نصر الله يكتشف الزراعة

الخميس 9 يوليو 202012:18 م

كلّما آلت منظومة المناهبة في لبنان إلى السقوط يعالجها أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، بخطاب استراتيجي يجترح فيه الحلول الإيديولوجية المذهلة. ليس غريباً، فلطالما قيل "بحصة بتسند خابية".

قبل أيام طالعتنا وزيرة الاعلام في حكومة حسان ذياب، بحل سحري لأزمة تصريف محصول البطاطا، البطاطا اللبنانية التي تكدّست في المستودعات لأنها لم تجد سوقاً للتصريف. الحل السحري للوزيرة كان بتحويل البطاطا إلى طحين وخلطه مع طحين القمح (الطحين المستورد والذي يهرب بمئات الأطنان إلى سوريا ما يجعله شحيحاً في لبنان). إذن، هو حل سحري بمفعول مزدوج، بل مثلث الأبعاد: يعالج أزمة تصريف البطاطا، شحّ الطحين ويتيح مزيداً من تهريب الطحين المدعوم من مال اللبنانيين إلى سوريا.

من يطالب اللبنانيين بالتحول إلى الزراعة عليه أولاً أن يؤمن تصريف إنتاجهم الزراعي، خصوصاً إذا ما عرفنا التكاليف الباهظة للإنتاج الزراعي في لبنان، خصوصا أيضاً إذا ما عرفنا أن لا تمويل مصرفي لهذا القطاع أو لسواه.

"علينا أن نأكل مما نزرع وأن نلبس مما نصنع"، (لكنه لم يذكر أنه اقتبسها عن جبران خليل جبران!).

وها هو نصر الله يبتدع حلَّه السحري لإنقاذ البلاد من المجاعة، فيحول التهديد إلى "فرصة" على طريقة الشابة زهراء قبيسي، التي انتشر مقطع مصوّر لها على وسائل التواصل الاجتماعي: "نحنا بننهار؟ نحنا ما بننهار".

نصر الله يكتشف الزراعة والصناعة ويدعو إلى جهاد الزراعة والصناعة، لأنه "حيث يجب أن نكون سنكون"! ويقرر: إن المجتمعات المنتجة هي التي تستحق الحياة والحرية! إذن، المشكلة هي أننا مجتمع استهلاكي، ولسنا مجتمعاً منتجاً لحاجاته، ولكي نتجاوز الأزمة المعيشية والاقتصادية والمالية والنقدية (التي هبطت علينا من الفضاء الخارجي، ربما) علينا أن نتحول من الاستهلاك إلى الإنتاج. المشكلة عندنا، المشكلة فينا كمجتمع مستهلك يحصل على "مائه وأوكسجينه من الخارج"، فماذا يفعل نصر الله لنا إن قطع هذا الخارج عنا الأوكسجين والماء؟

"علينا أن نأكل مما نزرع وأن نلبس مما نصنع"، (لكنه لم يذكر أنه اقتبسها عن جبران خليل جبران!).

لم يقل لنا نصر الله لماذا علّق الاقتصاد اللبناني في نموذج الريع والاستهلاك، لم يذكر سوى الفوائد المرتفعة التي أغرت المترسملين بتوظيف رؤوس أموالهم بالمصارف بدل أن يوظفوها في القطاعات الإنتاجية.

لم يذكر كل المعيقات التي تقف حاجزاً منيعاً في وجه توظيف رؤوس الأموال في القطاعات الزراعية والصناعية، والتي تقف وراءها، إلى جانب التعقيدات الإدارية، المافيات المتحكمة بالإدارة وعلى الأرض. فالمعاملات المعقدة مقصود منها فرض خوات باهظة لتيسيرها، وحلفاء نصر الله وشركاؤه في السلطة متهيئون دائماً للانقضاض على كل مشروع اقتصادي منتج، ليكونوا شركاء الـ51% منه كي يسمحوا له بالعمل والاستمرار.

هذا لن يذكره نصر الله لأنه بذلك يفضح حلفاءه وشركاءه. لن يذكر مافيا المستلزمات الزراعية والصناعية، بحيث أن تكاليف الإنتاج تتفوق على قيمة الإنتاج، خصوصاً في الزراعة، نظراً للاحتكارات في سوق اللوازم والمبيدات والأسمدة وسواها. وكنت قد أصبت بصدمة قبل أيام، حين تكبدت في عملية رش المبيدات لمئة شجرة زيتون متوسطة الحجم والإنتاج، ما يفوق ثمن الزيت المتوقع إنتاجه منها!

خطاب نصر الله الأخير الهادئ، وما فيه من حرص ظاهر على الأمن الغذائي للبنانيين، هو خطاب تضليلي بامتياز، فالزراعة والصناعة لا يمكن أن ترعاها منظومة قائمة على النهب والتقاسم والاستئثار، منظومة هي المسؤولة في الأساس عن سحق القطاعات الإنتاجية

خطاب نصر الله الأخير الهادئ، وما فيه من حرص ظاهر على الأمن الغذائي للبنانيين، هو خطاب تضليلي بامتياز، فالزراعة والصناعة لا يمكن أن ترعاها منظومة قائمة على النهب والتقاسم والاستئثار، منظومة هي المسؤولة في الأساس عن سحق القطاعات الإنتاجية، وتحويل ما أمكن من الشباب إلى "بديغاردز" وشبيحة وبلطجية ومقاتلين تابعين للقوى الناهبة إياها، منظومة هبَّ حزب الله لإنقاذها تماماً كما هبَّ لإنقاذ نظام الأسد في سوريا، ليس حباً فيها وإنما ليطبق سيطرته عليها.

القوة السياسية المسلحة بالأيديولوجيا وبالعتاد الحربي، لا تبذل الغالي والنفيس من أجل إنقاذ نظام أو منظومة مسيطرة "ببلاش". الهدف الاستراتيجي من إنقاذ نظام الأسد في سوريا أو منظومة المناهبة في لبنان، هو الهيمنة بها ومن ثم الهيمنة عليها.

حزب الله والجهة التي تقف وراءه لا يمكن أن يُقدم على أي تغيير "تقدمي" يمس النظام المسيطر، شكلاً أو مضموناً، مهما كان سيئاً وفاسداً وهو يقرّ بذلك، ولكنه "يجاهد" لتكريس منظومة رجعية، هو الذي لا يجد نفسه إلا في ماضٍ متخيَّلٍ بائد.

ليس من مصلحة نصر الله أن يتطرق، لا من قريب ولا من بعيد، لا صراحة ولا مواربة، لمئات مليارات الدولارات المنهوبة التي حُوّلت إلى الخارج، أو تحولت إلى ملكيات عقارية في الداخل والخارج، لم يتطرق إلى الأملاك العامة المنهوبة ولا إلى الناهبين الذين سخّروا وجودهم في السلطة وعلاقاتهم التحاصصية فيها للسطو على أموال الدولة ومدخرات المواطنين، فهؤلاء النَهَبَة هم المركوب الذي يتوسّله نصر الله لبلوغ أهدافه.

أخطر ما في حديث نصر الله هو القول إن أصل الانهيار الاقتصادي والمعيشي هو الحصار الذي يفرضه الغرب على لبنان. في الواقع، هناك عقوبات على حزب الله تفرضها حكومة الولايات المتحدة، أما رد أسباب الانهيار إلى هذه العقوبات فهو للتعمية على السبب المادي الحقيقي المباشر: نهب أموال الدولة وأموال الناس، هذا النهب الذي يستمر حتى اللحظة بحماية حزب الله الذي تصدى منذ البدء لثورة 17 تشرين لحماية منظومة المناهبة.

كالعادة انقسم اللبنانيون على خطاب نصر الله، بعضهم حوّله إلى مادة للسخرية وآخرون استخدموه للمباهاة، لكنه بالنسبة لي ليس إلا مادة لتلمس المخاطر المتفاقمة على البلاد وأهلها، طالما تستمر نفس الوجوه في تقرير سياساتها الاقتصادية والمالية والثقافية والدفاعية

لا يصحّ الحديث عن التحول من اقتصاد ريعي استهلاكي إلى اقتصاد منتج إلا إذا اقترن بتغيير سياسي على مستوى السلطة، تغيير يقتلع القوى المسيطرة المستفيدة من نظام الريع والاستدانة والنهب، والتي يمكن لحزب الله أو لسواه من قوى الهيمنة أن يتوسل ركوبها لتحقيق أهدافه البعيدة واستراتيجياته في البلاد والمنطقة.

ولا يمكن الحديث عن تشجيع القطاعات الزراعية والصناعية إن لم تكن هناك إرادة سياسية قادرة على تأمين الظروف المناسبة لتوظيف الرساميل المحلية والأجنبية في هذه القطاعات، سواء على مستوى تكاليف الإنتاج، تصريف الإنتاج أو تسهيل المعاملات وتأمين البنى التحتية ومصادر الطاقة المستدامة اللازمة لعملية الإنتاج.

كالعادة انقسم اللبنانيون على خطاب نصر الله، بعضهم حوّله إلى مادة للسخرية وآخرون استخدموه للمباهاة، لكنه بالنسبة لي ليس إلا مادة لتلمس المخاطر المتفاقمة على البلاد وأهلها، طالما تستمر نفس الوجوه في تقرير سياساتها الاقتصادية والمالية والثقافية والدفاعية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard