"التغيير الذي حدث في السودان لم يطلها"... اعتصام أبناء مدينة نيرتتي في دارفور

الاثنين 13 يوليو 202006:57 م

في نموذج يحاكي اعتصام القيادة العامة الذي أطاح بنظام الرئيس السوداني عمر البشير، دخل أهالي مدينة "نيرتتي"، في إقليم دارفور غربي البلاد، في اعتصام مفتوح أمام مباني المحلية الإدارية، في مسعى لحمل الحكومة على الإطاحة بعدد من القادة المحليين، وإنهاء حالة التفلت الأمني التي كانت السمة الأبرز في الإقليم الذي تعادل مساحته مساحة فرنسا، والذي ذاق سكانه ويلات الحرب والنزوح طيلة العهد السابق.

وبالرغم من تعهدات قادة مجلس السيادة والوزراء في الحكومة الانتقالية، بالاستجابة لمطالب الأهالي، عقب زيارة قصيرة للمنطقة، إلا أن الاعتصام ما يزال قائماً، إلى حين تنفيذ مطالب المحتجين، عقب سنوات من نقض العهود والمواثيق بحسب ما يقول أهالي المناطق التي تعاني من الصراع المسلح.

جغرافيا المدينة

تقع مدينة نيرتتي ذات الطبيعة الخلابة في ولاية وسط دارفور، وعلى سفوح جبل مرة البركاني الذي يتوسط الإقليم، ويمتد على طول 12 ألف كيلومتر، فيما تشهق قمته فوق 3000 متر فوق مستوى سطح البحر.

وكبقية أجزاء المنطقة، تتمتع نيرتتي بمناخ البحر الأبيض المتوسط. وحوّل تفجّر شلالات المياه من قلب صخور الجبل المنطقة إلى مساحة زراعية، ووجهة للرعاة، وكذلك للمسلحين.

وتعتبر المدينة إحدى حواضر قبيلة "الفور" ذات الأصول الإفريقية، وهي قبيلة يحمل الإقليم اسمها (دار - فور)، ما يجعلها أحد أهداف مليشيات "الجنجويد" سيئة السمعة.

ويمكن تقسيم الهجمات على المنطقة إما لأسباب اقتصادية (النهب والسرقة) أو لبواعث إثنية أزكاها نظام البشير بمحاولاته فرض نموذج إسلامي عروبي على السكان المتحدّر جزء كبير منهم من أصول إفريقية.

دواعي الاعتصام

ما الذي يدعو أهالي منطقة بهذا الغني للتوقف عن الإنتاج، في عز الموسم الزراعي؟ والاعتصام بالأسابيع أمام مباني إدارية صماء؟

سؤال يجيب عليه عضو اللجنة الإعلامية لاعتصام نيرتتي، مدثر عيسى محمد. يحدد بواعثهم في تنامي التفلتات الأمنية من قبل مسلحين يقول إن غالبيتهم ينتمون إلى النظام البائد، بهدف زعزعة الثقة في الحكومة الانتقالية، وإفشال الموسم الزراعي، وأيضاً لأغراض أخرى تشمل النهب والترويع.

ويقول محمد لرصيف22 إنهم رصدوا في شهري أيار/ مايو وحزيران/ يونيو الفائتين فقط، أكثر من 48 حادثة اعتداء مدوّنة في الأضابير الرسمية، وتشمل القتل، والنهب، والاغتصاب، وإتلاف مزارع الأهالي.

ويضيف أن استجابة الأجسام الإدارية في المنطقة تكاد تكون منعدمة، خاصة الأجهزة الأمنية من جيش، وقوى أمن، وشرطة.

ويلفت إلى أن التغيير الذي حدث في البلاد لم يطل نيرتتي بعد، مستدلاً على رأيه بأن السرقات تتم على مقربة من أنظار الأجهزة المناط بها حفظ الأمن، وذلك من دون أن تحرك ساكناً، فيما تكثُر مخاطبتهم بعبارة "دي المدنية الدايرنها؟"، أي المدنية التي كنتم تريدونها.

نظام البشير اضطر أهالي دارفور لحمل السلاح لعقود، ما يجعل من اعتصام نيرتتي تتويجاً لمسيرة النهج السلمي الذي أطاح بالديكتاتور صاحب المقولة الشهيرة: "نحنا شلنا الحكومة دي بالسلاح، الدايرها اليجيء ياخدها بالسلاح"

يعكس واقع المدينة حالة من عدم التوافق بين المكونين المدني والعسكري الموكل لهما أمر البلاد في فترة انتقالية عمرها أربع سنوات.

قائمة مطالب

تشمل قائمة المطالب التي قدّمها الأهالي لوفد الحكومة المركزية، ووصفها رئيس الحكومة، د. عبد الله حمدوك، بالعادلة، إقالة عدد من المسؤولين المحليين (مدنيين وعسكريين)، وجمع السلاح المتفلّت، وتأمين الموسم الزراعي ومسارات الرعي، وتقديم الجناة إلى محاكمات عادلة.

وبالفعل، قامت السلطات بإقالة عدد من المسؤولين المحليين ضمن لجنة الأمن بالولاية، بجانب مسؤولين محليين في إدارية المنطقة.

وبالرغم من المخاوف الصحية التي خلقتها جائحة كورونا، والتخوّفات الأمنية من مهاجمة الاعتصام، وبدء تنفيذ التعهدات الحكومية، يرى محمد أن ما تمَّ غير كافٍ لإنهاء اعتصامهم.

يؤكد أنه يُثمّن استجابة الحكومة المركزية، ولكن أهالي المدينة لا يزالون بانتظار تكوين القوة العسكرية المشتركة، المنوط بها حفظ الأمن في المنطقة.

وعن التخوفات الأمنية من مهاجمة الاعتصام، يشير إلى أن عوامل الحماية تتركز في التفاف الأهالي حول مطالبهم المشروعة، وتحوّل القضية يوماً بعد يوم إلى قضية رأي عام، علاوة على قيامهم بإجراءات أمنية داخل الاعتصام وفي تخومه، مثل نصب نقاطٍ للتفتيش، ووقف حركة الدراجات النارية، ومنع ارتداء "الكدمول"، أي غطاء الرأس التقليدي الشائع في دارفور.

الموقف الحكومي

يُعتقد، على نحو واسع، أن الحكومة تأخرت في الاستجابة إلى مطالب أهالي نيرتتي.

وكان عضو مجلس السيادة الانتقالي، محمد الحسن التعايشي، قد ترأس الوفد المركزي رفيع المستوى، الذي ضم إلى جانبه عدداً من الوزراء، وزار مقر الاعتصام، بعد سبعة أيام من بدئه.

وألقى التعايشي ورفاقه كلمات تؤكد مشروعية المطالب المرفوعة، وتتعهد بمعالجات سريعة تعيد الأمور إلى نصابها.

تُعتبر مدينة نيرتتي السودانية إحدى حواضر قبيلة "الفور" ذات الأصول الإفريقية، وهي قبيلة يحمل الإقليم اسمها (دار - فور)، ما يجعلها أحد أهداف مليشيات "الجنجويد" سيئة السمعة

يقول المتحدث الرسمي باسم التجمع الاتحادي، جعفر حسن لرصيف22 إن تعقيدات العمل داخل الجهاز الحكومي تقف وراء ما يُقال إنه بطء في استجاباتها للحدث، ولكنه أكد أن التعامل كان على قدر التحدي.

وعن دور القوى السياسية إزاء قضية نيرتتي، كشف حسن عن تسيير التجمع، وهو أحد خمسة فصائل رئيسة مكونة لقوى الحرية والتغيير الحاكمة، قافلةً لدعم المعتصمين، بجانب قيامه بدوره كمرجعية سياسية للحكومة الانتقالية، في ممارسة ضغوط على الجانب التنفيذي لتحقيق مطالب الأهالي.

رسائل

بعيداً عن نيرتتي، يبرز تساؤل عن فحوى الرسائل التي يمكن أن يرسلها الاعتصام إلى البريد السوداني.

يقول عضو هيئة محامي دارفور، صالح محمود، لرصيف22 إن الاعتصام يُعَدّ نقلة نوعية في التعبير عن المطالب والحقوق بشكل سلمي، ويعيد زمام المبادرة للجماهير باعتبارها صاحبة السلطة الحقيقية في القرار.

وينوّه إلى أن نظام البشير اضطر أهالي دارفور لحمل السلاح لعقود، ما يجعل من اعتصام نيرتتي تتويجاً لمسيرة النهج السلمي الذي أطاح بالديكتاتور صاحب المقولة الشهيرة: "نحنا شلنا الحكومة دي بالسلاح، الدايرها اليجيء ياخدها بالسلاح".

تأثيرت الاعتصام

كما هو متوقع، تأثرت عدة ولايات بأهالي نيرتتي، ودخل بعض من مكوناتها في اعتصامات مفتوحة، لحمل الحكومة على تنفيذ مطالب، بعضها موضوعي، فيما لا يمت بعضها الآخر للموضوعية بصلة.

حدث ذلك في مناطق "فتابرنو"، في شمال دارفور التي تشكو من غياب الأمن، و"سوبا"، في العاصمة الخرطوم، بسبب مشكلات ذات صلة بالأراضي، فيما يعتزم بعض السكان الاعتصام في ولاية كسلا شرقيّ البلاد احتجاجاً على احتجاز قائد محلي.

يقول المحلل السياسي، محمد نعيم، لرصيف22 إن عدم معالجة الحكومة للمشاكل في إطار كلي، سيشعل الأرض تحت أقدامها، خاصةً وأن المتربصين بالثورة السودانية، سيعمدون إلى زعزعة الأوضاع في المركز والولايات.

وضرب مثلاً بما جرى يوم الأحد، في 12 تموز/ يوليو، في منطقة "كتم"، في شمال دارفور، من اعتداء على رئاسة شرطة المحلية، من قِبل متظاهرين أضرموا النار في 14 سيارة، واتلفوا محتويات.

ويضيف أن مشاكل الأمن في دارفور عامة، ويمكن تجاوزها بإبرام اتفاق سلام مع حركات الكفاح المسلح في الإقليم، بالتزامن مع اضطلاع الحكومة بواجباتها في فرض الأمن، وجمع السلاح المتفشي في الإقليم.

وترعى دولة جنوب السودان مفاوضات بين الحكومة السودانية والقوى المسلحة في البلاد على أمل إنهاء الصراع الأهلي الذي أودى بحياة الآلاف، وشرد الملايين من ديارهم، وأسهم بشكل كبير في مفاقمة تردي الأوضاع الاقتصادية.

وتُعَدّ حركات تحرير السودان (بقيادة عبد الواحد محمد نور) وتحرير السودان (بقيادة مني أركو مناوي) وحركة العدل والمساواة (بزعامة جبريل إبراهيم)، الأبرز في خارطة الكفاح المسلح لإنهاء الظلم الواقع على سكان دارفور.

المتطابق والمختلف

يحاكي اعتصام نيرتتي الذي يشارك فيه قرابة ستة آلاف شخص، اعتصام القيادة العامة بشكل كبير: نفس الحضور البارز للنساء، تنظيم ونقاط تفتيش عند المداخل، انتشار الأنشطة التوعوية والثقافية والترفيهية، كما أن الوفود ترتاده صباحاً ومساء وسط حفاوة الأهالي المتكفلين بتوفير وجبات الطعام.

فهل يطيح الاعتصام بأحزان الأهالي، أم أن أحلامهم ستُذبح أمام مقر المحلية؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard