"كُنت أصحى بردانة"... انتهاكات بحقّ العمال المهاجرين في الأردن

الأربعاء 8 يوليو 202007:03 م

لم تكن أفوا آنك، وهي من ساحل العاج، تعلم قبل قدومها إلى الأردن في العام 2012، أن عقود العمل أحياناً لا تكون أكثر من حبر على ورق، وأن القيمة الأخلاقية لـ"كلمة الرجال" التي تعتبر عند العرب عهداً ووعداً، تكون "حكي جرايد" للبعض، ولم تكن تعلم أيضاً أن ضريبة الغربة مرتفعة جداً.

لكن يبدو أن أفوا كانت على علم مسبق بالمثل العربي الذي يقول: "الغريب يجب أن يقعد أديب"، كأن هذا المثل، الذي فيه من القمع أيضاً، هو الذي يفسّر صمتها ستة أعوام كاملة، قضتها كعاملة منزل في أحد المنازل الأردنية، تعرضت خلالهم لسلسلة من الانتهاكات، واجهتها بالصمت ولا شيء إلا الصمت، حتى طفح الكيل وقالت بالأردني: "خلص".

 "من أول يوم بلشت شغل... من أول يوم بلشت شغل"

أفوا واحدة من الحالات التي تواصلت معها لإعداد هذا التقرير الذي يروي قصص انتهاكات مورست بحقّ العمالة الأجنبية والعمال المهاجرين في الأردن، ومن خلال التواصل معها عبر "الواتساب"، حيث تتواجد اليوم في بلدها وبين عائلتها، روت قصتها بعين ولهجة قوية أيضاً، وهذا أمر طبيعي، ليس لأنها موجودة في بلدها، بل لأنها انتصرت حتى ولو بعد حين.

تعرّفت على أفوا عن طريق مركز "تمكين" للمساعدة القانونية للعمال الأجانب، ووفق ما جاء في حديثها، تم إحضارها الأردن عن طريق تاجر أردني يعمل في ساحل العاج، تعرف عليها هناك عن طريق أحد مكاتب التوظيف، وعرض عليها المجيء إلى الأردن للعمل كصيدلانية، كونها عملت مسبقاً بهذه المهنة بدعم من شهادتها في علوم الصيدلة، لكنه أعطاها "كلمة رجال" بأنه سيجعلها تعمل كصيدلانية، بعد أن تعمل فترة قصيرة كعاملة منزل.

لكن ما حصل، وفقاً لحديث أفوا، أنه في اليوم الأول من وصولها الأردن، عندما أخذها ذلك التاجر إلى منزله، استقبلتها زوجته وأمرتها أن تنام ساعة واحدة فقط، ومن بعدها أن تباشر عملها في تنظيف المنزل: "من أول يوم بلشت شغل... من أول يوم بلشت شغل"، جملة كررتها أكثر من مرة.

وفي لائحة الشكوى التي قدمتها أفوا لمركز "تمكين"، احتوت الانتهاكات والمخالفات القانونية التي تعرضت لها خلال الأعوام الستة في ذلك المنزل، على: "استقطاب، حجز حرية، حجز رواتب، عمل جبري، استغلال حالة ضعف، وعود كاذبة، خداع وإيذاء"، حيث لم تتقاض هذه العاملة المغتربة أجرها طوال ستة أعوام، وفقاً لمركز "تمكين"، مع العلم أن زوجة صاحب العمل كانت تتنقل بها ما بين منزل ابنتها وأقاربها، وحتى جيران الحي، وتقوم بتنظيف منازلهم.

وتقول أفوا إنها عندما كانت تنظف منزل ابنة صاحبة العمل، كانت تمنحها إكرامية تتراوح ما بين 5-6 دنانير، ليست المفاجأة هنا ببخس حقها بهذا المبلغ البسيط جداً، فالمفاجأة الأكبر أنها عندما كانت تعود لمنزل صاحبة العمل، كان يأخذ منها ذلك المبلغ البسيط جداً.

في لائحة الشكوى التي قدمتها العاملة المهاجرة، أفو، لمركز "تمكين"، احتوت الانتهاكات والمخالفات القانونية التي تعرضت لها خلال الأعوام الستة في ذلك المنزل، على: "استقطاب، حجز حرية، حجز رواتب، عمل جبري، استغلال حالة ضعف، وعود كاذبة، خداع وإيذاء"

"كنت أصحى بردانة"، قالتها أيضاً أفوا باللهجة الأردنية، وهي تصف كيف أنها كانت مجبرة على الاستيقاظ من غرفة نومها التي كانت مطبخ المنزل، الساعة السادسة صباحاً، وتذكر كم كانت تلك الساعات، تحديداً أيام الشتاء، باردة وقاسية عليها، وكانت غرفة نومها "المطبخ" تتغير في كل مرة تطلب فيها من صاحب العمل أن يعيدها إلى بلدها، وتصبح سطح المنزل، حيث كان يعاقبها بجرأتها بأن تطلب هذا الطلب بطردها من المنزل، مجردة دون أي شيء يحميها حتى جواز سفرها المحجوز، فتخاف وتصعد إلى السطح بحثاً عن نوم ومأوى.

انتصرت أفوا بعدالة القضاء الأردني قبل أقل من عام، وعادت إلى بلدها حاملة معها ذكرى ليست طيبة، بيد أن نشوة انتصارها طغت على تلك الذكرى والتي بدت واضحة في نبرتها عندما ختمت حديثها: "أنا هسا كتير كتير منيحة".

"أن يتم التعامل معهم/ن كبشر"

ليست قصة العاملة أفوا فقط التي أثّرت على محاميتها أسماء عميرة، بشكل شخصي، وفق حديث لها لرصيف22، فهناك قصة أثّرت عليها أيضاً ضمن القضايا التي تابعها مركز "تمكين"، حيث تعمل ضمن الفريق القانوني فيه، عندما استقطب صاحب عمل مجموعة من العاملات البنغاليات قبل أكثر من ثلاثة أعوام، بعهد ووعد بأن يعملن في مجال تنظيف المنازل، لتتحول تلك المنازل إلى منزل واحد في محافظة "الزرقاء"، متعدد الغرف، كل غرفة بمساحة متر ونصف فيها سرير وستارة، تجبر فيها العاملة أن تعمل بائعة هوى لزبائن صاحب العمل وزوجته.

14 فتاة بنغالية تحولت أحلامهن لتأمين حياة كريمة في بلادهن إلى كوابيس، ليست في المنام بل في الحقيقة، عندما كان يجبرهن صاحب العمل على تلبية "طلبات" زبائنه داخل تلك الغرف وخلف تلك الستائر، وإذا "تجرأن" ورفضن فمصيرهن، بعد الضرب، حرمانهن من الأكل والمبيت داخل الحمام، وفق ما تروية المحامية أسماء.

انتهى كابوس الـ14 فتاة بنغالية، رغم أنه طال، ووفق حديث أسماء، فإن صاحبي "العمل" بُرِّئا من جريمتهما في العام 2016، لكن وبعد استئناف الحكم جُرِّما بقضية اتجار بالبشر".

وفي ختام الحديث مع المحامية أسماء سألتها: ما هو الحل لوقف ممارسة الاتجار بالبشر والانتهاكات الحقوقية بحق العمال المهاجرين؟ أجابت: "أن يتم التعامل معهم/ن كبشر".

"يعني مفهوم التبعية نظام الكفالة، بحيث يكون استقرار العامل المصري في الأردن بيد صاحب العمل، الأمر الذي يمنحه صلاحيات واسعة لممارسة الاستغلال الوظيفي بحقه، بحيث يمنح لنفسه صلاحية بحرمانه من الإجازات، حرمانه من السفر أو تغيير عمله، لاسيما وأن جواز السفر يُحجز عنده"

نظام الكفالة

وفي حديث مع المديرة التنفيذية لمركز "تمكين"، ليندا كلش، بيّنت أن هناك انتهاكات ومخالفات قانونية لا تتعلق فقط بعاملات المنازل فيما يتعلق بالعمال/ات المهاجرين، بل أيضاً بالعمال في القطاع الإنشائي والزراعي وحتى الصحي، مثل ما يتعرض له العمال الوافدون من مصر، فوفق حديثها أن مفهوم التبعية متجلٍّ بحق العمال المصريين في الأردن، والذين يشكلون أعلى نسبة من العمال الوافدين في الأردن والتي تصل إلى أكثر من 67%.

"ويعني مفهوم التبعية نظام الكفالة، بحيث يكون استقرار العامل المصري في الأردن بيد صاحب العمل، الأمر الذي يمنحه صلاحيات واسعة لممارسة الاستغلال الوظيفي بحقه، بحيث يمنح لنفسه صلاحية بحرمانه من الإجازات، حرمانه من السفر أو تغيير عمله، لاسيما وأن جواز السفر يُحجز عنده"، حسب تعبير كلش.

ولفتت إلى أن العمال المصريين يتعرضون لمخالفات حقوقية وقانونية، قبل مجيئهم إلى الأردن، حيث يحصلون على تصاريح عمل عن طريق سماسرة، يصل سعر التصريح إلى أكثر من 2000 دينار أردني، وهو أمر يعتقد العمال المصريون أنه إجراء قانوني، وعند وصولهم إلى الأردن يصطدمون بحقيقة عكس ذلك، بمجرد اكتشاف أن ذلك السمسار هو صاحب عمل وهمي.

وبيّنت كلش أن قطاع الإنشاءات لا يحمي العمال المصريين، وسنوياً يتعرض عمال مصريون في هذا القطاع لإصابات كثير، منها ما يسبب عجزاً دائماً، فضلاً عن حوادث تؤدي إلى الوفاة، مثل ما حدث العام الماضي، عندما توفي ثلاثة عمال بسبب انهيار جدار استنادي.

وعن القطاع الزراعي، يواجه العمال المصريون كما تقول كلش، جملة من الانتهاكات الحقوقية بحقهم، بدءاً من الفجوة التشريعية، وذلك بسبب عدم وجود نظام لعمال الزراعة حتى للأردنيين منهم، ما يعني أنهم غير مشمولين بقانون العمل، كما أنهم يتعرضون لزيادة في ساعات العمل، معاملة مهينة وتهديد، وما يسهل ممارسة تلك المعاملة بحقهم أنهم يعملون في مناطق ريفية، أي مجتمعات صغيرة أغلب سكانها يعرفون بعضهم البعض، الأمر الذي يجعل العامل يخاف من تقديم شكوى بسبب ما يتعرض له من إهانات، تحسباً لتعرضه لانتقام جماعي من سكان المنطقة.

الحقوق ليست ضائعة دائماً

مثل ما حدث مع العامل المصري مصطفى (اسم مستعار)، 33 عاماً، عندما كان يعمل هو وثمانية زملاء له، مصريو الجنسية، كما يقول لرصيف22، في إحدى المزارع، خارج حدود العاصمة عمّان، حيث كانت تتجاوز ساعات عملهم أحياناً الـ 11 ساعة، مقابل 150 ديناراً، رغم الاتفاق المسبق مع صاحب المزرعة بأن يتقاضوا 190 ديناراً مقابل 8 ساعات عمل.

"زي العبد وسيده"، بهذه العبارة وصف مصطفى علاقته هو وزملاؤه مع صاحب المزرعة، التي كانت تصل حد التعدي بالضرب بـ"البربيش" في حال اشتكى أحدهم من سوء معاملته لهم، ويقول: "معاملته معانا كانت أقسى من قسوة تعب شغلنا".

حوالي العامين صبر مصطفى وزملاؤه الثمانية على كل أشكال المعاملة اللاإنسانية معهم من قبل صاحب المزرعة، خوفاً على "لقمة عيش عيالنا في مصر"، كما يقول، وعندما علموا أن الحقوق ليست ضائعة دائماً، واستند هو وأصدقاؤه على كتف أحد المحامين الذي تكفل بمساعدتهم قانونياً، تركوا العمل في تلك المزرعة ولم ينصتوا لتهديدات صاحبها عندما قال لهم: "أنا برشي أكبر راس بالبلد لأصغرها"، وانتصروا عليه بفضل القضاء.

وعندما ختمت الحديث معه بكيف أصبح حالك الآن؟ قال مصطفى: "هسا الحمد لله كويس قوي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard