريين أكثر معرفة بخبايا بعضهم. باتت القصص البسيطة في متناول الجميع.

في الانتخابات البرلمانية الثلاث التي شهدها السوريون منذ عام 2011، سيطر المال الانتخابي بوضوح على المشهد، واخترق ضمائر الناس. ودائماً يُثار سجال: هل مبادلة كثيرين أصواتهم بالمال هو بيع لضمائرهم؟ أم أن فقرهم وعوزهم الشديدين هو مبرر كافٍ لنقول إن الحاجة أقوى من الضمير، في بلد أفرزت حربه طبقتين، واحدة منها تشكّل 83% ممّن يعيشون تحت خط الفقر، بحسب إحصاءات أممية، وأخرى صارت فاحشة الثراء والقوة وتتضمّن أثرياء الحرب، وبينهما فئة قليلة تنحسر يوماً بعد يوم لا تزال تستطيع تدبّر عيشها بكرامة.

منافسة بين باذخين

يبذخ مرشحون كثيرون أيما بذخ لدخول المجلس: حملات انتخاباتهم تغزو فضاءات السوشال ميديا، ولوحات إعلاناتهم تنتشر في الشوارع والساحات، ليصير المشهد العام أشبه بمنافسة بين الباذخين.

حيدر مصطفى، رئيس تحرير شام تايمز و عمل سابقاً مراسلاً ومذيعاً في عدد من القنوات، قرر الترشح للانتخابات كمستقل. يقول لرصيف22: "رغم ما يُصرف من أموال لا يمكن حصرها، إلا أن الفرصة موجودة".

يعوّل على وعي الناس، وهو أمر يتشارك فيه المرشحون المستقلون الذين لا يملكون أموالاً لتمويل حملاتهم. فالمرشحون الشباب خارج قوائم البعث الناجحة سلفاً لا يحظون بغطاء مادي من جهات داخلية أو حتى خارجية ويلجأون إلى تكثيف نشاطهم الاجتماعي عبر حضور أكبر كم ممكن من الندوات والفعاليات وعبر جولات على أرياف مدنهم.

من جانبه، يقول كرم سليمان، مهندس مدني وناشط في الشأن العام وحالياً مرشح مستقل، لرصيف22: "من الواضح، ولنحكي بواقعية، صار للمال للانتخابي دور كبير في تحديد الفائزين"، معيداً الأمر إلى عوز الناس الشديد، ويضيف: "يُستغلّ العوز المادي للناس في ظل الوضع الاقتصادي الحالي للتأثير على اختياراتهم من خلال تقديم سلات غذائية أو معونات مادية وما إلى ذلك".

"الناس جوعانة وقدّام الجوع ما فيك تطلب من حدا يصمد ويصبر ويسكت ويشارك. الناس بدها تاكل وبدها مصاري من وين ما كان"

يطغى المال الانتخابي على كل الاستحقاقات في البلاد، فمن المتعارف عليه أن الجميع يدفع وسيدفع، ابتداء بمختار قرية، وانتهاء بوزير. المال يحرّك كل شيء في سوريا: التعيينات والقرارات والقوانين.

وحوّلت الحرب السورية معظم المواطنين إلى فقراء ومعدمين، فصار همهم الحصول على المال، وإنْ اختلفت الطرق. مَن يرى مشهد طوابير السوريين الواقفين في صفوف طويلة للحصول على الغاز والسكّر والأرزّ وحتى الدخّان الوطني الرديء، يدرك كم أن حالهم صار مريراً.

عزيز (27 عاماً)، عامل مياوم يعمل في المنطقة الصناعية في حمص، يقول: "ما كتير بتفرق لمين بعطي صوتي هيك هيك المجلس هاد ما رح يعملّنا شي لهيك المهم ناخد هالكم ليرة ويصطفلو بقلب بعضن".

أما وليد (38 عاماً)، وهو أستاذ رياضيات يدرّس في مدرسة ثانوية عامة في دمشق، فيرفض منطق عزيز ولكنه لا يفتي بتحريمه. يقول لرصيف22: "الناس جوعانة وقدام الجوع ما فيك تطلب من حدا يصمد ويصبر ويسكت ويشارك، الناس بدها تاكل وبدها مصاري من وين ما كان".

يدرك رامي (23 عاماً)، وهو طالب جامعي في كلية الحقوق في جامعة حلب، خطورة الأمر لكن يختصر ما يجري بالقول: "بدنا نعيش".

يعمل المال الانتخابي بأشكال مختلفة. عدا شراء الأصوات، هناك توظيف "المندوبين"، وهم أشخاص يختارهم كل مرشح لتمثيله في كل مراكز الاقتراع، ليكونوا حاضرين نيابةً عنه لإقناع الناس بالتصويت له، ولينتخبوه هم وأسرهم أيضاً.

في حمص، مثلاً، يوجد نحو 950 مركزاً انتخابياً، وبالتالي فإن المرشح المقتدر مادياً يعيّن بين ألف إلى ألفي مندوب.

في بازار حلب، وصل أجر المندوب عن اليوم الانتخابي إلى حوالي 200 ألف ليرة سورية (87$)، وهو مبلغ كبير في ظل الظروف الحالية، أما في حمص فلا زال أقل من 50 ألفاً (22$)، ويرتفع الرقم إلى أضعاف ذلك في دمشق، حيث يتجلى ظهور الرأسمالية الانتخابية بأوضح حللها، علماً أن متوسط راتب الموظف السوري شهرياً يساوي نحو 25$.

يقول المرشح كرم سليمان: "بما إنو نحن شباب بمقتبل العمر وما عنّا هالإمكانيات المادية، فهالشي عم يأثر علينا لأنّو ما عنّا قدرة نجاريهن مادياً بالدعايات الانتخابية ولا عنّا قدرة مادية نوصل لكل المناطق أو نغطي كل المراكز بمندوبين ووكلاء متلن".

يوافقه المرشح حيدر مصطفى الذي يخبرنا: "نحن اليوم في مواجهة جديدة مع سطوة رؤوس الأموال الضخمة، وبالتأكيد هذه السطوة تقلّص فرصنا في الفوز".

ويحضر المال الانتخابي أيضاً خلف الكواليس، عبر تشكيل جماعات وتحالفات انتخابية تهدف إلى القضاء على فرص بقية المستقلين، لئلا يشكلوا أي خطرٍ على دافعي المال الانتخابي.

يقول مصطفى: "رغم ذلك، ما نعوّل عليه هو تقديم أنفسنا بصورة جيدة للناس، كي يعلموا أنه رغم سوداوية المشهد هناك أشخاص يعملون لخدمة الصالح العام، ويسعون لإحداث تغيير، فالديمقراطية مسؤوليتنا جميعاً".

ويشير سليمان إلى الحاجة إلى الشفافية في ذكر المبالغ التي تنفقها الحملات "لأن من المهم للناس أن تعلم كل شخص ما إمكانياته وما حجم المال الذي يصرفه".

وأيضاً، يحضر المال الانتخابي عبر تحالف المرشح مع السلطة، بمختلف مستوياتها، فتقوم الأخيرة بتوجيه قواعدها لانتخابه، في بلد لا شيء يحكم فيه سوى "التوجيهات".

"ما كتير بتفرق لمين بعطي صوتي هيك هيك المجلس هاد ما رح يعملّنا شي. لهيك المهم ناخد هالكم ليرة ويصطفلو بقلب بعضن"

وبالحديث عن التوجيهات، تنسب شخصيات كثيرة فاعلة في الشأن العام معلوماتها إلى تسريبات "من فوق". وإذا أراد أحدهم التفاخر يقول لك "رضيانين عليي فوق، بالمكتب نفسو". طبعاً، "فوق" تعني دمشق، و"المكتب نفسه" لا أحد يعلم ما هو. وحين يتخذ شخص قراراً يقول لك "إجاني توجيه". ولا زال السوريون حتى اليوم يجهلون ما هي هذه التوجيهات، وممَّن تصدر أساساً.

الغاية تبرر الوسيلة

في كتابه "الأمير"، يبرر ميكافيلي نظرية "الغاية تبرر الوسيلة"، ويدعمها بقراءات واستنتاجات تخلص جميعها إلى أن القيادة تتم باستقطاب الناس عبر طريقتين، إما بحبهم للشخص، أو بخوفهم منه، وفي الحالتين سيظلون تابعين له، ولتطبيق أي من الحالتين تكون الوسيلة، أيّ وسيلة، متاحة بغض النظر عن نزاهتها وشرعيتها، طالما أن الهدف هو القيادة.

هذا التعريف يصلح للإسقاط على ما يحصل اليوم في سوريا.

سليمان علي، حقوقي وخبير قانوني، يقول لرصيف22: "لا تجريم واضح لما يفعله المرشحون فهم من الذكاء بمكان يمكّنهم من المواربة والتحايل وعدم الظهور المباشر كدافعي أموال وشاري ذمم ومتلاعبين مسبقاً بالنتائج".

ويشرح: "يلجأون إلى واجهات انتخابية تكون جزءاً من حملاتهم الإعلامية لتتصرف هي". ولا يوجد قانون يحدد سقف الإنفاق الانتخابي للمرشح.

البعثيون ناجحون ناجحون

للمرة الأولى في تاريخه، أجرى حزب البعث الحاكم اقتراعاً يبدأ من القاعدة. دعا إلى استئناس حزبي، والاستئناس هو أن يجتمع البعثيون العاملون في قاعة معيّنة في كل محافظة ليدلوا بأصواتهم للمرشحين البعثيين، أي ليختاروا منهم.

فمثلاً في حمص، اختارت القواعد 32 اسماً، من أصل أكثر من 2500 مرشح بعثي، والعدد 32 هو ضعف العدد المطلوب لبعثيي حمص في قوائم الانتخابات، ثم اختارت قيادة الحزب لاحقاً 16 منهم، وهو الرقم المطلوب، لتضعهم في قائمة واحدة.

في كتابه "الأمير"، يبرر ميكافيلي نظرية "الغاية تبرر الوسيلة"، ويدعمها بقراءات واستنتاجات تخلص جميعها إلى أن القيادة تتم باستقطاب الناس عبر طريقتين، إما بحبهم للشخص، أو بخوفهم منه... هذا الأمر ينطبق على انتخابات البرلمان السوري

والأمر ذاته ينطبق على كل المحافظات، ما يعيدنا مجدداً إلى الدائرة الأولى، وهي "التعيين من الأعلى"، سيما أن هذه العمليات شهدت ما شهدته من توجيهات وتجاوزات من تحت الطاولة. وبالضرورة فإن هذه القوائم ستنجح، وستُترك بضعة مقاعد للمستقلين في عموم المدن، تدور المنافسة حولها.

رأسمالية جشعة

يُفترض أن يحمل البرلمان السوري تطلعات المواطنين، لا تطلعات المتنفّذين الذين يجولون اليوم بين الناس لدخول البرلمان، قبل أن يدخلوا في مرحلة سبات تستغرق أربعة أعوام.

والطامة الكبرى أن أصحاب الإثراء غير المشروع في الحرب يعاملون البلد كمزرعة خاصة لهم، فيمررون صفقات مشبوهة، وبعضهم أدين بقضايا فساد.

بجانب هؤلاء يوجد ممثلون للطبقات الفقيرة، ولكن أثبت جزء منهم أنه يسعى إلى دخول البرلمان ليجمع ثروة عبر مغازلة أصحاب رأس المال، إلا قلة قليلة دخلت فقيرة، وخرجت فقيرة، وبين المرحلتين لم تتمكن أن تحدث فرقاً.

يقول حيدر مصطفى: "الرأسمالية تسيطر على واقع البلاد اليوم، شئنا أم أبينا. رؤوس الأموال اليوم قادرة على التحكم في العديد من المفاصل، والتعويل على نسبة الوعي لدى الناس لتحجيم هذه السيطرة".

ويختلف معه كرم سليمان نسبياً انطلاقاً من نظرة فلسفية لضرورة تعدد المكونات. يقول: "البرلمان ليس خاضعاً للرأسمالية لأن فيه أعضاء كثيرون من بيئات فقيرة والرأسمالية مذهب اقتصادي لسنا ضده في حملتنا، ولكن نحن نشجع على رأسمالية ضمن مناخ تنافسي أخلاقي قائم على أساس المهارة والبراعة في الإنتاج والعمل وليس مناخ محسوبيات".

برلمان صوري

ينظر معظم السوريين إلى مجلس الشعب ككيان مهمته "التصفيق". يعتبرون أنه لا يسمن ولا يغني من جوع. وهنا المشكلة. السلطة التشريعية يفترض أن تحكم مفاصل البلاد والعباد، لكن تشريعاتها تكون مفصّلة على مقاسات مصالح قلّة، غير عابئة بهموم شعب عانى من حرب دائرة منذ نحو عشر سنوات.

يقول كرم سليمان: "في حال نجاحي كمستقل، لن أملك عصا سحرية قادرة على تعديل أوضاع الفقراء في ظل التكتلات السياسة داخل المجلس. نحن بحاجة إلى تعددية حزبية وتوفير تكافؤ فرص بين جميع الأحزاب"، ويضيف: "العدل للفقراء لا يجب أن يكون بشكل اشتراكي وإنما بشكل يتيح لهم حرية العمل والإنتاج وتخفيف الأعباء عنهم".

أما مصطفى فيقول بواقعية: "لا يمكن أن نتحدث عن قدرة فعلية على تحسين أداء المجلس. هذا ما سنسعى إليه في حملتي ممكن. لكن بوجود طبقة من الرأسماليين، أصحاب المصالح مع العديد من المسؤولين في الأجهزة التنفيذية، بالتأكيد ستكون هناك كتلة معطلة لهذا الدور في مجلس الشعب".

وفي منشور طويل على فيسبوك، أعلن فيه أسباب انسحابه من الانتخابات، قال البرلماني الحالي (عن دورة 2016-2020)، نبيل الصالح: "وافقت على مشاركتي الماضية في الانتخابات ـ كمعارض لأخطاء السلطة والمعارضة ـ مع بضعة أسماء وطنية معروفة لم يكن المجلس من طموحاتها يوماً، واعتبرنا دعوتنا من قبل القيادة القطرية لحزب البعث دلالة على إرادة التغيير، وقد تمحور برنامجي الانتخابي وقتها حول تفعيل مجلس الشعب بعد طول ترهل".

وأضاف: "ثم تبينت بعد الشهر الأول من دورنا التشريعي سيطرة صقور اللجنة المركزية لحزب البعث على قرار كتلة الحزب وباقي أحزاب الجبهة"، في إشارة إلى الأحزاب المتحالفة مع البعث والمنضوية تحت اسم الجبهة الوطنية التقدمية، وتضم الحزبين الشيوعي والقومي وعدداً من الأحزاب الصغيرة.

وتابع: "كنت متأكداً من أني لن أكرر ترشيحي للمجلس طالما أن المحافظين في الحزب (البعث) يعيدون إنتاج سياساتهم القديمة بما فيه إدارة مجلس الشعب كما لو أن الحرب لم تمرّ من هنا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard