الحكومة السورية عرّابة "الكوميديا" في زمن البكاء

الجمعة 10 يوليو 202005:18 م

ما إن أقرّ مجلس وزراء سوريا القرار رقم 46 لعام 2020، الذي ينصّ حول وجوب تصريف مبلغ 100 دولار أميركي أو ما يعادله من العملات الأجنبية الأخرى التي يحددها المصرف، لكل مواطن سوري يدخل الجمهورية العربية السورية، وذلك حسب نشرة أسعار صرف الجمارك والطيران، حتى بدأت الأصوات المندّدة بهذا القرار تصدح، وأطلق الشعب السوري حملة من الاستهزاء والسخرية من القرارات التي تبتدعها الحكومة بين الحين والآخر.

المزيد والمزيد من القرارات الخائبة التي تضاف لسلسلة من التشريعات التي صدرت خلال الأزمات والمشاكل التي تضرب البلاد في سوريا.

المزيد والمزيد من القرارات الخائبة التي تضاف لسلسلة من التشريعات التي صدرت خلال الأزمات والمشاكل التي تضرب البلاد في سوريا.

انطلاقاً من ندرة وجود النقد الأجنبي داخل البلد وارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء، وصولاً لبدء تنفيذ قانون قيصر على سوريا، وجّهت الحكومة أنظارها مجدداً نحو مواطنيها، باعتبارهم "البقرة الحلوب" التي اعتادت حلبها في كل مأزق تسعى لحلّه، وعزمت على تنفيذ هذا القرار لإعادة التوازن وملء خزينة الدولة بالقطع الأجنبي من جيوب شعبها، متناسية تماماً كبار التجار ورجال الأعمال الذين يحتفظون بأموالهم على شكل قصور وسيارات وخزائن.

إذ اعتبر البعض أن فرض مثل هذا المبلغ على المواطنين السوريين لزيارة بلادهم، في حين يُسمح للأجانب بالدخول مجاناً للبلاد دون غرامات، هو أمر غير مقبول، سيّما مع وجود فرق شاسع بين سعر صرف الدولة والسوق السوداء بما يتجاوز الـ 50%.

حيث يعتبر هذا القرار جائراً بحق السوريين المتواجدين خارجاً، وخاصة في لبنان، على اعتبار أن الدولار أصبح عملة نادرة، وإذا أراد أي سوري شراءه فعليه أن يدفع سعره حسب صرف السوق السوداء الذي لامس الـ 10,000 ليرة لبنانية للأخضر الواحد، ومن ثم تصريفه داخل سوريا بربع القيمة، فهل أصبح ثمن زيارة بلادنا باهظاً الى هذا الحد؟! أم تحوّلت سوريانا إلى فندق فخم نحتاج لكل هذا الحسابات لدخوله، على الرغم من انعدام خدماته!

إن إضافة بعض من الحلاوة على حياة السوريين ولوكان عن طريق السكر باتت مكلفة، بينما ارتفع سعر الأرز من 400 إلى 900 ليرة، ويأتي القرار وسط أزمة غلاء غير مسبوقة تعيشها البلاد، وتفاقمت مؤخراً إثر الارتفاعات المتتالية لسعر الصرف، مع بقاء الأجور على حالها

تساؤلات كثيرة رافقت ظهور القرار حول الإجراءات التي سيتم اتخاذها في حال لم يمتلك العائد إلى البلاد مبلغ الـ 100 دولار، إضافة إلى مدى قانونية مثل هذا القرار الذي يضع قيوداً على دخول مواطنين سوريين إلى بلادهم، ومدى مخالفته لمواد دستورية، كالمادة 18 من الدستور التي تنصّ على أن الضرائب والرسوم والتكاليف العامة لا تفرض إلا بقانون، أي أنها لا تكون بقرار من رئيس الحكومة فحسب.

إضافة إلى تساؤلات حول مخالفة القرار للمادة 38 من الدستور السوري التي تنص على أنه لا يجوز إبعاد المواطن عن الوطن أو منعه من العودة إليه، وكيف سيتم تطبيق القرار على المغتربين مثلاً، وعلى العائدين من زيارة عمل أو علاج في الخارج.

يُذكر أن القرار الصادر عن رئيس الحكومة المكلف، حسين عرنوس، سيصبح سارياً ابتداءً من شهر آب/ أغسطس المقبل، إلا في حال تم التراجع عنه.

أما بالعودة للقرارات السابقة التي صدرت، فنلاحظ ارتفاعاً ملحوظاً في رسوم المعاملات القنصليّة في السفارات حول العالم، فإذا أردت التمتع بالنظر لجواز سفرك السوري وبشكل فوري، فعليك دفع 800 دولار أميركي، أما اذا كنت تستطيع أن تصبر وأن تقف في الدور للحصول على هذه السعادة، فلا بأس يا عزيزي، أعطني 300 دولار فقط لا غير، والكثير من الأوراق الرسمية التي تتراوح رسومها ما بين الـ 25 حتى الـ 100 دولار، وكأن الشباب السوري المشرذم في البلاد العربية يقطف الأموال من جنائن الغربة ليفرشها على أدراج سفارات وحدود بلاده.

وبموجب القرار الذي اقترحته المؤسسة السورية للتجارة ووافقت عليه اللجنة الاقتصادية، تم رفع سعر السكر، الذي كان يباع عبر "البطاقة الذكية" بسعر 350 ليرة، إلى 800 ليرة سورية للكيلوغرام الواحد، فحتى إضافة بعض من الحلاوة على حياة السوريين ولوكان عن طريق السكر باتت مكلفة، بينما ارتفع سعر الأرز من 400 إلى 900 ليرة، ويأتي القرار وسط أزمة غلاء غير مسبوقة تعيشها البلاد، وتفاقمت مؤخراً إثر الارتفاعات المتتالية لسعر الصرف، مع بقاء الأجور على حالها.

إنها الكوميديا المؤلمة... تدفعنا للضحك على أشد المصائب مرارة، نتجاهلها فتحيطنا من كل صوب، وإذا هممنا بحلها نصطدم بحكومات بارعة في هذه الكوميديا، تُضحكنا دون إذن منّا، وإذا بكيناها ألماً، تمسح دموعنا بعبارات الصمود والتصدّي

في ظل وجود إعلام داخلي منشغل بتصوير ثلاجات الدول المجاورة الفارغة أو دورة حياة البطريق، متجاهلاً هموم الشعب المتراكمة، ومع انتشار صور مرشحي أعضاء مجلس "الشعب" التي تتزيّن بالعلم السوري المرسوم بشكل خاطئ، مع شعارات أكل عليها الدهر وشرب، بعيدة كل البعد عن مشاكل الشعب الحالية، تتقن الحكومات دورها بالتصويب عبر قراراتها تجاه الداخل والخارج معاً، إما نحو لقمة عيش المواطنين أو في عرق وغربة المغتربين.

إنها الكوميديا المؤلمة... تدفعنا للضحك على أشد المصائب مرارة، نتجاهلها فتحيطنا من كل صوب، وإذا هممنا بحلها نصطدم بحكومات بارعة في هذه الكوميديا، تُضحكنا دون إذن منّا، وإذا بكيناها ألماً، تمسح دموعنا بعبارات الصمود والتصدّي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard