جنسانية وحميمية الأزمة… بين الحرب والجائحة، بين العنف والحبّ والجنس

الجمعة 17 يوليو 202003:30 م

أخضعت كورونا قرابة أربعة مليار إنسان لحجر إلزامي، ولّد ذلك إشكالية التفاعل بين هؤلاء في مساحة جغرافية ضيقة، أبرزها على مستوى الجنسانية، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو مدى مخلفات الحجر الصحي على المستوى النفسي والاجتماعي وحتى المعرفي، وانعكاسه على السلوك الجنسي للفرد مع ذاته وفي إطار التفاعل الثنائي.

في معجم السوسيولوجيا تُعّرف الجنسانية، بمفهومها الواسع، على أنها مجموعة السلوكيات التي تهدف مباشرة إلى المتعة واللذة الجنسية، لكن من الصعب فصل ممارسات المتعة الجنسية على العواطف التي من الممكن أن تصاحبها (حب، حياء، غيرة...)، والتمثلات (الكلمات، الصور، الخيال) التي تثير هذه الممارسات، لذلك وجب على علم اجتماع الجنسانية أن يأخذ بعين الاعتبار كل هذه العوامل.

يقول فوكو إنه إذا وجدت عمليات هوية لرسم الجنسانية، فإن الهويات لا تكون أبداً أكثر من ثبات مؤقت داخل الجنس لفهمها كإبداع متجدد، وليس كمبدأ كاشف للهوية، هذا المؤقت يعكس أن هذه المسألة في حالة دائمة من التطور وهي خاضعة لـ"خطاب القوة" المتمثل في البنية السياسية والاجتماعية والثقافية المهيمنة، واعتبر فوكو أن الجنس وظيفة فيزيولوجية لا طبيعية مرتبطة بمفهومه "جهاز الجنسانية" (IBID)، المتغير في الزمان والمكان، فما بالك بالوضعيات التاريخية الاستثنائية التي تتكثف فيها مجموعة عوامل مستجدة، مثل الحرب أو الوباء التي تؤثر على مختلف العواطف وتنتج ممارسات طارئة، منها ما لم يختبره الإنسان من قبل.

معضلة العلاقة أثناء الحرب قائمة على المجهول بين ثنائية الفراق والموت، وتنفجر تلك العواطف في لحظة الوداع، ويضحى الرابط الزوجي قائماً على: "هل سأراك مجدداً؟".

الجنسانية في مواجهة الحرب

سنة 2007 وفي الفترة الممتدة من 22 أيلول/ سبتمبر إلى غاية 31 كانون أوّل/ ديسمبر، قام متحف الجيش الفرنسي بالتعاون مع متحف التاريخ المعاصر بإقامة معرض فريد من نوعه، عرض فيه أكثر من أربعمائة قطعة حول موضوع "الحب، الحرب والجنس بين 1914 و1945"، من بين المعروضات معلقات رسمية ولوحات وصور فوتوغرافية ورسائل...، وهدف ذلك إبراز خصوصيات الجنسانية في العاطفة والتواصل والممارسة في فترة الحرب المباشرة والسلم المؤقت الحامل لسمات الحرب.

فمعضلة العلاقة أثناء الحرب قائمة على المجهول بين ثنائية الفراق والموت، وتنفجر تلك العواطف في لحظة الوداع، ويضحى الرابط الزوجي قائماً على: "هل سأراك مجدداً؟". تسبب ذلك في انخفاض وتيرة العلاقات الجنسية، وطغى على العواطف الخوف والقلق والكآبة وشبح الموت، وتبدو هذه المشاعر غير محفزة للرغبة والشهوة واللذة، وهيمن شعور الشوق الذي تلخص في المراسلات التي يمكن أن تتضمن صوراً تحفز الفانتازم لديهما كفعل مقاوم للوحدة ولحالة التحطيم المعنوي في واقع مأساوي.

بالتوازي مع المعرض، نُشر كتاب يحمل نفس العنوان، تمت الإشارة فيه إلى الرقابة الرسمية المسلطة على الجنس، فيما يمكن أن نسميه السياسة الجنسية المبررة بالمصلحة القومية، فأرست ضوابط لتصريف الرغبة الجنسية للجنود، وذلك بالتحكم في نسق ممارستهم الجنسية باعتماد آلية التراخيص والقيام بتأطير البغاء في إطار "الجنسانية التعويضية". في المقابل تفرض الأجهزة الرسمية رقابة صارمة على سلوك المرأة في إطار الدعاية لمجتمع الأخلاق والوفاء والانضباط لتحفيز العسكري المصانة فحولته.

باعتبار اختلاف اشتغال جهاز الجنسانية وعناصره المبنية على الثقافة والخطاب والمشاهد والممارسات الجنسية والمحظورات، في ظل عدم إمكانية تحديد هوية ثابتة، يمكن القول إن داخل الجنسانية في حد ذاتها هناك جنسانيات، هناك التقاءات واختلافات.

 مع الحجر الصحي الإلزامي لقرابة أربعة مليار إنسان، يُطرح السؤال  حول مدى مخلفات الحجر الصحي على المستوى النفسي والاجتماعي وحتى المعرفي، وانعكاسه على السلوك الجنسي للفرد مع ذاته وفي إطار التفاعل الثنائي

الجنسانية في زمن الانغلاق على الذات

إذا كانت الحرب العالمية حرباً كلاسيكية خبرها الإنسان منذ عصور، فإن وباء كورونا مثلته الدعاية الرسمية العالمية بالحرب المعنوية التي يكون فيها العدو غير محسوس، واستوعبت الشعوب تلك الدعاية، هذا التمثل للجائحة أفرز العواطف الإنسانية الثابتة في الحرب، أهمها الخوف وشعور المجهول ونزعة البقاء...

هذه الوضعية ولّدت خوفاً من الجسد لا السلاح، ففرضت تدابير التباعد الاجتماعي الذي أفرزت حالة من الفوبيا، وكان الجسد الذي تعرض لقمع تواصلي ورهن في فضاء مغلق محور هذه التدابير. أدى ذلك إلى تكثف سلوكيات قديمة وأخرى جديدة مرتبطة بجنسانية الأزمة ليست حكراً على مجتمع معين، أهمها ارتفاع منسوب العنف ضد المرأة في جميع أشكاله في الفضاء المنزلي.

في المقابل، أكدت المؤشرات أيضاً تزايداً منقطع النظير في شراء الواقي الذكري، وفي شراء اختبارات منع الحمل، حتى أن بعض المختصين تحدثوا على إمكانية أن تشهد بعض الدول طفرة مواليد "Baby-boom"، وهذا يدل على ذروة الممارسة الجنسية بالتوازي مع ذروة ممارسة العنف الزوجي، وهي حالة إفراز كمية جامحة من العواطف تصل حد التناقض، كالعنف والجنس، نظرياً يمكن القول إن الوضعية النفسية المتسمة بمشاعر القلق والروتين والسأم والخوف وتذبذب الوضع الاجتماعي بفعل هذه "الحرب"، تؤدي إلى ضعف الليبيدو بمفهومه الفرويدي.

قد تطلبت حالة الانغلاق طويلة المدى ضرورة التكيف الجسدي، ووفرت الوقت للأشخاص للقيام بمراجعات وتقييمات ذاتية وثنائية.

يدفع ذلك لمحاولة فهم الدوافع التي حفّزت النشاط الجنسي للأفراد، انطلاقاً من تأثير الجو العام على الجو الخاص داخل المنازل. الجو العام الذي اتسم بسمات الحرب المعنوية تحت وطأة الأخبار والدعاية ومنع التجوّل، فتوقفت المواعدات وعمليات الإغواء وأغلقت المواخير، وبذلك تعطل النشاط الجنسي للأفراد خارج فضائهم الخاص، وأفضى ذلك إلى كبح مجموعة من العواطف مثل القدرة على الجذب والانجذاب والإغراء، وبالمقابل ارتفع هذا النشاط كمياً داخل المنزل.

لقد اجتمعت عواطف مرتبطة بالتجربة الداخلية، كالخوف والقلق، وأخرى مرتبطة بموضوعات خارجية، كالحب والغيرة، وهذا يحتاج إلى حالة تنظيم للعواطف السلبية والإيجابية والتحكم في الخبرات الانفعالية لتحقيق قدر من الاستجابات المنتظرة من الطرف الآخر، نظرياً يمكن أن نستنتج أن نسبة مهمة من الشركاء الرازحين تحت الحجر نجحوا في تحقيق هذه المعادلة، ما أنتج حالة ذروة للنشاط الجنسي.

أما واقعياً، فمالت كتلة العواطف المجتمعة في قدر كبير منها إلى الجموح في حالة الانغلاق على الذات، والتقارب في الداخل مقابل التباعد في الخارج. يذكر معجم علم النفس أن "الوعي الجسدي يستمد نشأته من أوتوماتيكية الوضعية الجسدية والحركية التعبيرية للوصول لاكتشاف الذات والشريك والأشياء".

وقد تطلبت حالة الانغلاق طويلة المدى ضرورة التكيف الجسدي، ووفرت الوقت للأشخاص للقيام بمراجعات وتقييمات ذاتية وثنائية، ومن المفترض أن عمليات التقييم الثنائية تتسم بموضوعية، وتؤدي إلى استنتاجات معرفية تجاه الآخر، ما يحفّز القدرة على التعبير ويحفز الوعي بحاجة الجسد للجنس.

في هذا الإطار، يعيش الإنسان الحديث جملة من الضغوطات في الفضاء الخارجي نتيجة مجتمع الاستهلاك واللهث وراء توفير الحاجيات المتزايدة بشكل مستمر، وهي عملية إنهاك جسدي وذهني، هذه الضغوطات يتم نقلها للفضاء الخاص ما يساهم في قتل الشغف "passion"، وبما أننا نعيش في مجتمع تسليع الجسد، تقام عدة علاقات جنسية عابرة بأجر، خاصّة لدى الرجال، في غياب شبه تام لعاطفة الحب لأن في ذلك أقل ضغوطات.

بالإضافة إلى أن الفضاء العام بمختلف مكوناته مضبوط بقوانين ومعايير تضغط على الأشخاص، تقول إليزا مارتن: "كل مكان أو تجمع خاص لأشخاص ينجم عنه فضاء مختلف معيارياً...وكل انخراط في معيار يكون قيداً"، والحجر خلص الأفراد من تلك القيود الخارجية وأما المعايير الداخلية فهي ذاتية.

عملية التخلص من تلك الضغوطات أحدثت نوعاً من الراحة الجسدية والذهنية للأشخاص، أما الضغوط الجديدة وحالة الخوف بمفعول كورونا حالة عامة، وعندما يكون الخطر جماعياً يستهدف جميع الدول وكل الطبقات على قدم المساواة، يكون أقل وطأة على نفسية الإنسان من الخطر الفردي، فالبحث عن الحل مسؤولية جماعية لا فردية، أضف إلى ذلك أن الإنسان يكتسب خبرة إدارة الأزمة بمرور الوقت وهذا يؤدي لراحة نسبية.

في المقابل، يجب التطرق للتصريف السلبي للرغبة الجنسية، فارتفاع منسوب العنف الزوجي على مستوى عالمي خلال فترة التقارب الداخلي والتباعد الخارجي، يحوي أيضاً الاغتصاب الزوجي على أساس النوع الاجتماعي، وهذا الموضوع مازال من التابوهات في الجنسانية الحديثة

التصريف السلبي للرغبة الجنسية

تلك العوامل أثرت على مسألة الجنسانية في زمن كورونا، بالتوازي مع عوامل أخرى، فهذه الأزمة أجّجت العواطف الإنسانية ونشأت مظاهر تضامن راقية، ويمكن القول إن العواطف المجتمعة كانت في حاجة إلى تصريفها جنسياً، وباعتبار الفكرة الحديثة المتمثلة في وجود جنسانية محددة لكل فرد، هناك اختلافات في الممارسة بين الشريكين في ظل ذروة الرغبة الجنسية، إذ يوجد تصريف إيجابي للشهوة الجنسية في إطار تفاعلي تشاركي، والسعي لاسترجاع النشوة وتجديد في الإثارة وإبداع للوضعيات الجنسية في الفضاء الضيق، داخل هذه الفئة هناك علاقات ذات طبائع مختلفة، إذ يوجد الثنائي المستقر مسبقاً، أو في حالة فراق ويسعى لاسترجاع نشوة مفقودة، أو من كان مرد نشاطه الجنسي حالة الفراغ...، ومنهم من كان يقوم بإسقاطات على عشيقة أو عشيق فيكون الفانتازم محصوراً في الخيال... كل هذه الحالات لها انعكاس إيجابي على الصحة الجنسية جراء الاحتكاك الجسدي.

في المقابل، يجب التطرق للتصريف السلبي للرغبة الجنسية، فارتفاع منسوب العنف الزوجي على مستوى عالمي خلال فترة التقارب الداخلي والتباعد الخارجي، يحوي أيضاً الاغتصاب الزوجي على أساس النوع الاجتماعي، وهذا الموضوع مازال من التابوهات في الجنسانية الحديثة.

العنف الجندري في فترة الحجر أخضع المرأة لقمع مضاعف على المستوى الجسدي والنفسي، فالنساء المجبرات على مصاحبة شريك عنيف 24 ساعة وطيلة أشهر، يعشن في خوف دائم، ويحدث لهن تحطيم نفسي لأحاسيسهن ولكرامتهن، لذلك لا يمكن تصور أن تلك النساء لهن رغبة جنسية تجاه منتهكيهن، وإذا ما وجدت فهناك نوع من المازوشية.

هذا يجعلهن يعشن حالة كبت جنسي تصل حد إهمال الجسد، ويعرف الكبت على أنه "الحرمان والنقص من شيء محتمل لتحقيق اكتفاء لحاجة… الحرمان من تحقيق الاكتفاء يعاش على أنه نتيجة رفض معاكس من الآخر".

لذلك من "الطبيعي" أن تفرز هذه الوضعية الاغتصاب الزوجي، وأن ترتفع نسبته خلال هذا التقارب الجسدي، من "رجل الماشيزم" الذي يرى في المرأة كائناً ضعيفاً، لا يفوت فرصة لإثبات فحولته ويتمثل العملية الجنسية كتعبير عن ميزان قوى.

فسرت آن دوفورمانتيل، في كتابها "المرأة والتضحية"، مقولة المحلل النفسي جاك لاكان: "لا يوجد علاقة جنسية"، أي أنه "لا توجد علاقة جنسية بين امرأة ورجل، أي بين أنت وأنا، ولكن بين الرجل والمرأة كأنواع اجتماعية"، وهي مقاربة لقراءة العلاقة الجنسية على أساس النوع الاجتماعي لا الحميمي الشبقي اللامتكافئ.

بالأخذ بعين الاعتبار مقاربة لاكان، وبالرجوع إلى وضع الأزمة وذهنية الحرب، أكدت مجموعة من الدراسات أن النساء مهمومات بالجائحة ويحترمن إجراءات الوقاية أكثر بكثير من الرجال، الذين اعتبر نسبة منهم ارتداء الكمامة ضعفاً، وهذا يفسر من داخل الثقافة الذكورية، التي تعكس في جزء منها أن إثبات الرجولة مرتبطاً بالاندفاع أمام المشاكل، هذا العنصر له انعكاس على جنسانية الثنائي في ميزان مائل، لأن الرجل متفوق على مستوى الطمأنينة النفسية في الحجر، ما يغذي الدافع الجنسي لديه وسعيه لتحقيق حالة إشباع متواصلة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard