تبون: اعتراف فرنسا بجرائمها الاستعمارية في الجزائر أهم من التعويض المالي

الاثنين 13 يوليو 202007:15 م

"أهم ما يصبو إليه الجزائريون هو اعتراف بما اقترف خلال فترة الاستعمار الفرنسي للبلاد، وهذا أهم من التعويض المالي… التعويض المادي الذي لا يمكن يوماً التنازل عنه هو تعويض ضحايا التجارب والتفجيرات النووية في الجنوب الجزائري إذ لا تزال تبعاته وتأثيراته على الحياة وعلى البشر قائمة حتى اليوم".

وردت هذه الكلمات على لسان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال مقابلة صحافية مطولة نشرتها صحيفة "لوبينيون" الفرنسية في 13 تموز/ يوليو.

أسهب تبون، الذي تولى الحكم في كانون الأول/ ديسمبر عام 2019، في الحديث عن العلاقات الجزائرية الفرنسية خلال المقابلة، مشدداً مرات عدة على أن "الجزائر ضرورية لفرنسا كما أن فرنسا ضرورية للجزائر"، وأن "ملف الذاكرة (الماضي الاستعماري) جوهري".

وحصلت الجزائر عام 1962 على استقلالها عن فرنسا بعد حرب دامية دامت سبع سنوات، أنهت أكثر من قرن من الحكم الاستعماري. وتُنسب إلى القوات الفرنسية مجازر بشعة وجرائم بحق الإنسانية، أخطرها التجارب النووية.

حسم الماضي أولاً

وأوضح تبون أنه طرح قضية إنهاء أزمات الماضي الاستعماري مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي قال إنه "يدرك جيداً الأحداث التي ميزت تاريخنا المشترك". وبيّن الرئيس الجزائري أنه جرى تعيين المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا للقيام بالعمل التذكاري على الجانب الفرنسي، واصفاً إياه بأنه "مخلص ويعرف الجزائر وتاريخها منذ فترة الاحتلال حتى يومنا هذا".

مشترطاً تسوية ملف الماضي الاستعماري أولاً للمضي قدماً في علاقات ناجحة مع فرنسا… الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يقول إن "أهم ما يصبو إليه الجزائريون هو اعتراف بما اقتُرف خلال فترة الاستعمار الفرنسي للبلاد، وهذا أهم من التعويض المالي"

وأعلن عن تعيين نظير جزائري له خلال 72 ساعة، موضحاً أن هاتين الشخصيتين ستعملان مباشرة تحت إشراف الرئيسين، ماكرون وتبون، وآملاً أن "يقوما بعملهما بدقة وصفاء وهدوء لحل هذه المشاكل التي تغذي علاقات البلدين السياسية والاقتصادية والاجتماعية الجيدة". ونبّه تبون إلى أن "الجزائر أساسية لفرنسا كما أن فرنسا ضرورية للجزائر. يجب أن نواجه هذه الأحداث المؤلمة لنبدأ مرة أخرى في العلاقات الناجحة بين البلدين، وخاصةً على المستوى الاقتصادي".

واستطرد: "لا يمكن تعتيم الذاكرة ولا يمكننا أن نفعل ما نريد بها"، معتبراً "تسلّم رفات المقاتلين الذين عارضوا إنشاء الجيش الاستعماري قبل قرن ونصف القرن هو خطوة عظيمة".

ومطلع الشهر الجاري، تسلمت الجزائر من فرنسا رفات 24 مقاتلاً قضوا في مقاومة القوات الاستعمارية الفرنسية في القرن التاسع عشر، كانت جماجم بعضهم معروضة في متحف بباريس.

وأضاف تبون: "بعد التغلب على مشاكل الذكريات هذه، يمكننا المضي قدماً بهدوء كبير. هناك تعاون بشري وعلمي واقتصادي بين البلدين. لقد خسرت فرنسا لتوها مكانها كمُموّن أول للجزائر، لكن هذا يمكن تداركه. لدينا أيضاً مجتمع كبير جداً في فرنسا نريد خدمته والحفاظ عليه".

وذكّر في الوقت نفسه بنحو 20 مليون فرنسي لديهم علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالجزائر.

وأوضح الرئيس الجزائري أن "الجزائريين مهتمون باعتراف الدولة الفرنسية بأفعالها الاستعمارية أكثر من التعويض المادي. التعويض المالي الوحيد الممكن هو لضحايا التجارب النووية الذين لا يزالون يعانون العواقب الشديدة، ولا سيما أولئك الذين يعانون التشوهات. وهنالك مواقع لم تُعالج بعد".

وأشاد تبون بنظيره الفرنسي وباعترافه بأن احتلال بلاده للجزائر كان "جريمة وحشية ضد الإنسانية"، لافتاً إلى أنه "ينتمي إلى جيل جديد. ولد في زمن الاستقلال، ولم يكن على اتصال بجماعات الضغط المعادية للجزائر"، ومبدياً ارتياحه لطلبه الصفح من أرملة المناضل الفرنسي موريس أودان الذي انضم إلى جبهة التحرير الوطني الجزائرية وقتله الجيش الفرنسي.

تبون أسهب في الحديث عن العلاقات الجزائرية الفرنسية خلال مخاطبة القراء الفرنسيين، مشدداً مرات عدة على أن "الجزائر ضرورية لفرنسا كما أن فرنسا ضرورية للجزائر"، وأن "ملف الذاكرة (الماضي الاستعماري) جوهري، ويجب حسمه قبل المضي قدماً في علاقات مربحة للطرفين"

"لن أُخلّد في الحكم"

علاوةً على حديثه عن رغبته في المضي قدماً مع نظيره الفرنسي بشأن العلاقات المشتركة، أكد الرئيس الجزائري أن "لا نية" لديه مطلقاً لـ"الخلود في الحكم"، لافتاً إلى تضرر البلاد والشعب جراء تمسك الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة بالبقاء في السلطة برغم أمراض شيخوخته.

وقال إن الدستور الجديد سيضع حداً للانحرافات التي شهدتها البلاد في الفترات السابقة، لا سيما في ما يتعلق بتعزيز رقابة البرلمان على السلطة التنفيذية وتعزيز الحريات العامة.

وأشار إلى أن إصلاح النظام الانتخابي سيكون الملف الثاني الذي سيُحسم بعد الدستور.

بخصوص العلاقات مع المغرب الشقيق، اعتبر تبون وقف المغرب بناء قواعد عسكرية بالقرب من حدود بلاده ضرورة، واصفاً ذلك بـ"التصعيد". لكنه أكد أن "الجزائر ليس لديها أي مشكلة مع المغرب غير أن بعض التصريحات السياسية والإعلامية تطفو بين حين وآخر على السطح"، مستطرداً "الجزائريون والمغربيون شعبان شقيقان وكتب لهما العيش جنباً إلى جنب".

وأعرب الرئيس الجزائري عن اعتزامه زيادة مساهمة بلاده في حل الأزمات في ليبيا ومالي، مشدداً في الوقت نفسه على عدم توريط الجيش الجزائري في أي نزاع خارجي "إلا لإحلال السلام وبموافقة البرلمان".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard