بعد ستة عقود على الإطاحة بالملكية... عراقيون يرغبون بـ"ملك مستنير وإن كان مستبداً"

الثلاثاء 14 يوليو 202002:32 م

رغم مرور 62 عاماً على تدشين الجمهورية العراقية وإلغاء الدستور الملكي، لا يزال بالإمكان اللقاء بعراقيين يحنّون إلى الحقبة الملكية. كانت حركة 14 تموز/ يوليو قد أنهت تلك الحقبة عام 1958، لكن ثمة من يتذكر مآثرها إلى اليوم ويستحضر منجزاتها في معرض المطالبة بإلغاء يوم الانقلاب على الملكية من قائمة العطل الرسمية. قد لا تكون أعداد هؤلاء وازنة في الشارع العراقي، لكنهم يتشاركون مع عراقيين كثر نقمتهم على فشل النظام القائم في البلاد.

بالعودة إلى تلك المرحلة، خرجت تظاهرات ضخمة أيدت آنذاك الحركة وزعيمها عبد الكريم قاسم، بعد مقتل الملك الشاب فيصل الثاني وعائلته، في مقر إقامته في قصر الرحاب، وسط العاصمة بغداد، وسحل جثة الوصي عبد الإله في الشوارع، ونبش قبر رئيس الوزراء نوري سعيد بعد يومين من قتله، وسحل جثته وحرقها في بغداد.

مع ذلك، أشار السفير الأمريكي في بغداد وقتها فالديمار غالمان، في كتابه "عراق نوري السعيد"، إلى حالة الندم التي اعترت الشارع العراقي، بعد أسبوعين من حادثة قصر الرحاب، والشكوك التي سادت حول المستقبل، والمخاوف من الاضطرابات، بعد ثلاثة أشهر من ولادة النظام الجديد.

الجمهورية... من الانقلابات حتى الديمقراطية

لا يُعد انقلاب 14 تموز/ يوليو الأول في تاريخ الدول العراقية الحديثة، لكنه سمح لعبد الكريم قاسم في إنهاء الحقبة الملكية وتدشين مرحلة الجمهورية. لحقه انقلابات أخرى، كان أبرزها ذاك الذي انتهى بمقتل قاسم نفسه على يد عبد السلام عارف في 8 شباط/ فبراير عام 1963، ثم انقلاب البعثيين على عبد الرحمن عارف في 17 تموز/ يوليو عام 1968، وأخيراً "الانقلاب الأبيض" الذي قاده صدام حسين على الرئيس أحمد حسن البكر، في 17 تموز/ يوليو عام 1979.

مع إسقاط نظام صدام حسين، في 9 نيسان/ أبريل عام 2003، دخل العراق في "مرحلة الديمقراطية".

تخلّلت هذه المرحلة مواجهات مع الأمريكيين، وحرب أهلية بين عامي 2006 و2007، وعشرات المواجهات مع الميليشيات والتنظيمات، وصولاً الى سقوط عدد من المحافظات بيد تنظيم داعش، خلال تولي ثلاثة رؤساء وزراء، منتخبين بعد الحكومة الانتقالية، هم نوري المالكي (2006-2014) وحيدر العبادي (2014-2018) وعادل عبد المهدي الذي تولى الحكم عام 2018 وقدم استقالته بضغط من الجماهير، في تظاهرات احتجاجية ضخمة قوبلت بعنف شديد، استقال إثرها في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 2019.

أنهت حركة 14 تموز/ يوليو بقيادة عبد الكريم قاسم عام 1958 الملكية في العراق. 62 عاماً مرت، ولا يزال عراقيون يستذكرون مآثر تلك المرحلة، ويعتبرون أنها أفضل مما أتى بعدها، فيما يطرح آخرون تساؤلات عن المستفيد من الترويج للملكية في المرحلة الحالية

التظاهرات التي اندلعت، مطلع تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2019، واستمرت بعد أيام قليلة من انتشار فيروس كورونا في شباط/ فبراير الماضي، لم تحمل شعارات تستذكر المرحلة الملكية، ولا مطالب بإعادتها، لكن جزءاً من المتظاهرين، طالبوا بالعودة إلى النظام الرئاسي في الحكم، بعد "فشل التجربة الديمقراطية في العراق"، على حد رأيهم، وهو مطلب تبناه الجناح السياسي لحركة "عصائب أهل الحق"، المتمثل بكتلة "صادقون"، وأعضاء من "ائتلاف دول القانون" الذي يترأسه المالكي.

"الحكم الملكي في العراق"

في مجموعة تحمل اسم "الحكم الملكي في العراق"، يُشارك أكثر من 55 ألف عضو صوراً وأحداث تاريخية وقعت إبان المرحلة الملكية التي أسسها الملك فيصل الأول، تحت رعاية بريطانية عام 1921، وانتهت عند مقتل الملك فيصل الثاني.

لا تخلو المجموعة من صدامات بين أعضائها حول تقييم نظام الحكم الملكي وما تبعه، ومن خلافات بشأن تسمية أحداث تموز/ يوليو 1958، بين من يحلو له تسميتها بـ"الثورة"، ومن يصرّ على وصفها بـ"الانقلاب المشؤوم".

عشرات المنشورات التي تقارن بين المرحلة الملكية، وما بعدها، من حيث الإنجازات، والتطور، والتداعيات التي مر بها العراق، في عهد الجمهورية من تولي قاسم لمقاليد الحكم، حتى اليوم. وما يبدو جلياً في المجموعة، الميل الواضح نحو تلك المرحلة، بحنين أشخاص عاصروها أو سمعوا عنها، بينما لم يبق من المعاصرين لتلك الحقبة إلا عدد قليل من المعمرين.

تساؤلات حول الترويج لتلك المرحلة

تثير مجموعة "الحكم الملكي في العراق" تساؤلات لدى أعضاء فيها يستغربون هذه الاندفاعة للإشادة بالمرحلة الملكية، فتُطرح أسئلة على شاكلة: هل هناك نوايا لإرجاع الحكم الملكي؟ وهل هناك جهة سياسية تقف وراء الترويج للمرحلة الملكية؟ ويتساءل آخرون: لماذا لم يطالب العراقيون بالعودة الى النظام الملكي، بدلاً عن النظام الجمهوري، بعد عام 2003؟

توضح المشرفة على المجموعة سهى أحمد، في حديث لرصيف22 أنها بدأت العمل على هذه الفكرة "بلا أي هدفٍ، غير حب التاريخ"، مستغلة منصة فيسبوك لنشر تاريخ العراق بصورة عامة.

وتوضح أنها أنشأت منذ 2009 مجموعات ناجحة بمحتوى مماثل، ورغم أن الأمر مجهد، لكنها تعتبره مفيداً وممتعاً في الوقت نفسه.

وتفسر المشرفة على المجموعة أن سبب الاندفاع إلى استذكار الحقبة الملكية يكمن في فشل الجمهوريات المتعاقبة على حكم العراق، وأن الملك فيصل مات شاباً من دون أن يعدم أو يظلم أحداً.

من ناحية ثانية، ترى أن التجربة العراقية أثبتت للعالم والعراقيين أن النظام الملكي أفضل من الجمهوري.

وتبدو الحماسة جلية في استذكار الحقبة الملكية من خلال طرح فكرة إلغاء عطلة 14 تموز/ يوليو، حيث تساءل أحد الأعضاء عن كيفية إنجاز الأمر، وهل يتم "بتقديم شكوى إلى البرلمان، أم إلى المحاكم العراقية؟"، ويؤيده في ذلك كثر استهوتهم الفكرة، ودافعوا عنها نكاية بالمحتفلين بهذا اليوم، وأبرزهم من الشيوعيين.

يقول أحد المعلقين: "ما وصلنا إليه اليوم هو بسبب ذلك الانقلاب الدموي الذي أنشأ جمهورية الرعب والخوف والانقلابات".

وفي هذا الصدد، يعلق القيادي في الحزب الشيوعي العراقي جاسم الحلفي، قائلاً: "التفكير بالعودة الى الملكية، والحنين إليها، لا ينبع من فكر سياسي ناضج، ولا من المقارنة بالإنجازات بين الحقبتين الملكية والجمهورية من عمر الدولة العراقية، إنما هو ناتج عن الجزع من النظام السياسي الحاضر، وفشل الأخير في خدمة الناس، وتحقيق كرامة المواطن، ووضع البلد بمستوى يليق به أمام العالم".

ويعتبر الحلفي أن الوضع الراهن يدفع الناس إلى اليأس، واليأس يجعل الناس تفكر بالماضي، بمنجزاته، وبتاريخه، موضحاً بالقول: "لا أعتقد أن هذا حل لتجاوز الأزمة الراهنة، على الرغم من وجود عيوب كثيرة في النظام الحالي، في بنيته المحاصصاتية والطائفية والإثنية، وتركيبة القوى السياسية المتحكمة فيه، والفساد وتعطيل الحياة السياسية الحقيقية وتدهور المنظومة الاقتصادية".

وبحسب الحلفي، "إذا كانت الرغبة بالملكية بقصد التفرد بمقاليد الحكم والسيطرة، والمركزية الشديدة، فهكذا طبيعة حكم ولى عليها الزمن، وإذا كان بقصد تأمين القضايا الديمقراطية، فسيكون بصلاحيات دستورية محدودة، تشريفية، وبذلك يؤدي رئيس الجمهورية الدور ذاته، والفرق أن الأول يورث، والثاني ينتخب كل أربعة أعوام".

وبشأن إلغاء اليوم الوطني، يرى الحلفي أن العراق لا يتفرد بتحديد يوم وطني، معتبراً أن فكرة حذفه من قائمة العطل الرسمية، تتطلب مراجعة للعطل الرسمية وغير الرسمية، لا سيما أن الأخيرة تعطل الحياة في البلاد لأيام كثيرة.

"سلبيات الجمهوريات"

بعد أن خمدت فورة الاحتجاجات في العراق، في شباط/ فبراير الماضي، ارتفعت الأصوات التي تجاهر بتبني الأفكار اليمينية، مستبعدة إمكانية إصلاح النظام الحالي، بالتظاهر والاحتجاج، بسبب فشل "النظام الجمهوري"، ومشددة على فشل هذا النظام مقارنة بالنظام الملكي في الحكم.

"الجمهوريات لا تقدم سوى الانتخابات غير النزيهة، وتوزع الفقر بشكل متساو، وتُضيّق حريات الرأي"... يناقش عراقيون عبر مجموعة "الحكم الملكي في العراق" مآثر الحقبة الملكية، ويربطون الحنين إليها بفشل نظام الحكم الذي قام في البلاد من بعدها

أحد الأمثلة على تلك الأصوات يقدمها الشاب منتظر كريم (27 عاماً) الذي يعطي تفسيره للأمر وهو يقول إنه قد يبدو ساذجاً للوهلة الأولى: "أنا وغيري من الشباب نحلم أن نعيش مثل أي شخص خليجي محترم، مثل الشاب القطري والسعودي والكويتي والعماني والإماراتي"، مضيفاً أن "أغلب الشباب يهتمون اليوم بقضايا العالم أكثر من شأنهم الداخلي، بسبب يأسهم من إمكانية إصلاح البلاد، والجمهوريات المعطوبة في الشرق الأوسط".

ويوضح: "الحنين إلى الماضي، هو الحنين إلى عراق محترم ومؤثر، يحكمه ساسة تدرجوا إلى مناصبهم رسمياً، لكنه اليوم انحدر إلى الأسوأ بحكم ملالي وأحزاب وميليشيات، مدعومة الخارج، وتعمل لمصالح الأخير قبل أن تعمل للعراق".

يتحدث كريم عن سلبيات "الجمهوريات" التي بحسب رأيه لا تقدم سوى الانتخابات غير النزيهة، وتوزع الفقر بشكل متساو، وتُضيّق حريات الرأي، فيما يرى أن "الملك" يلبي ويمتثل إلى مطالب الشعب، مشيراً إلى وجود "نسبة كبيرة من الشباب، تتمنى ملكاً مستنيراً، حتى وإن كان مستبداً".

ويختم حديثه متهكماً: "صحيح أن اليمين الجديد بمعناه الحقيقي ضرب من الخيال، والحديث عنه مبكر جداً، لكن لا بأس ببعض العبث مع الشيوعيين والإسلاميين والقوميين العرب".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard