"تحرّش بي عجوز أثناء الطواف في الحرم المكي"

الأربعاء 8 يوليو 202006:35 م

"كان عندي 15 سنة، محجبة لابسة عباءة في الطواف في الحرم المكي، واحد عجوز فضل طول الطواف ماسك فيّا على أساس أنه بيسند عليّا وتعدى عليّا جسدياً بشكل قذر جداً. للأسف مكنتش فاهمة وفضلت أشك في نفسي طول الطواف وبعد ما خلصت انهرت واستوعبت. لحد (حتى) النهارده مش ناسية الموقف ده و بيوجعلي قلبي جداً".

هذه واحدة من ست تجارب تحرش جنسي واعتداء جسدي تعرضت لها المصورة والمخرجة المصرية الشابة عالية عادل، التي صدمت متابعيها عبر فيسبوك بالإفصاح عنها مساء 7 تموز/ يوليو.

بوح عادل بما تعرضت له من تحرشات جنسية في الطفولة والشباب جاء رداً على سجال محتدم في مصر حالياً فجّره الشيخ الأزهري المثير للجدل عبد الله رشدي بقوله إن "ملابس المرأة أحد أسباب التحرش".

ليس منطقياً أن نجد أنفسنا متورطين في طرح كهذا عام 2020، لكن الدعم والرواج اللذين قوبل بهما طرح رشدي وكذلك الهجوم الشديد والانتقادات الحادة التي تعرضت لها مؤسسة الأزهر ودار الإفتاء المصرية، لدى محاولتهما التأكيد أن "التحرش جريمة لا تُبرر"، يجعلنا مضطرين إلى تسليط الضوء من جديد على هذا الأمر.

"بحجابي ونقابي"

شددت عادل في منشورها على أن جميع حوادث التحرش التي تعرضت لها وقعت في مرحلة الطفولة، أو بعدما ارتدت الحجاب، ولاحقاً النقاب. قالت: "عارفين العامل المشترك في كل الحوادث دي إيه؟ وإيه سببها؟ المتحرش المُجرم فقط. هو ده سببها. هو الشخص اللي كان لازم يتحاسب"، مبرزةً أن "التحرش جريمة لا علاقة لها بلبس البنت".

تعددت الحوادث التي تعرضت لها عادل منذ كانت في التاسعة من العمر تقريباً. منها تحرش من قريب للأسرة، واعتداء جسدي قام به غريب، وتحرش متكرر في المواصلات العامة برغم ارتدائها النقاب.

"كل حوادث التحرش حصلت وأنا بحجابي ونقابي"... مخرجة مصرية شابة ترد على الادعاء بأن ملابس المرأة "المثيرة" سبب التحرش، وتروي قصة التحرش بها جنسياً والاعتداء عليها جسدياً داخل الحرم المكي

لم تكن عادل الأولى، وحتماً لن تكون الأخيرة، من المنتقبات أو المحجبات اللواتي تعرضن للتحرش الجنسي. ولا حتى ممن تعرضن لتحرش في "أطهر بقاع الأرض" كما يعتقد المسلمون، أي الحرم المكي. والسبب واضح هو أن التحرش جريمة لا علاقة لها بملابس المرأة.

"هنالك فتيات كثر محجبات ومنقبات تم التحرش بهن في جرائم فجة وحوادث شهيرة. في واقعة التحرش الجنسي الجماعي بميدان التحرير كانت هناك سيدة منتقبة بين المعتدى عليهن، وأم محجبة في الستين من عمرها تم الاعتداء عليها وعلى بناتها جنسياً. صديقتي أيضاً روت لي أنها تعرضت لتحرش جنسي داخل الحرم المكي أثناء أدائها العمرة"، قالت لرصيف22 المحامية انتصار السعيد، ورئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون.

وعقب رفضها إلقاء اللوم على الناجيات من التحرش، أشارت عادل إلى "نصيحة" قُدّمت إليها عام 2014 حين تحدثت عن واقعة تحرش بها في المواصلات العامة. والنصيحة هي ألا تروي تفاصيل هذا التحرش "عشان لما الشباب هيقروا هيتخيلوا وهتسبب في إثارتهم".

"الدعم النفسي ضرورة قبل البوح"

تُقدّر جومانا حمدي، المعالجة النفسية المختصة في علاج الإيذاء الجنسي، شجاعة الناجيات من التحرش لأنهن يفضحن المتحرشين عبر مواقع التواصل الاجتماعي من أجل تشجيع الأخريات على البوح ومواجهة المعتدين عليهن.

لكنها تُحذر من أن "السوشيال ميديا ليست المساحة الآمنة لفضح حوادث الإيذاء الجنسي كخطوة أول،"، موضحةً أن "اللجوء إلى معالج نفسي هو التحرك الأول الذي ينبغي أن يتم لدعم الضحية بغية مواجهة ردود الفعل السلبية التي قد تنجم عن النشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي".

وشرحت حمدي، وهي عضوة في جمعية IPSICC  الدنماركية للعلاج النفسي: "قد تؤدي ردود الفعل المختلطة أو السلبية التي يقابل بها إفصاح الناجيات من التحرش عن تجاربهن إلى ‘ري تروما‘ أو إعادة الصدمة بل تحويلها إلى صدمة مركبة". وتلفت إلى ما قد تتعرض له ناجيات أخريات من مشاعر الصدمة والألم. وحثت على التوقف عن "التعميم السيىء جداً بالقول إن المتحرش مريض نفسي". وأضافت: "المتحرش شخص يعاني اضطراباً سلوكياً وهو مؤذٍ قد يتسبب بتهديد حياة الآخرين وإيذائهم وانتهاك خصوصيتهم".

وبيّنت أنه لا يمكن أن نزيل الوصمة عن المرض النفسي في حين أن الأفكار الاجتماعية الخاطئة التي توهم الرجل أن بإمكانه أو من حقه امتلاك المرأة والاعتداء عليها هي من قبيل المرض النفسي.

هذا ما دعت إليه أيضاً المخرجة عادل التي كتبت: "الفيسبوك دلوقتي مكان كله Triggers (محفزات الصدمة) لأي حد تعرض لحوادث تحرش. طبيعي أنه مجرد ما تقرئي تجارب حد تاني ترجعلك مشاعر غضب وقهر وقلق قديمة. لو الموضوع زاد عند حده أرجوكم خدوا بريك من فيسبوك شويه... وعالجوا نفسكم". واعتذرت إلى كل من قد يؤلمهن بوحها، لافتةً إلى أنها وجدت أن النقاش يفرض عليها القيام بذلك.

ومنذ بضعة أيام، تشغل الرأي العام في مصر الاتهامات عبر السوشيال ميديا إلى شاب يدعى أحمد بسام زكي بالتحرش الجنسي والاغتصاب والابتزاز والتهديد للعديد من الفتيات والشباب. وهذا ما دفع بالسلطات الأمنية والقضائية إلى توقيفه والتحقيق معه.

وصدر، في 6 تموز/ يوليو، قرار بحبسه على ذمة التحقيق بتهمة "الشروع في مواقعة فتاتين بغير رضاهما، وهتك عرضهما وعرض فتاة ثالثة بالقوة والتهديد. وكان عمر إحداهن دون الـ18 عاماً"، بالإضافة إلى ملاحقة أخريات.

وأعلن المجلس القومي للمرأة في مصر تلقي مكتب الشكاوى التابع له 400 شكوى واستفسار متنوع، معظمها عن العنف ضد المرأة بمختلف أشكاله، طوال خمسة أيام تلت إثارة قضية #المغتصب_أحمد_بسام_زكي. كذلك توالت القصص بشأن التعرض لتحرشات جنسية عبر مواقع التواصل. 

عبد الله رشدي يقول: "ليس من الطبيعي أن تخرج فتاةٌ بملابس لا تصلح إلا للنوم ثم تشكو من التحرش". لكن ماذا عن أولئك اللواتي تعرضن للتحرش في الحرم المكي "أطهر بقاع الأرض"؟

ملابس المرأة مجدداً 

على خلفية القضية نفسها، أثار عبد الله رشدي ضجةً واسعة عقب زعمه في منشورات عدة أن "ملابس النساء المثيرة أو الفاضحة هي من أسباب التحرش". ورشدي هو الذي قال سابقاً "ليس من الطبيعي أن تخرج فتاةٌ بملابس لا تصلح إلا للنوم ثم تشكو من التحرش"، مناقضاً نفسه في الوقت عينه إذ كان قد كتب أن "التحرش لا يُبرر ولا يعفي المتحرش من العقوبة". ولم يتراجع عن ذلك ودعمه الكثيرون.

وتدخلت المؤسسات الدينية لحسم هذا الجدل. أوضحت دار الإفتاء المصرية عبر فيسبوك: "إلصاقُ جريمة التحرش النكراء بقَصْر التُّهْمَة على نوع الملابس وصفتها تبريرٌ واهمٌ لا يَصْدُر إلَّا عن ذوي النفوس المريضة والأهواء الدنيئة. فالمسلم مأمورٌ بغضِّ البصر عن المحرَّمات في كل الأحوال والظروف".

وتبنّت جريدة "صوت الأزهر" حملةً لتوعية الأهالي بشأن أهمية دعم بناتهن والتنبيه إلى أن "ملابس المرأة -أياً كانت- ليست مبرراً للاعتداء على خصوصيتها وحريتها وكرامتها".

ودعا مركز الأزهر العالمي الإلكتروني للرصد والإفتاء إلى دعم الفتيات وتقويتهن في وجه المتحرشين وسن قوانين رادعة لمحاسبة المرتكبين والداعين إلى التحرش في الواقع وعبر الإنترنت.

 ودخل رجال دين ودعاة على خط الأزمة، وسلطوا الضوء، خلافاً لرشدي، على أن الرجل "مأمور شرعاً بغض بصره"، لافتين إلى أن المقام الأول في جريمة مثل التحرش هو لمحاسبة الجاني وليس للوم الضحية.

وفيما تمسك رشدي وأنصاره بأن انتقاد تصريحاته "حرب على الاحتشام"، يُصر ناشطون/ات على أن تعليقاته وأفكاره تسهم في منح المتحرشين "ستاراً" يحتمون وراءه للتفلّت من جرائمهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard