"كأني أمارس الزنا مع زوجي"... "الحميمية" في بيوت غزة المكتظة

الأحد 12 يوليو 202005:04 م
لأسباب تتعلق بالظروف المعيشية الخاصة بقطاع غزة من فقر وبطالة، باتت الكثير من العلاقات بين الأزواج تترنح بين انعدام الرغبة والطلاق العاطفي الصامت، وأحياناً كأنك تتابع مشاهد من فيلم البيبي دول، عندما يفشل البطل في لقاء زوجته بسبب عدم توفر منزل يجمعهما، أما هنا في غزة، فالأزواج تجمعهم غرفة واحدة فقط مع الأبناء في بيت العائلة الكبير، لتصبح العلاقة الحميمية شبه مقطوعة.

لم تتذكر علا ماضي (اسم مستعار) أنها أغلقت على نفسها باباً منذ أن تزوجت في غرفة في بيت عائلة زوجها، قبل سبعة عشر عاماً، تحولت حياتها خلال تلك الفترة إلى سراب، فالفتاة التي كانت تحلم بحياة زوجية جميلة يملؤها الحب والفرح، انقلبت رأساً على عقب، فلم تعد قادرة على ممارسة حياتها الزوجية الطبيعية مع زوجها، نظراً لعدم قدرتها على إغلاق باب غرفتها، فكل كلمات الحب والغزل والملاطفة وحتى المداعبة، حُرمت منها، كونها تعيش داخل بيت لا تتوفر فيه أدنى المقومات الزوجية والحرية المطلوب للزوجة.

"الحميمية في الخفاء"

تقول علا، ربة بيت أربعينية، لرصيف22: "علاقتي الحميمية مع زوجي أشبه بممارسة الزنا، فكل شيء يتم بالسرقة وبالخفاء دون أن أستطيع أن أشبع رغبتي الجنسية كأي زوجة تتمتع بأنوثتها وجسدها"، وذلك يعود لكون أم زوجها تمنعهما من إغلاق باب الغرفة عليهما منذ ليلة دخلتها.

وتضيف علا بعد تلك السنوات الطويلة من الزواج فإنها لم تعد قادرة على التحمل، وانطفأت روحها وآمالها بعد إنجاب أربعة أبناء، وتقول: "عندما كنا نمارس العلاقة الحميمية كأنه واجب مطلوب أن نؤديه وننتهي منه، حتى عندما أنجبت أول ولد أصبح زوجي لا ينام بجواري، بحجة الدخان الذي يشربه ورائحته داخل الغرفة، لكن في الحقيقة، الأمر كان عكس ذلك، فهو كان يجلس بجوار والدته التي لها الحق الكامل في التدخل الشخصي بيني وبينه، سواء في أمور المنزل أو الخروج والفسحات أو تربية أبنائي، حتى في غرفة نومي".

"علاقتي الحميمية مع زوجي أشبه بممارسة الزنا، فكل شيء يتم بالسرقة وبالخفاء دون أن أستطيع أن أشبع رغبتي الجنسية كأي زوجة تتمتع بأنوثتها وجسدها"

تصف علا أول عام في الزواج بـ"أخطر سنة في الحياة"، وفكرت أن تهرب بعد إنجاب ابنها الأول، ولكن الوضع الاقتصادي وخوفها من الرجوع لعائلتها كمطلقة، في وسط مجتمع "لا يرحم الفتاة المطلقة".

"توتر عضلات وسرعة قذف"

ويعيش الفلسطينيون في قطاع غزة أوضاع إنسانية ومعيشية غاية في التعقيد، هذه الظروف أثرت على كل مفاصل الحياة الإنسانية للسكان، بما فيها العلاقات الأسرية والعلاقة الحميمية بين الزوجين، وذلك لعدم وجود الراحة النفسية والمكانية لممارسة تلك العلاقة داخل المنزل، نتيجة لظروف عديدة، أهمها ضيق المسكن، عدم توفر الغرف داخل المنزل وكثرة الأبناء، إذ يقطن في الكثير من الأحيان أربعة أو خمسة أفراد في غرفة واحدة، داخل منزل ضيق.

ويقول المختص الاجتماعي والنفسي د. فضل أبو هين، لرصيف22: "العلاقة الحميمية بين الزوجين تحتاج الى الراحة والاستقرار النفسي، والبعد عن جميع الضغوط النفسية والأوضاع الحياتية، وأن يكون الإنسان خالياً وبعيداً عن هموم الحياة، لكن حينما تكون هناك هموم حياة، تحل بدل الاستقرار والراحة، بالتالي هذه الضغوطات تنعكس على نفسية الزوجين".

ويوضح أبو هين أن الوضع الاقتصادي من أكثر العوامل التي تشد وتضغط الإنسان سواء كان من الضغط النفسي أو الجسدي، فهذه العوامل تؤدي الى كثرة المشاكل والصورة الفكرية للإنسان التي طالما شحن فكرها في التوتر، جسم الإنسان وعضلاته سوف تتوتر، وبالتالي ستخلق ظاهرة الارتخاء في العلاقة الحميمية أو السرعة في عملية القذف، فسوف تؤثر على شريك الحياة وتكون كقضاء واجب. وكلما كان الاستقرار والهدوء والراحة يلازم الإنسان، كلما كان النجاح في الأداء، وكلما كان هناك منغصات حياتية، كلما كان هناك مشاكل في العلاقة الحميمية بين الزوجين.

ويؤكد أن أهم المشكلات الناجمة عن تلك العلاقات في المساحات الضيقة، هي أن الزوجين لا يجدون الوقت والزمان والمساحة الكافية لممارسة العلاقة الحميمية بينهما كأي زوجين في هذا العالم الممتد.

"علاقة زميلين في العمل"

تقول أسماء (34 عاماً)، الحاصلة على درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال، إنها لا تعرف نفسها إذا كانت مطلقة أو متزوجة، فهذه حقيقة لا يمكنها تحديد ذلك.

تعيش أسماء وسط عائلة، مكونة من 9 أشخاص في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، والذي يُعرف كواحد من أكثر المخيمات اكتظاظاً بالسكان، إذا تقطن في منزل لا تتجاوز مساحته 60 متراً وغرفاً متجاورة في بعضها البعض.

تصف أسماء علاقتها بزوجها لرصيف22 قائلة: "تحولت علاقتي به من علاقة كانت مفعمة بالحب والرومانسية قبل الزواج، وفي أيام دراستنا مع بعضنا البعض حتى قبل عشر سنوات مضوا من عمري في الزواج، إلى علاقة أشبه ما تكون علاقة زميلين في العمل، إذ اختفى الانجذاب الجنسي والعاطفي منذ 7 سنوات، وتحديداً بعد توقفي عن الإنجاب بالطفل الثاني".

وعن الأجواء المحيطة بالحميمية مع زوجها، تقول أسماء: "هناك الكثير من الرجال يدخنون وتظهر عليهم رائحة فم كريهة، فهذا الأمر كان يضايقني من عدم الاهتمام بنظافته الشخصية، وخلال ممارسة العلاقة الحميمية في السنوات الأولى، كنت أشعر أنه يقود هذه العملية بشكل كامل له فقط، أي أنه يجعل جسدي حسب ما يريده هو بعد تناوله حبوب المنشطات الجنسية، فالمرأة أيضاً تريد المشاركة في كثير من الأحيان وترغب أن تكون هي من تقود العملية الجنسية".

وفي النهاية، تقول أسماء: "عندما كان يتكرر هذا الأمر كنت أشعر بالملل باستمرار هذه العلاقة، فيأتي النفور بشكل كامل وعدم الرغبة".

بيت العيلة

تشير تقارير بأن الأسر الفقيرة في غزة، والتي تعيش في ظروف معيشية وإنسانية صعبة ولا يوجد لها المأوى الملائم والمناسب للحياة الآدمية، تجدها أكثر الناس إنجاباً، حسب مركز المعلومات الفلسطيني،  حيث يتراوح معدل أفراد الأسرة الواحدة 7 أفراد.

وترى وجدان (42 عاماً)، وهي متزوجة وخريجة خدمة اجتماعية، أن سبب كثرة إنجاب هذه العائلات يعود لمحاولة تعويض النقص الذي يعانون منه، وهم عادة لا يخططون للمستقبل، وهذا ما ينطبق على حياتها.

تقول وجدان: "تزوجت قبل 18 عاماً، واستأجر زوجي، وهو موظف حكومي، منزلاً بعيداً عن عائلته، ولكن قبل حوالي سنتين لم نستطع دفع الإيجار، وتراكمت علينا الديون بسبب تقليص الرواتب، فاضطررنا للعيش في منزل عائلته".

وتضيف وجدان: "المنزل الجديد عبارة عن بدروم تحت منزل أهله، مساحة واسعة مفتوحة بلا شبابيك، ولا غرف ولا جدران ولا مطبخ، فقط حمام صغير جداً".

"الأمر بطبيعة الحال انعكس على نفسيتي وعلى نفسية زوجي. لم نعد نستطيع إقامة العلاقة إلا في فترة وجود الأولاد بالمدرسة، حتى انهار نفسياً وأصبح بيني وبينه حاجز كبير، وظل شهور عديدة لا يقترب مني"

باتت وجدان التي كانت تسكن في شقة فيها ثلاث غرف وصالون، إلى النوم هي وزوجها وأطفالها الخمسة على الأرض ملاصقين لبعضهم البعض، خصوصاً في ظل خوف الأطفال من الحشرات، التي تداهم المكان من وقت لآخر، كالصراصير والفئران، وتقول: "الأمر بطبيعة الحال انعكس على نفسيتي وعلى نفسية زوجي. لم نعد نستطيع إقامة العلاقة إلا في فترة وجود الأولاد بالمدرسة، حتى انهار نفسياً وأصبح بيني وبينه حاجز كبير، وظل شهور عديدة لا يقترب مني".

وتنهي وجدان حديثها قائلة: "اضطر زوجي لتناول المهدئات النفسية، ثم المنشطات الجنسية، على أمل أن تعود علاقتنا كما كانت، لكن للأسف هذا لم يحدث".

وهم المنشطات الجنسية

زوج وجدان كحال مئات الأزواج يلجؤون للمنشطات الجنسية للتغلب على وضعهم النفسي، لكن حسب طبيبة النساء والولادة، د. نجلاء أبو حصيرة، فإن هذه المنشطات لا تتعدى كونها إعلانات مثيرة أما مفعولها فغالباً عكسي.

وتؤكد د. أبو حصيرة على حقيقة انعكاس الأوضاع النفسية والمادية على علاقة الأزواج بزوجاتهم، وأنها تؤدي لحالة من عدم الرغبة وموت المشاعر، خصوصاً في حال كان الأزواج يعيشون في غرفة في منزل العائلة، فالحاجز النفسي بينهما يصبح كبيراً جداً.

وتقول أبو حصيرة لرصيف22: "الضغوط النفسية تؤثر جداً على العلاقة العاطفية بين الزوجين والحميمية خصوصاً، فالهموم والتفكير المفرط بمشاكل الحياة، وضغوط العمل والضائقة المالية والتعب الجسدي والإرهاق، كلها عوامل تنعكس سلباً على مزاج الإنسان وهمته ونشاطه، ما يؤدي إلى التأثير بشكل سلبي في العلاقة الحميمية".

وتحذر أبو حصيرة الشباب من الانجرار وراء وهم المنشطات، مؤكدة ضرورة محاولة الأزواج البحث عن سبل للحوار مع الزوجات والفضفضة لهن، والتأقلم مع الوضع المعيشي الحالي، حتى لا يقعون في مشاكل أكبر تنعكس على العلاقة بينهم الى الأبد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard