كيف علّمتني خدمتي العسكرية الإجبارية عن معاناة النساء

السبت 11 يوليو 202003:34 م

في شباط/ فبراير من عام 2013، عدت من منطقة التجنيد بعد سماع اسمي في إعلان انضمام المزيد من الجنود إلى صفوف القوات المسلحة المصرية، بعدها سافرت إلى بلدتي وبدأت في جمع معلومات عن تلك الفترة المجهولة التي أنا على وشك خوضها، التنبيهات والتحذيرات وخبرات من سبقني في أداء الخدمة لابد وأنها سوف تعينني على ما هو آت.

وبالفعل، نصحني صديق قديم بعدة نصائح كان أبرزها، والذي علق في ذهني لمدة أربعة عشر شهراً، هو أن لا شيء في الخدمة العسكرية صعب بقدر حكم النفس على النفس.

لم أفهم الجملة فوراً، لذا فقد شرع الصديق في شرحها قائلاً بأن جميع قراراتي ورغباتي متعلقة بموافقة أو رفض قائدي الأعلى، ورغم أن هذا بدا لي حينها بأنه ليس بالأمر الجلل، مقارنة بمخاوفي الأخرى من التدريبات والاشتباكات وغيرها من الأمور التي تلمع في أعيننا عند ذكر الجيوش، إلا أن ثلاثة أيام فقط في مركز التدريب كانت كفيلة بإيضاح مدى عمق نصيحة صديقي، الجندي السابق، فحكم النفس على النفس كان الأصعب بلا شك.

مرت ستة أشهر، أهلكني فيها حكم النفس على النفس تماماً، وبدأت كأقراني في العد التنازلي لنهاية الخدمة، البعض منا كان يخط بقلمه على باب خزانته أسطراً صغيرة كل منها يُشير إلى يوم، وكذلك فعلت أنا، إضافة إلى كتابة قائمة صغيرة بالكتب التي أستطيع تقليص عبء المدة المتبقية بقراءتها، بقي نصف عام حتى أخلد إلى النوم في موعد اختاره دون قلق أن ينكزني جندي آخر لإيقاظي حتى أستلم منه السلاح وأقف في برج التأمين، غير مصدق أن أربع ساعات مرّت بالفعل منذ أن استلقيت على فراشي، ستة أشهر ولن أراقب يومياً مدى طول خصلات شعري أو انضباط الزي العسكري "الأفارول".

بعد انقضاء المدة المتبقية لن أكون مضطراً لرؤية الأهل بمواعيد ثابتة لا يد لي في تحديدها، الاستئذان قبل الخروج من بوابة الكتيبة أو انتظار قرار المسؤولين عن وجبة غذائي التالية، 180 يوماً متبقية، ولولا أنها أيام معدودات لانقلب الحال تماماً وجننت بلا شك.

عند الحديث عن حياة النساء فلا يمكنني إغفال النظر عن مدى تشابه حياتهن في مجتمعاتنا بما يقرب من عام في الجيش، بداية من فكرة إلزامهن بقائد أعلى يتداول السلطة عليهن بمرور الأعوام، فالأب يجعل من الأخ خليفة له في الإشراف على حياة الأخت، ومن بعدهم سوف "تُسَلّم" الفتاة إلى زوجها 

الجيش والنساء

عند الحديث عن حياة النساء فلا يمكنني إغفال النظر عن مدى تشابه حياتهن في مجتمعاتنا بما يقرب من عام في الجيش، بداية من فكرة إلزامهن بقائد أعلى يتداول السلطة على مقدراتهن مع غيره بمرور الأعوام، فالأب يجعل من الأخ خليفة له في الإشراف على حياة الأخت، ومن بعدهم سوف "تُسَلّم" الفتاة إلى زوجها أو بالأحرى قائدها الجديد، تماماً كما تسلّمني قائد الكتيبة من العميد مروراً بالضباط الأقل رتبة، الفارق فقط أن هؤلاء تحكموا في قراراتي العامة والخاصة في نفس الوقت لفترة ومن ثم انتهى ذلك، أما قادة حياة النساء فحكمهم متتال بلا نهاية، والسؤال هنا: "لماذا لم تجن النساء بعد؟".

تخيل أن تكون مضطراً يومياً لمراجعة قائدك في موعد استيقاظك وعملك وما ترتديه وقصة شعرك، ولا تنس وضع القبعة العسكرية وإلا ذهبت إلى السجن، ثم تفعل ما يحبذه هو وتأكل ما يقره هو، وأن تغادر لأيام قليلة يحددها هو، أن تفعل ذلك دون شكوى أو كلل أو تقصير وإلا فعليك لعنات الجيوش ووزيرها ذاته، بالطبع سوف تكون فترة عصيبة تمر بها، ربما مبررة لأنك بعد انقضائها ستجلس في منزلك مطمئناً لوجود هذا الجيش حائلاً بينك وبين أعداء ما، لكنها ستظل فترة يتحملها البعض بصعوبة بالغة، وكثيراً ما قرأنا في الصحف عن انتحار جندي في جيش دولة كذا أو كذا لعدم احتماله مثل تلك التحكمات، ربما هذا ما جعلني ألقى معاملة خاصة أثناء الإجازات من قِبل الأهل والأصدقاء، وكذلك جعل من مئات آلاف الجنود مصدر هيبة وفخر واعتزاز من الوطن، يتغنون بعملنا في المناسبات الرسمية لأنهم يعلمون ما كنا نعانيه.

والآن تخيل أن تكون تلك هي طبيعة حياتك، بلا نهاية وبلا إجازات وحتى بلا فخر، بل أن هناك من ينتظر سقطة واحدة لك عن تلك الصورة المثالية التي رسمها في خياله عنك، لينهال عليك بعبارات العار والندم وقلة الحياء والانفلات.

أن تستيقظ فتاة يومياً وهي تستعد لتلقي أوامر ذكور منزلها أشبه باستيقاظي في الكتيبة، ألا تستطع الفتاة الاعتراض حتى لا تقع تحت طائلة سوط المجتمع ولعنات الأهل، تماماً كما اعتدت أن أفعل في وحدة الجيش خشية المحاكمة العسكرية.

أن يدقق أحدهم في ردائك 24 ساعة، لا يختلف عن الفحص الذي تخضع له فتيات لملابسهن قبل الخروج من المنزل وعند دخول العمل، وحتى عندما تصبح ضحية للتحرش، فهي شريكة في الجريمة، كما قال أحد مشايخ مصر منذ أيام، لذا، فبطرق عدة تتشابه قصة جيشي مع قصة عادية لفتاة في مجتمعنا، قصتي مؤقتة وقصتها دائمة، بل أن الجيش قد تفوق على منظومة "عسكرة حياة المرأة" تلك، فالضرب مثلًا ممنوع داخل الكتائب، ولم يحدث ولو لمرة أن مد ضابط يده على جندي بسبب أو بدون سبب، بسواك أو بعصا، عكس ما يُطلَب من المرأة أن تقبل به وإن آلمها جسدياً أو نفسياً.

وأمر أخر يخلو منه الجيش بالتأكيد ولا تخلو منه حياة الفتاة، وهو أن من ضمن تلك القرارات التي على النساء أن تنفذها بغض النظر عن رغبتها هي، معاشرة زوجها إن طلب، البعض حتى الآن لا يفهم ماذا يعني الاغتصاب الزوجي ولا يتبرأ من ابتزاز النساء للحصول عليه باسم النشوز.

أن تستيقظ فتاة يومياً وهي تستعد لتلقي أوامر ذكور منزلها أشبه باستيقاظي في الكتيبة، ألا تستطع الفتاة الاعتراض حتى لا تقع تحت طائلة سوط المجتمع ولعنات الأهل، تماماً كما اعتدت أن أفعل في وحدة الجيش خشية المحاكمة العسكرية

في الشهور الأخيرة من خدمتي أصبحت من الجنود القدامى داخل الكتيبة، لذا حصلت على حقي في اختيار موقعي ومهماتي من ضمن اختيارين فقط، البقاء في الكتيبة أو الذهاب إلى فرقة التأمين، اخترت أن أنضم لفرقة التأمين بلا رجعة كي أتجنب الأعمال الشاقة الأخرى داخل الكتيبة، والأهم بالنسبة لي أن أحصر عدد من يمتلكون قراري بيدهم في ضابط واحد فقط، نظراً لتعدد ضباط الكتيبة، ألا يُشبه ذلك هروب الفتاة من بيت أهلها عن طريق الزواج لتستبدل سلطة أبيها وإخوتها الذكور بسلطة الزوج؟ أعتقد ذلك.

بعدما أتممت جيشي حصلت على شهادة كتب فيها أن تقديري كان "قدوة حسنة"، وهو أعلى تقدير يحصل عليه الجندي داخل القوات المسلحة، تقدير لم يكن السبيل إليه إلا الانصياع التام وعدم النقاش وكبت الرغبات جميعها دون انتظار أن يبادلني قادتي أي من هذا، نعم أعلم أن ذلك منطقياً، فأنا لست خبيراً في التدريبات أو الأسلحة بقدرهم، ولكن أن يعتبر الذكر نفسه خبيراً في كل ما يخص المرأة، فيفرض عليها أن تعيش وكأنها في ثكنة عسكرية طوال الوقت، فهذا لا يمت بصلة إلى المنطق.

وإن كنت، عزيزي القارئ، قد مررت بتجربة العسكرية تلك، فأنت تعلم عن ماذا أتحدث تحديداً، أما إن لم تشعر بعد بما تعاني منه النساء لأنه فاتك قضاء فترة التجنيد لأسباب قانونية أو غير قانونية، فربما عليك امتلاك الشجاعة لقضاء عام واحد فقط داخل الجيش دون شكوى، دون تألم، وبلا رواسب نفسية تطاردك لفترة قبل أن تذهب إلى حالها، ثم حاول تكرار ذلك بإرادتك إن استطعت.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard