"أنجبت طفلة في كورونا والغربة… بلا أهل أو أصدقاء"

السبت 18 يوليو 202004:15 م
كانت السيدة مروة عبد الحميد تراقب العالم من حولها، بمزيج من القلق والسعادة، جراء حملها بطفلها "أليكس" داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وتفشي وباء كورونا في العديد من الدول حول العالم.

مروة، سيدة مصرية (39 عاماً)، تعمل في مجال حقوق المرأة، من سكان العاصمة القاهرة، سافرت برفقه زوجها إلى أمريكا بدافع الاستقرار، كون زوجها يعمل هناك، ولكن لم تدرك أنها ستضع طفلها في وقت تفشي كورونا.

"وحيدة في مستشفى أمريكية"

حاولت مروة التوصل مع زوجها إلى الاتفاق على العديد من الخطوط العريضة لضمان سلامة طفلهما، مثل العمل من المنزل خشية الإصابة، لأن السيدات في فترة الحمل ليس لديهه مناعة، وعدم تناول طعام من خارج المنزل.

تحكي مروة لرصيف22: "خلال فترة الحمل، وقبل أسبوع من قرار إغلاق مدن ولاية تينيسي الأمريكية في أول فبراير/ شباط، قامت الدكتورة بتحديد موعد للولادة 3 إبريل/ نيسان، وذهبنا ملتزمين بالتعليمات التي وضعتها المستشفى: ارتداء الماسكات والحفاظ على المسافة الآمنة، وكان ذلك في يوم حار وزوجي يحمل 3 حقائب فيها أغراضنا لمدة 4 أيام، وحينها تبين أن حرارة زوجي 104، وهنا تغير كل شيء، حيث ابتعدت الممرضة، وقالت له عليك بمغادرة المستشفى فوراً والعودة خلال 24 ساعة لقياس الحرارة مرة أخرى".

"لا يوجد لي أي أصدقاء هنا أو أي شخص سوى زوجي، ومنعوه للاشتباه في كورونا، ولم يسعنا الوقت لاستخراج أوراق لحضور أمي أو أختي، قولت لهم مش هقدر أقعد هنا لوحدي لأني ضعيفة، ولن أقدر على التواصل مع أحد أثناء الولادة"

وبات القلق يسود مخيلة مروة، عند سماعها أنها سوف تدخل المستشفى بمفردها، وستضع مولودها الأول وحدها، تقول: "ده كان خبر صادم بالنسبة لي، حيث لا يوجد لي أي أصدقاء هنا أو أي شخص سوى زوجي، ولم يسعنا الوقت لاستخراج أوراق لحضور أمي أو أختي، قولت لهم مش هقدر أقعد هنا لوحدي لأني ضعيفة، ولن أقدر على التواصل مع أحد أثناء الولادة".

"وفجأة لم أجد زوجي بجانبي جراء إخراجه من المستشفى، وبقيت وحيدة، وبدأت تنهار الدموع من عيوني طالبة الخروج لزوجي، وتحدثت إلى الدكتورة تليفونياً، وأخبرتها أن زوجي ليس مريضاً، ولكن حمل الأمتعة، حرارة الجو، والتوتر لأنه مولودنا الأول جعلوا حرارته ترتفع، وليس معنا أحد. فأخبرتني أن أجري فحوصاً معينة قبل الخروج للاطمئنان على الجنين. أخدوني لغرفة صغيرة ليس بها أحد، وتعاملوا معي خلال التليفون على أساس إني مخالطة لحاله اشتباه كورونا، وانهرت باكية، أكلم أهلي بمصر وصديقتي المقربة، وجاءت ممرضة مرتدية زي التعقيم أجرت لي الفحوصات بعد ما تركوني لأكثر من 35 دقيقة في الغرفة، وتم تحديد يوم 7 للولادة وحضر زوجي معي"، تحكي مروة.

"بدأ الطبيب الأمريكي يحدثني عن أنور السادات، ويذكرني بجمال الأهرامات".

تكمل مروة حديثها لرصيف22: "في السابع من إبريل/ نيسان كان القلق مضاعفاً، ولكن للوهلة الأولى دخل طبيب التخدير، كان في عمر الستين، ليبدأ حديثه معي: ما اسمك، وكم عمرك؟ لم أرد وكان يجاوبه زوجي، فسألني لماذا لا تردي علي، قلت له أنا خائفة جداً ومتوترة وضعيفة. سألني: من أي دولة؟ قلت مصر، فأجاب بترحيب أهلاً بلد محمد أنور السادات. بدأ يذكرني بجمال الأهرامات وحبه لزيارة مصر، ليبدأ يراودني إحساس بالحنين، وأتذكر كل شيء في حياتي والأماكن التي أحبها، نسيت التوتر والوحدة، وقمت وكانت الممرضات من وقت للثاني يطمونني أنهم هنا لمساعدتي، وكانت عبارة أنا هنا معك بابتسامة دافئة تبث الطمأنينة إلى قلبي، وتمت ولادة أليكس، وكنت أعاني من تهتك حدث بسبب اندفاع الطفل أثناء الخروج، وخياطة أكثر من جزء واستمر الحال 4 ليالي حتى خرجت من المستشفى".

"أين أمي؟"

لم تختلف تفاصيل نسيبة الشميري، يمنية (23 عاماً)، تعيش في الرياض في السعودية، والتي رأت أن ولادتها في زمن كورونا مقلق، بسبب ما يجري في العالم، وبادرها قلق خاطف، حول كيفية إنجابها في ظروف كتلك، حيث ينتشر الفزع والهلع من كورونا.

وتقول الشميري لرصيف22: "حينما رأيت واقع العناية واهتمام الكوادر الطبية في المستشفى بحالات الولادة، جعلني المشهد أعيش حالة من الاطمئنان الدافئ في قلبي، على الرغم من الحظر وانتشار الوباء في الدولة، ولقد رأيتها الولادة الأكثر خوفاً وتعباً عن ولادتيّ السابقتين".

وبينما كانت الشميري تتأمل غرفتها، تعرفت على طبيبة من أصول يمينة، والتي بدورها بادرت لتشجيعها، تقول: "أكثر الجمل الخالدة في ذهني، إنتي قوية وقادرة أنك تتحملي وإنتي راح تصيري أم لأحلى طفلة، على الرغم من معاناتي في الولادة، إلا أن الطبيبة كانت صبورة وحنونة، وكانت الأمور تسير بهدوء وأمان، واليوم أعيش بجانب مولودي بهدوء وعدت للمنزل".

رحلة عظيمة وصعبة

بدأت تتغير مشاعر عبير أيوب (31 عاماً)، فلسطينية تسكن في تركيا، منذ اللحظة الأولى أثناء مراقبتها الخطوط الحمراء على شاشة جهاز فحص الحمل، لترى الخط الأحمر الثاني، وهو يظهر ببطء، ليتزايد وضوح الخط، بينما تزايد تسارع ضربات قلبها، حتى أصبح الخطان واضحين أمامها، تقول: "نعم أنا حامل للمرة الأولى، ولكن كنت أدرك أنني أمام رحلة عظيمة وصعبة، سأقضيها أنا وشريكي وحدنا، ولكن لم أكن أتصور أن أضع حملي الأول في ظروف كورونا".

ولم تتوقع عبير أيضاً أنها ستضع حملها قبل الموعد الذي أعلمتها به الطبيبة في العشرين من فبراير/ شباط، ولكن باغتتها آلام المخاض قبل عدة أيام من الموعد، ولم يكن فيروس كورونا متفشياً بشكل كبير في العالم.

تقول عبير لرصيف22: "ذهبت أنا وشريكي وحدنا إلى المستشفى للولادة، بسبب عدم حضور أحد من عائلتي إلى تركيا، ليس بسبب الفيروس، ولكن لأنهم يعيشون في قطاع غزة المحاصر".

"بعد أكثر من ثماني ساعات، حملت طفلتي للمرة الأولى، وكانت هذه بداية الرحلة القاسية، لم يكن أحد ينتظرنا أو ينتظر رؤية جمانا الصغيرة للمرة الأولى. عبارة الترحيب الوحيدة كانت تلك التي كتبت باللغة التركية على قطعة قماش فاخرة زهرية اللون، وضعتها أنا على باب منزلنا قبل الولادة بأيام: أهلا وسهلا بمولودنا الجديد، في الحقيقة أنني وضعتها لكي تستقبل المباركين، الذين كنت أعتقد أنهم سيأتون، ولكننا لم نستقبل أحداً إلا عمال التوصيل" تنهي عبير حديثها.

"في نهاية المطاف اعترفت لنفسي أنني بدأت أشعر بالاكتئاب، الذي أصبح خارجاً عن سيطرتي، وأن الحل ليس في إعداد المخبوزات، الحل هو التحدث مع طبيب نفسي، وكان من الصعب العثور على طبيب نفسي بهذه السرعة"

تقول عبير إن "الشهر الأول بعد الولادة كان الأصعب على الإطلاق، أصبحت لا أفرق بين الليل والنهار، بدأت آلام المفاصل والصداع تسيطر عليّ شيئاً فشيئاً. فقدت شهيتي للطعام وأصبت بنوبات بكاء حادة، لتكون نافذة غرفتي حلقة الوصل الوحيدة مع العالم الخارجي، لكن المدينة الجميلة خالية من كل شيء إلا بعض المارة الذين خرجوا لشراء الخبز، وأصوات طيور النورس المزعجة التي كنت في معظم الأحيان أخالها صوت صغيرتي تبكي".

"ظننت أصوات طيور النورس بكاء طفلتي".

"أصبحت أعيش خوفاً فوق طاقتي، خوفاً غير مبرراً في معظم الأحيان، على حياة ابنتي، لعدم وجود خبرة مسبقة لدي في تربية الأطفال، خوفاً على عائلتي في غزة لو وصل الفيروس إلى هناك، وخوفاً على حياتي أنا وشريكي في حال أصبنا بالفيروس"، تقول عبير.

لم تكن عبير تستطيع مشاهدة الأفلام، وقراءة الكتب، وإجراء مكالمات الفيديو مثل غيرها في زمن كورونا، تقول لرصيف22: "كنا لا نفعل أي شيء إلا التناوب على رعاية الصغيرة، والنوم في معظم الوقت الذي تنام فيه، لم يكن لدينا رفاهية اختيار طلب الوجبات الجاهزة، خوفاً من الإصابة بالفيروس، فكنّا نقوم بإعداد الطعام يومياً في الوقت الذي يتسنى لنا فيه ذلك، التسوق تحول من نشاط ممتع ومسلٍ إلى كابوس نحاول تأجيله قدر الإمكان، لم يكن باستطاعتنا القيام بأي نشاط يخفف من وطأة الضغط النفسي داخل المنزل".

تنهي عبير حديثها لرصيف22: "في نهاية المطاف اعترفت لنفسي أنني بدأت أشعر بالاكتئاب، الذي أصبح خارجاً عن سيطرتي، وأن الحل ليس في إعداد المخبوزات، الحل هو التحدث مع طبيب نفسي، وكان من الصعب العثور على طبيب نفسي بهذه السرعة في ظل ظروف الإغلاق في المدينة، ولكنني في النهاية وجدت ضالتي في عيادة إلكترونية تضم العشرات من الأطباء النفسيين".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard