التواري خلف الكمامة... عن قناع أخلاقي في فضاء عام صحي

الجمعة 17 يوليو 202001:53 م

لا يمكن تنقية التنفس لكن من الممكن تنقية الهواء المراد تنفسه، أو هذا ما تسعى سياسات الكمامة لتحقيقه في الفضاءات العامة، في محاولة لتجنب العدوى وانتشار الوباء من جديد، تزامناً مع عودة ملامح الحياة الاقتصادية، كقرار سياسي أكثر منه كقرار صادر عن المؤسسة الطبية، لإعلان تلاشي أزمة الوباء.

في هذا السياق، يجسّد الشم عامل التفاعل بين الهواء الموبوء والداخل الصحي للجسم، الفم والأنف، أي الوجه الممثل للتقاطع والالتقاء بين الداخل والخارج. يمكن الإشارة إليه على أنه المساحة المستهدفة من سنّ قوانين الكمامة، في سعي للفصل بين الأفراد والفضاء العام، ليحظى الوجه ووظيفة التنفس بالحماية كشرط افتتاح السوق والاقتصاد قبل اكتشاف اللقاح المأمول، مرتباً على ذلك علاقة أخلاقية مجتمعية تحفّز وتبرر عودة المحركات المالية للعمل، وتشجع المقنّع بكمامته للدخول بحسابات أخلاقية، مولدة أدواراً مجتمعية جديدة، التزاماً ومسؤولية محورية من الآخرين، تدور حول أدائه خلف الكمامة أو غيابها في النطاق العام.

الوجه في الـ "نظام التعبيري"

يبحث إرفينغ غوفمان في نطاق التعبيرات الاجتماعية، ليصيغ مفهوم "عمل الوجه"، حيث يكون لوجه الفرد أداء محدد يؤديه بين الجموع، ضمن اتفاق ضمني غير معلن لدعم أداء الآخرين، يكون هذا الأداء مستمداً غالباً من شروط العمل أو الطقوس الدينية، أو متناسباً مع آداب المكان والمكانة الاجتماعية وعلاقات السلطة. والمؤيدون هنا مساهمون بدورهم في الإعلان عن رغبتهم الالتزام بالقواعد الاجتماعية المصممة للحفاظ على أدب المجتمع وأداء أفراده التفاعلي، أو كما يسميها غوفمان "الحفاظ على النظام التعبيري"، وهو النظام الذي يضبط مسار تفاعل اجتماعي ما، حيث أن أي تعبير أو تفاعل من المجتمعين يتناسب مع وجوههم وتعبيراتها.

إذا كان الوجه هو الحامل للقيم الاجتماعية في نظام التعبير ومدلول دراما أخلاقية للالتزام بالنظام التعبيري، فإلى ماذا يؤدي اختفاء نصف الوجه في شرط ارتداء الكمامة الواقية من العدوى؟

الوجه هو القيمة الاجتماعية الإيجابية التي يحملها الفرد عبر أداء معين، يحمل الوجه ادعاء عن النفس بأنها حاملة لكرامة ومستحقة للتعامل باحترام. التفاعل وجهاً لوجه، حسب غوفمان، يعبر عن مساحة مجازية تحمل بعض القداسة، ومؤلفة من طقوس إنسانية. إن الوجه هنا قيمة اجتماعية وحامل للقيم الاجتماعية في نظام التعبير. هو مدلول ومؤشر دراما أخلاقية للالتزام بالنظام التعبيري. لكن، ماذا عن اختفاء نصفها في شرط ارتداء الكمامة الواقية من العدوى؟

التماهي خلف الكمامة ضد سياسات الحجز المنزلي

خاضت دراسات ما بعد الاستعمار بتفسير القناع عند المجتمعات المستعمَرة في القرون الماضية. فسّر بعضها القناع على أنه محاولة لتقليد الفريسة قبل أكلها، بتماهٍ مع الطبيعة ونوع من الشكر والاستحسان. وفي بعض ثقافات الأمازون، كان المزارعون يلبسون "أقنعة الأسلاف" في الاحتفالات الدينية، راغبين بتجسيد روح الأسلاف ومتحدثين بصوتهم، أو في حالات كرنفالية أخرى، يرتدي المؤدون الأقنعة، ساعين لتغيير أنفسهم لشخص آخر متحرر من القيود السياسية والاجتماعية، خلال الرقص والاحتفال.

نحن نتوارى خلف أقنعتنا الصحية باستخدامنا للكمامة، حاجبين وجوهنا، أكثر المناطق انكشافاً في أجسامنا، نحاول التواري من فيروس متخفٍ بطبيعته، مستخدمين آليته الخطرة في الدفاع عن أجسادنا من تهديده، مسرعين للإفلات من قيود التباعد الاجتماعي التي فرضها علينا، بتحويل شرط وجهنا المرئي الواضح الى نصف لا مرئي عند ارتداء الكمامة، وكأننا نتماهى مع سلوك الفريسة قبل افتراسها

يمكن رصد تماثل عبثي مع واقع الكمامة وفايروس كورونا، نحن نتوارى خلف أقنعتنا الصحية، حاجبين وجوهنا، أكثر المناطق انكشافاً في أجسامنا، نحاول التواري من فيروس متخفٍ بطبيعته، مستخدمين آليته الخطرة في الدفاع عن أجسادنا من تهديده، مسرعين للإفلات من قيود التباعد الاجتماعي التي فرضها علينا، بتحويل شرط وجهنا المرئي الواضح الى نصف لا مرئي عند ارتداء الكمامة، من أجل تجنب جسده اللامرئي للعين البشرية.

للقناع عادة دوره المسرحي منذ المسرح اليوناني القديم، حيث كان يوظف لتشكيل الشخصية. وفي مفارقة ساخرة اليوم، يحمل لنا قناع الجراحة الوقائي دوراً ليس مسرحياً فقط، لكن دوراً بحمولة أخلاقية، بتمسرح أخلاقي للفضاء العام وللأدائيات اليومية فيه. هو يحمل كل منا المسؤولية والشبهة في آن معاً، أي الواجب الأخلاقي تجاه الآخرين وتجاه أنفسنا من العدوى أو نقل الفيروس. هو التزام أخلاقي ضمن ما يشبه العقد الاجتماعي، على الجميع تبنيه والعمل على تحقيقه في رتابة الحياة اليومية والتفاعلات الاجتماعية، وقد يخالَف من يتساهل بتنفيذه.

تدخل هذه المسؤولية الأخلاقية ضمن حسابات منطق العواقبية، حيث يلتزم كل منا بالكمامة، آملين بعواقب رحيمة في المستقبل، نتائج غير مؤذية لأفراد المجتمع الملتزمين به بدورهم. أصبح المجتمع الأخلاقي بعد كورنا، هو الجماعات التي عادت للحياة الاقتصادية، من إنتاج واستهلاك، لكنها مرتدية قناع الخلاص والصحة. أصبح الوجه مركزاً لتحديد الموقف والفعل الأخلاقي، ومصدراً لتقريره وإدراكه. هو في حسابات العقل اليومية، أن نعامل حياة كل فرد في المحيط بحذر، كانعكاس لما نريد أن يتعامل معنا المحيط من حذر.

على عكس ما ذكرناه عن النظام التعبيري لدى غوفمان، تماهي الوجه خلف القناع أصبح تعبيراً عن أدائية أخلاقية ومسؤولية اجتماعية للحفاظ على تفاعل المجتمع واحترام الآخر. الكلام وجهاً لوجه أصبح أقل تعبيراً ومتميزاً باختفاء إيماءات الوجه الضاحكة أو الممتعضة، متسماً بصوت مكتوم أقل قدرة على التعبير بطلاقة التواتر والحدة المرافقة للغة. علامة الكتم والتخفي أصبحت ضرباً من الاحترام وعنصراً أساسياً في بنية النظام التعبيري بين المرسل والمستقبل، وغياب الكمامة يعني تجاهلاً لهذا النظام وخرقاً لأخلاقية المتقنع وطقس المتقنعين الصحي.

تنتشر الكمامة اليوم في الأسواق، قاطعة طريقها نحو عروض سلع الموضة. يضاف البُعد الجمالي كتجسيد لدستوبيا العصر، ببنية متحلية بالواجب الأخلاقي والذعر الصحي. ترمز الكمامة اليوم إلى مسؤولية والتزام أخلاقيين، بالتخلّي عن دراما الوجه وديناميكية تعبيراته، لكن بإنتاج مجتمع حديث أخلاقي، يعيد إنتاج نفسه في ظرف وبائي، ضمن أخلاقيات وقوانين الكمامة ضد سياسات الحجر المنزلي، وفي ذات الوقت، تعيد الرأسمالية إنتاج نفسها في شرط وباء كان على وشك القضاء على دورة الحياة الاقتصادية. هي في صلبها أخلاقيات ضد النكوص الإنتاجي للفرد، دعوة للتخفي من الفيروس خلف قناع الوقاية من أجل الظهور خلف المكاتب والأمكنة الإنتاجية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard