"ما لهذا خُلقنا"... داعية أردني يحدث ضجة بـ"أغرب تبرير لتخلّف العرب"

الثلاثاء 14 يوليو 202006:28 م

"بعض الناس يريدنا أن نصنع الطائرات والسيارات والقطارات ثم ننافس أوروبا وننافس أمريكا، ما لهذا خلقنا. لأن الله لما خلقنا شعوباً وقبائل، جعل منا أصحاب فكر وهداة وهم العرب وجعل من الآخرين تلامذةً، يهتدون بهدانا، وعليهم العمل. فيحصل التكامل ما بين فكرنا وعملهم، فيعمر الكون بشكل عام".

أثارت هذه الكلمات للداعية والنائب الأردني البارز محمد نوح القضاة ضجة واسعة خلال الأيام الماضية إذ وصفت بـ"التبرير الجاهل للتخلف العربي عن ركب النهضة العلمية".

كان من الممكن أن يمر هذا التصريح القديم، الذي أعيد تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي مطلع هذا الأسبوع، لو ورد على لسان شخص محدود الشعبية أو رجل دين غير مشهور. 

"بعض الناس يريدنا أن نصنع الطائرات والسيارات والقطارات ثم ننافس أوروبا وننافس أمريكا، ما لهذا خُلقنا"... الداعية الأردني #محمد_نوح_القضاة يثير جدلاً بزعمه أن العرب خلقوا "أساتذة لهداية العالم" والأمم الأخرى لـ"العمل"

لكن الدوي الذي أحدثه التصريح اقترن بشخصية صاحبه وتأثيره في فريق كبير من متابعيه. فالقضاة ذو شعبية جارفة وتأثير فائق على الشباب في الأردن، وشغل سابقاً منصبي وزير الأوقاف ووزير الشباب والرياضة. وحاز لقب "أكثر الشخصيات تأثيراً في الأردن"لثلاثة أعوام متتالية في استفتاء شعبي أجرته الإذاعة الرسمية.

وهو اكتسب شعبيته من والده الداعية نوح القضاة، المفتي العام السابق للقوات المسلّحة ثم للمملكة في الأردن، وقرابته للداعية علي الفقير، أحد مؤسسي وقياديي الإفتاء في القوات المسلحة والنائب البرلماني ووزير الأوقاف سابقاً.

توضيح أم تأكيد؟

عقب الضجة التي أحدثتها إعادة تداول تصريح له خلال برنامج "المرآة" المذاع عبر قناة "اقرأ" عن "الفكر"، خرج القضاة، مساء 13 تموز/ يوليو، في محاولة للتوضيح عبر بث مباشر على حسابه في فيسبوك. علماً أن كلامه كان واضحاً وضوحاً كافياً إذ أكد مراراً: "نحن أمة الهداية نعمل للموعود فيأتي المشهود. ونحن أساتذة العالم".

في بثه التوضيحي، ألمح القضاة إلى وجود "محاولة لتحطيمه" من "خصوم انتخابيين محتملين" على عتبة الانتخابات البرلمانية في الأردن، معتبراً "اقتطاع 41 ثانية فقط وترويجها إثماً عند الله" وعدم تداول اللقاء كاملاً "إساءة للمنهج (الإسلامي) أو لشخصه" وانعكاساً لـ"جهل" من يقومون بذلك.

واستهل النائب الداعية الكلام بالتأكيد أن "الإسلام بريء من التخلف اللي إحنا فيه" كشعوب عربية، وأنه "لا يعقل، ولا عاقل في الدنيا يستطيع أن يقول إن الإسلام أو خدام العلم الشرعي ضد الصناعات".

وأضاف: "كل الحضارات لا تقوم إلا على العلم" و"كل بلد لا توجد فيه صناعة سيبقى ذليلاً تابعاً لغيره"، لافتاً إلى أن حديثه عن أهمية "الفكر والهداية" لا يعني أن الصناعة ليست مهمة.

وأضاف: "‘كنتم خير أمة أخرجت للناس‘ عشان صواريخنا وطياراتنا وسياراتنا؟ لأ يا رب عشان ‘تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر‘. فنحن خير أمة الإسلام بما تحمل من فكر مش بما تحمل من الصناعة"، مستدركاً "مش معناتو أن الصناعة مش مهمة (...) لكن نتكلم عن أولويات: الفكر والقيم أهم من الصناعة، أنا بدون طيارة بقدر أعيش بس بدون صدق بقدرش أعيش".

لم يقدم القضاة جديداً إلى ما ورد في المقطع مثار الجدل، بل أضاف بعض الشروح التي تدعم وجهة النظر نفسها التي رأى فيها معلقون "استعلاءً وتبريراً للخمول والفشل". وهذا ما أدى إلى مزيد من ردود الفعل المنتقدة، ودفع بفريق من متابعيه إلى التساؤل: "لماذا يتهم البعض بالإساءة إليه وباجتزاء كلامه؟".

توضيحاً للضجة التي أثارها، ألمح القضاة إلى "محاولة لتحطيمه من خصوم انتخابيين محتملين، معتبراً "اقتطاع 41 ثانية فقط وترويجها إثماً عند الله" ويهدف إلى "الإساءة إلى المنهج الإسلامي أو إلى شخصه". لكنه لم يقدم إلا مزيداً من الشروح والتبريرات للفكرة نفسها

"النرجسية الإسلامية الطافحة"

وتباينت ردود الفعل على كلام القضاة. كتب أحد المغردين ساخراً: "ما داومت ع الشغل ليه اليوم؟! الدكتور محمد نوح قال ما لهذا خلقنا، خلقنا أصحاب فكر".

وبالغ مغرد آخر في التحذير من خطورة ما قاله القضاة، لافتاً إلى أنه أخطر على المجتمع من الفساد والاتّجار بالدين والسرقة ونهب التبرعات الخارجية والتهرب الضريبي، ومؤكداً أنه يؤدي إلى "سرقة الوعي".

ووصف الكثيرون التصريح بأنه "أغرب تبرير لتخلف العرب عن النهضة التكنولوجية" و"أعظم نكتة في القرن الواحد والعشرين إن لم يكن في كل القرون".

وقال الكاتب والباحث صفاء صبحي: "الدكتور محمد نوح القضاة أستاذ الفقه بالجامعة الأردنية وداعية تلفزيوني ووزير سابق ونائب برلماني حالي، عنده شعبية جارفة بين صفوف الشباب، صريح وواضح ولا يخجل من النرجسية والاستعلائية الإسلامية الطافحة، ويفتخر بها".

"يهبد كل هبدة وأختها"... تحذير من خطورة تصريحات الداعية الأردني على أوساط الشباب، واتهامات له بـ"سرقة الوعي" عبر الترويج لـ"خطاب موهوم تواكلي" بعد زعمه أن العرب خلقوا ليصبحوا "أساتذة للعالم"

وبعدما رأى معلقون أن القضاة "يهبد كل هبدة وأختها!"، وصف الكاتب والباحث الفلسطيني في الشأن الإسرائيلي صالح النعامي كلامه بـ"التخريف".

وغرد الإعلامي والناقد الأدبي الإماراتي علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية، على كلام القضاة: "خطاب متعالٍ تفضيلي يقوم على التفوق المتحيز، فهل هناك أمة تعمل وأخرى تمارس التفكير؟ خطاب موهوم تواكلي جبري حتمي يقسم البشر ثنائيات ضدية تحت غطاء التكامل. إن الهداية الحقة عمل وابتكار وفعل وليس وصاية على أحد، ولا نرجسية أما ‘نحن أساتذة العالم‘، فلم يقلها حتى العرب في عصورهم الذهبية".

في الأثناء، أشار آخرون إلى أن الرد على مثل هذا الكلام لا يكون إلا بتذكير القضاة بإنجازات العلماء المسلمين الأوائل في مجالات الرياضيات والفلك والطب. واتهم عدد كبير من المغردين الداعية بافتعال الضجة لتصدر المشهد.

وفيما سعى متعاطفون مع القضاة إلى تكذيب ما ورد في المقطع، زاعمين أن الصوت مركب، شدد آخرون على أن هذه "سقطة/ زلة واحدة" ينبغي التغاضي عنها.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard