لبنان وطن تفنّن في ابتكار أساليب المرارة

الأربعاء 8 يوليو 202002:22 م

قبل أيام قليلة، اتصلت بواسطة برنامج فيديو بعائلتي الصغيرة، أبي وأمي، في لبنان. لا شك أنها طريقة الاتصال المفضلة في هذه الأيام، ربما لأنها الأكثر براعة في إيهامنا أن المسافات لا قيمة لها... تلك المسافات التي قررت، وللمرة الثانية، أن أضاعفها بيني وبين "وطني"، بعدما قرر هذا الوطن بدوره أن بقائي فيه تحوّل عبئاً يكاد يطبق على ما تبقى من روحي وأنفاسي وحلم العيش بكرامة.

بين مدينتَي دبي وبيروت مسافة ليست ببعيدة كثيراً في مقاييس الزمن والهجرة والرحيل، لكنها مسافة بعيدة بما يكفي لتجعلك تعرف أنك تعيش في عالم آخر، قد لا تصدّق أن الفارق بينه وبين عالم عشت فيه قبل أشهر لا يبلغ أكثر من 4 ساعات، عالم تحوّل بأسره الى نظرة صغيرة سريعة، إنما ضخمة حتى أن تفاصيلها لا تستطيع أن تمحى من أفكاري المشوّشة أصلاً لألف سبب، فقد تسلّل خلال ذلك الاتصال إلى عينَي أبي وأمي يأس لم أره قبلاً في وجهيهما، يأس من ذلك النوع الذي لا يُحكى عنه، لكنه يظهر كما يلاحقك الطيف من دون أن يترك أثراً!

كيف لا ينسلّ اليأس إليهما وهما اللذان، على الرغم من معايشتهما ماضي حرب واضطهاد وحاضر بشع صعب قاسٍ يستمرّ في سحق أحلامهما، ما زالا خائفين من غدر مستقبل تزداد ملامحه سواداً يوماً بعد يوم.

بالمناسبة، كم نتفنّن التمثيل في اتصالاتنا وكلماتنا: أنا أحاول جاهداً إخفاء قلقي المتنامي عليهما في مواجهتهما ما يجري في لبنان، وهما يحاولان بكل ما أوتيا من قوّة التأكيد على أنهما "بخير" وأن "الله ما بيترك حدا"!

ملامح أبي، الرجل الذي ناضل من أجل وطنه حتى الخطف والسجن في معتقلات النظام السوري، ودفع ثمن مواقفه تعذيباً ودماً ودموعاً، لم تنكسر يوماً كما هي اليوم

ملامح يائسة تتحدث من غير كلمات عن كل شيء، عن فقدان الأمل الذي شاهدته وخجلت من السؤال عنه، عن شعوري بالعجز والغربة، عن ألمي من معرفة أن الأيام المقبلة لن تغيّر هذا الشعور، عن كل تلك الأفكار التي تتزاحم بلا منطق، عن مشاهد الانتحار المدوّي، عن القتل اليومي للأحلام والمشاعر والمستقبل، عن الرغيف الذي يسرَق من على موائد الناس الطيّبة، عن الشموع والقناديل التي لم تغِب عن منازلنا، عن أدوية الضغط والسكر والقلب التي بدأت تفقَد من خزائننا، عن الوجع ودموع الفراق في صالات المطار، عن أولئك الذين سرقوا كل شيء، حتى دفء لحظات العناق والاشتياق.

فملامح أبي، الرجل الذي ناضل من أجل وطنه حتى الخطف والسجن في معتقلات النظام السوري، ودفع ثمن مواقفه تعذيباً ودماً ودموعاً، لم تنكسر يوماً كما هي اليوم. أما أمي، تلك الجبّارة التي قضت طفولتها وهي تعدّ القذائف التي تنهمر على المدن والبلدات في زمن الحرب، ثم مرّ شبابها وهي تنتظر أن تتبدل أحوال الوطن "الموبوء"، فتخفي خوفها اليوم بعبارات الاطمئنان: "ما تعتل همّنا... انتبه عحالك إنت". أهي لعنة؟ ربما. أهو ظلم؟ بالتأكيد! فأن تولد في لبنان يعني أنك ستبقى تنتظر الغد بلا طائل!

عيون أبي وأمي ليست وحدها طبعاً، فمئات الآلاف من اللبنانيين الذين لا يملكون إلا متابعة ما يجري بذهول وقرف وخوف يشاركونها هذه المشاعر بصمت وغضب وحسرة. مذهولون بالهاوية التي بتنا في مسارها الانحداري الصاخب! الخيبة هذه المرة أكبر، فقبل أشهر بنينا أحلام أننا سننجز للمرة الأولى ما عجزنا لعشرات السنوات عن تحقيقه، سنقتلع أولئك الذين دمّروا حياتنا بكل ما للكلمة من معنى! حياة أبي الذي استعاد زخماً ظنّه قد ولى إلى غير رجعة، ونزل إلى وسط بيروت هاتفاً "ثوار أحرار حنكمل المشوار"، حياة أمي التي لم تستطع البقاء متسمّرة ليل نهار أمام شاشات الأخبار، وقررت مشاركة عزيمة المتظاهرين على الأرض، حياة جيلنا الذي سُرقت سنواته كما سُرقت سنوات أهله قبله، جيلنا الذي لم يعرف سوى أخبار الموت والحروب والدماء والاغتيالات والسرقات والنهب والصفقات، وهو يشاهد العالم من حوله يثور وينتفض ويتحرر وينفض عنه غبار الماضي، فيما يريد "شياطين الأرض" أن يبقوه تحت رحمة عباءاتهم الطائفية البغيضة.

الخيبة تولّد يأساً قد لا يكون مجسّداً بكلمات، لكنه يتسلل إلى القلوب ويترك آثاره في العيون، يأس كما أراه في عينَي أبي وأمي، يراه كل من يظنّ أنه رحل مبتعداً في عيون أحبابه وأصدقائه، في وطن تفنّن في ابتكار أساليب المرارة

نعم الخيبة أقوى، ربما هي خيبة العجز أمام "الشياطين"، إنها الخيبة أمام الانهيار الذي ما تركوا شيئاً إلا وارتكبوه حتى نصل إليه، الخيبة أمام الجنون والاستشراس في الدفاع عن منظومة الفشل والسرقة والمحاصصة، التي تكشّر عن أنيابها فتعتقل وتضرب وتسحل من تجرّأ وقال لا، الخيبة من فقر يزحف دون رحمة على حياة كثيرين ويخيف كثيرين ويهدّد صامدين بوجه آلة التدمير والنهب... نعم الخيبة تولّد يأساً قد لا يكون مجسّداً بكلمات، لكنه يتسلل إلى القلوب ويترك آثاره في العيون، يأس كما أراه في عينَي أبي وأمي، يراه كل من يظنّ أنه رحل مبتعداً في عيون أحبابه وأصدقائه، في وطن تفنّن في ابتكار أساليب المرارة.

نحن الذين ظننا أننا في غربتنا قادرون على الابتعاد عن كل تفاصيل هذه الدوامة التي تسحقنا، نبكي ونقلق ونغضب ونعزّي أنفسنا بـ"ارتكابنا" قرار الرحيل. يكسرنا هذا اليأس، يحفر فينا ندوباً عميقة، يدمي أرواحنا، يسلبنا الراحة حين ننام أو نستيقظ، نخاف أن نطوي الصفحة نهائياً فنخون أنفسنا. يبدو أن الدوامة ستلتصق بنا دوماً...

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard