عندما يعتبر السياسيون في لبنان الفوطة الصحية "رفاهية"

الجمعة 10 يوليو 202006:05 م

وضعت العلبة الأولى في عربة السوبرماركت وما إن امتدت يدي على العلبة الثانية، حتى جاءني صوت من الخلف يقول: "لأ Madame علبة واحدة بس"، أدرت وجهي ورأيت الموظف ينظر إليّ كما لو أنني ارتكبت جريمة، وحينها سبق لساني تفكيري وأجبته بعصبية: شو بتعمل الوحدة إذا بتجيها قوية؟"، فاحمرّ وجهه خجلاً وتمتم قائلاً: "والله أنا ما خصّني، هيك التعليمات علبة لكل زبون".

نعم، لقد وصل بنا الأمر، نحن النساء في لبنان، إلى الشعور بالإحراج كلما أردنا شراء الفوط الصحية، فإما أن نجدها مفقودة من الأسواق (أو على الأقل بعض الماركات التي لطالما اعتدنا عليها ليس من باب البرستيج إنما لكل جسم نوعية معيّنة تناسبه) وفي حال حالفنا الحظ وعثرنا عليها، نلاحظ أن أسعار هذه العلب قد "دوبلت" السعر القديم، ناهيك عن الخضوع لسياسة التجار وتحديدهم عدد الفوط الصحية المسموح شراؤها، وقرارات الحكومة اللبنانية التي قامت مؤخراً بتحديد السلع الأساسية لدعمها، متجاهلة حاجات النساء.

الفوطة الصحية مش luxe

"برمت كتير محلات، كانت ماركة الفوط الصحية يلي عادة بستعملها مقطوعة، وبمحلات تانية تكون مكدسة على الرفوف بس ممنوع ناخد أكتر من علبة وحدة"، هذا ما قالته آمال، عندما سألناها عن كيفية تأمين مستلزمات الدورة الشهرية في الآونة الأخيرة.

وعبّرت الشابة البالغة من العمر 30 عاماً عن غضبها من الأوضاع المعيشية الصعبة التي آلت إليها البلاد، في ظل تحكم التجار بالأسواق: "تعتير هالبلد، بدّن يبيعونا بضاعة على ذوقن"، في إشارة إلى وجود بعض الماركات دون سواها.

وعن ارتفاع أسعار الفوط الصحية، قالت لرصيف22: "العلبة يلي كنت جيبها بـ3500 ل.ل صارت اليوم بـ7500 ل.ل وأنا بالعادة بدي علبتين بالشهر، يعني هودي 15000 ل.ل وبعد ما عملت شي"، وأضافت: "المشكلة إنو الفوط الصحية مشluxe وما فيكي تستغني عنها، مضطرين نشتريها متل الشاطرين، بس شكلن بهالبلد بدن يرجعونا على إيام كانوا فيه النسوان يحطوا قماش وقت الدورة الشهرية".

التمييز الجنسي واستغلال الحاجات النسائية

ليست الفوط الصحية من الكماليات ولكن يبدو أن الحكومة اللبنانية تتعامل مع الأغراض النسائية وكأنها كذلك.

فبعد أن علت أصوات المواطنين/ المواطنات احتجاجاً على ارتفاع الأسعار بشكل "جنوني"، أعلنت وزارة الاقتصاد عن السلة الغذائية المدعومة التي تهدف إلى تأمين المواد الأساسية بسعر منخفض.

"المشكلة إنو الفوط الصحية مشluxe، مضطرين نشتريها متل الشاطرين، بس شكلن بهالبلد بدن يرجعونا على إيام كانوا النسوان يحطوا قماش وقت الدورة الشهرية"

وقد توزّعت السلة على فئات ثلاث: مواد أولية زراعية، مواد أولية صناعية، سلع مستوردة جاهزة للاستهلاك، وأُضيفت إليها اللحوم ومشتقاتها، منتجات دهنية، مكسرات، حليب وبعض السلع الاستهلاكية مثل مساحيق التنظيف، القفازات، معجون الأسنان، المحارم الورقية...

والمفارقة أنه تم إدراج شفرات الحلاقة الرجالية في السلة المدعومة، في حين غابت عنها الفوط الصحية، الأمر الذي أثار حفيظة النساء واحتجاجهنّ على سياسة التمييز الجنسي.

ردّاً على قرارات الحكومة ولائحة السلع التي تشملها السلة الغذائية والاستهلاكية المدعومة في لبنان، قالت الصحافية والناشطة في مجال الحقوق الجندرية، ميرا عبدالله: "شي كتير طبيعي إنو السلة المدعومة تستثني السلع المتصلة بحياة الإناث بشكل مباشر، لأنو النساء في مركز صنع القرار لا يشكلن تمثيلاً منصفاً. للأسف نحن بسلطة ذكورية، وبالتالي من الطبيعي ساعة بيكون عنّا اشخاص اخدوا هالقرار كلن رجال يطلعوا بقرارات غير منصفة بحق النساء".

وأضافت عبدالله لرصيف22: "أنا ما بتوقع من رجال ما بحياتن استعملوا الفوط الصحية ومش متعايشين مع فكرة إنو الفوطة الصحية مش كماليات ولا شي نحن النساء منشتريه من باب الدلع إنو يفكروا بدعم الفوط الصحية... طبعاً ما حدا رح يفهم أهمية هيدي المنتجات غير الأشخاص يلّي أجسادهنّ بتطلب إنو يستخدموها".

وتحدثت ميرا عن "تسليع" واستغلال حاجات النساء: "مش جديدة علينا إنو يكونوا الضرايب على السلع المتعلقة بالنساء أعلى من السلع التي يستخدمها الرجال... وأصلاً ليه نحن بدنا ندفع ضرائب على الفوط الصحية بالوقت يلّي مفروض تكون من السلع الأساسية المدعومة؟".

واعتبرت عبدالله أن معظم القوانين والقرارات التي تكون مجحفة بحق النساء تكون صادرة من قبل الرجال، دون الأخذ بعين الاعتبار رأي النساء وهواجسهنّ: "النساء بحقلهنّ يعطوا رأيهنّ بالموضوع ويكون عندن seat at the table (مقعد على الطاولة)، يمكن ياخدوا نفس القرار بس بيكونوا عم بيقاربوا الأمور من منظور نسائي"، مشددة على أهمية وصول النساء الكفوءات إلى مراكز صنع القرار:" أقل من 50% من النساء الكفوءات في مواقع صنع القرار لا يضمن تمثيلاً منصفاً للمرأة في المجتمع".

هذا وختمت ميرا عبدالله حديثها بالقول: "أكيد المرأة هيي يلي بتعرف قديه بتعوز فوط صحية بالشهر، بالوقت يلّي أصدروا القرار بشأن السلة المدعومة هنّي 7 رجال ما بحياتن اختبروا تجربة العادة الشهرية ليعرفوا فعلاً حاجات النساء".

التبرّع بالفوط الصحية

"بشكل عام، تحتاج الأنثى كل 28 يوماً تقريباً إلى علبتين من الفوط الصحية، علبة من بطانة الملابس الداخلية، قارورة من الغسول النسائي للعناية اليومية بالمنطقة الحميمة، علبة من المناديل المبللة للمنطقة الحساسة ومسكنات الألم".

وفي الوقت الذي يخيّم فيه شبح الفقر على لبنان وسط الغلاء الفاحش وتفلّت سعر صرف الدولار وتداعيات أزمة كورونا، أطلقت كل من لين مصري ورنا حداد، مبادرة "دورتي" لمساعدة النساء اللواتي يجدن صعوبة كبيرة في الوصول إلى الموارد اللازمة لشراء الفوط الصحية، وغيرها من مستلزمات الدورة الشهرية، بعد أن باتت أسعارها "تكوي الجيوب".

وعن الفكرة الكامنة وراء هذه المبادرة، قالت لين مصري لموقع رصيف22: "لطالما فكرت بحالة المرأة الفقيرة عندما تأتيها العادة الشهرية، وفي فترة كورونا ومع تأزم الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلد لاحظنا أن المساعدات بمعظمها متعلقة بالمواد الغذائية والمستلزمات الوقائية، كالمعقمات والـwipes (المناديل المبللة)، وعندها فكرنا بإطلاق مبادرة 'دورتي' لمحاربة فقر الدورة الشهرية، من خلال جمع التبرعات المتعلقة بمستلزمات فترة الحيض، بالإضافة إلى تنظيم حملات توعية عبر صفحتنا على إنستغرام، وتسليط الضوء على مواضيع تابو كحملة share your first story (شاركينا بتجربتك الأولى مع الدورة الشهرية) لكسر حاجز الخوف والسماح للفتيات بالتحدث في العلن عن أول مرة اختبرن فيها العادة الشهرية".

وكشفت مصري عن التحديات التي تواجهها الكثير من النساء لجهة تأمين مستلزمات الدورة الشهرية في ظل هذه الظروف المعيشية الصعبة: "مش بس الطبقة الفقيرة عم تعاني من period poverty (فقر الدورة الشهرية) حتى عم نتلقى كتير اتصالات من نساء من الطبقة الوسطى عم بيطلبوا فوط صحية وغيرها من المساعدات".

وأشارت لين إلى أن الدورة الشهرية يمكن أن تمثل تحدياً بحدّ ذاتها، في ظل الغلاء وعجز النساء في المناطق الفقيرة عن الحصول على مياه نظيفة، بالإضافة إلى تحديد عدد الفوط الصحية التي يمكن شراؤها، مع ما يعني ذلك من تداعيات على النظافة الشخصية للمرأة: "بعض النساء عم بتترك الـpad (الفوطة الصحية) لفترة أطول من دون تغيير، وفي نساء عم بتنظف الفوطة نفسها، وحتى البعض عم يبحث عن بدائل غير صحية بتعرضن لالتهابات".

"المرأة هيي يلي بتعرف قديه بتعوز فوط صحية بالشهر، بالوقت يلّي أصدروا القرار بشأن السلة المدعومة هنّي 7 رجال ما بحياتن اختبروا تجربة العادة الشهرية ليعرفوا فعلاً حاجات النساء"

تقوم مبادرة "دورتي" بجمع التبرعات ومسلتزمات الدورة الشهرية من مختلف الراغبين/الراغبات، سواء كان ذلك عبر إرسال الفوط الصحية وبطانة الملابس الداخلية والمناديل المبللة مباشرة إلى لين مصري ورنا حداد، أو عبر تطبيقات تقدم خدمة التوصيل إلى المنازل مثل 961home، Toters، noknok ، وعبر موقع just-help.org/c/dawrati أو من خلال pharmacie du quartier في منطقة الأشرفية، ليُصار بعدها إلى جمع السلع النسائية في Menstruation kit (عدّة الدورة الشهرية) وإرسالها إلى الجمعيات مثل: بيت البركة، كفى، بسمة، مريم ومرتا، بالإضافة إلى توزيع المساعدات على الفتيات الأثيوبيات اللواتي افترشن الطريق أمام سفارة بلادهنّ.

وبالرغم من مرور شهرين فقط على إطلاق "دورتي"، إلا أن هذه المبادرة تمكنت من تأمين مستلزمات الدورة الشهرية لحوالي 400 امرأة: "يمكن الرقم بعدو صغير بس المبادرة عمرها شهرين، ونحن عم نشتغل من دون sponsors (رعاة) والتحدي الأكبر بالبلد هو الشعب يلي كلو مأثر بالوضع الاقتصادي"، بحسب مصري، التي تابعت حديثها بالقول: "السؤال هو مين قادر بعد يتبرع؟ الطبقة الوسطة يلي كانت تساعد بلشت تفكر بحالها".

وبالنسبة للمشاريع المستقبلية، كشفت لين أن مبادرة "دورتي" تسعى للترويج لمنتجات الدورة الشهرية القابلة لإعادة الاستخدامreusable period products مثل الـcups (كأس الحيض)، غير أن ذلك يحتاج إلى مجهود إضافي، وفق قولها: "هذا الأمر يتطلب منّا إطلاق حملات توعية، ليس فقط من أجل إلغاء الصور النمطية التي تدور حول الـcup مثلاً، والذي يتم ربطه بالـvirginity (العذرية)، إنما التأكد من تطبيق إجراءات النظافة، فإذا لم يكن بمقدور المرأة الوصول إلى المياه النظيفة فكيف بإمكانها تنظيف الـcup بشكل جيّد منعاً لتجنب الإصابة بالالتهابات المهبلية؟".

وفي الختام، أكدت لين مصري أن ما يجعل لبنان بلداً مميزاً هو التكاتف الاجتماعي: "ما حدا بيترك حدا بهالبلد"، مضيفة: "الهدف الأساسي من مبادرة 'دورتي' هو أنو تعيش المرأة بـDignity (كرامة) خلال الدورة الشهرية، وما يكون عليها تختار بين إطعام نفسها وعائلتها وبين شراء المنتجات الصحية النسائية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard