"رأيت الناس يصنعون أشياء غريبة في سوق الفسطاط"

الثلاثاء 7 يوليو 202003:44 م

سيحظى زوار سوق الفسطاط بمنتجات حرفية تحكي قصصَ الماضي والحاضر، وتبهرهم بأفكارها الملهمة وأشكالها المميزة. بعض الحرف كان مهدها في تلك البقعة الجغرافية منذ قرون عديدة، كالزجاج والفخار، وبعضها قَدِم من أقاصي مصر، كالمشغولات السيناوية التي تعرّف بالقبائل السيناوية، عبر تطريزات تفرّق بين قبيلة وأخرى وتعبّر عن علاقة أبناء سيناء مع بيئتهم الصحراوية.

سوق الفسطاط للحرف اليدوية مساحة تتجلى فيها الروح المصرية الغنية بتاريخها الأصيل والممتد، تجاور السوقَ كنيسةُ قادمة من العصر الروماني، مسجد عمرو بن العاص، أول مسجد في إفريقيا بني في العصر الإسلامي، وكنيس "بن عزرا" اليهودي العائد إلى الدولة الطولونية. عناق إنساني وبانوراما تاريخية تجعل من المكان مقصداً للسياح ولعشاق الحرف المصرية.

رصيف22 زار سوق الفسطاط في القاهرة، وأتى بتجارب وحكايات من باعته، قبل ذلك، كان لابد أن نعرج على تاريخ تلك البقعة الجغرافية الخاصة وتطورها عبر العصور.

حكاية الفسطاط

كانت مدينة الفسطاط مركز ثقل اقتصادي لقرون عديدة. البداية كانت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، عندما بناها عمرو بن العاص بعد دخوله مصر، عام 21 هـ - 642م، واقتلاعها من يد الرومان.

بحسب المعجم الوسيط، كلمة الفسطاط تعني بيتاً يتّخذ من الشَّعر، وفي كتابه "مباهج الفكر ومناهج العبر، يقول "الوطواط"، محمد بن ابراهيم بن يحيى الكتبي: "ولما فتحه عمرو بن العاص، أمرَ مَن كان معه من قبائل أن يختطوا حول فسطاطه، ففعلوا واتصلت العمارة ببعضها البعض، وسمي مجموع ذلك الفسطاط".

"وبمدينة الفسطاط مطابخ السكر ومطابخ الصابون ومسابك الزجاج ومسابك الفولاذ ومسابك النحاس والوراقات، ما لا يعمل في القاهرة ولا غيرها من الديار المصرية"، بحسب المؤرخ، ابن سعيد المغربي، ويؤكد أن الفسطاط كانت مركزاً حيوياً للصناعة وقبلة للتجار من أنحاء العالم، لعل أشهر الصناعات فيها كانت صناعة السفن، امتدت عبر العصور، الإخشيدي والفاطمي والأيوبي.

ويذكر الرحالة الفارسي ناصر خسرو، في كتابه "سفر نامة": "كان في الفسطاط سوقٌ للقناديل لا يُعرف سوق مثله في أي بلد، رأيت هناك الأدوات التي تُصبغ من الذبل، كالأوعية والأمشاط ومقابض السكاكين وغيرها، رأيت معلمين مهرة ينحتون بلوراً غاية في الجمال وهم يحضرونه من المغرب، ورأيتُ أنياب الفيل أُحضِرت من زنجبار، كما أُحضِر جلد بقر من الحبشة ويعملون منه النعال، وتنتج مصر عسلاً وسكراً كثيراً".

كانت أسواق الفسطاط مركزاً إنتاجياً وتجارياً، واختلطت حوانيت التجارة والصناعة، أُطلِقت أسماؤها على حسب نوع الصناعة، سوق القناديل، سوق البربر، سوق الخشابين، سوق الزياتين، سوق الوراقين، سوق السماكين. ذلك ما يذكره الكاتب المصري خالد عزب، في كتابه "الفسطاط.. النشأة والازدهار والانحسار".

"الفسطاط" كانت مركزاً حيوياً للصناعة وقبلة للتجار من أنحاء العالم، لعل أشهر الصناعات فيها كانت صناعة السفن، امتدت عبر العصور، الإخشيدي والفاطمي والأيوبي، بحسب المؤرخ، ابن سعيد المغربي

يضيف عزب في كتابه أن هذا الوهج الاقتصادي بدأ يخبو في القرن السادس الهجري، عندما شب حريق الفسطاط وتسبب في هجرة السكان والتجار، تلته المجاعة والأوبئة بسبب انخفاض منسوب النيل، ثم التوسع العمراني وانتقال مركز العاصمة إلى القاهرة في القرن السابع الهجري، وصولاً إلى العصر العثماني، حيث باتت مدينة الفسطاط العامرة وحتى الآن تحت اسم مصر القديمة، فيما بعد أصبحت مدينة الفسطاط حيّاً صغيراً من العاصمة القاهرة، لعل أكثر ما يدل عليها اليوم هو سوق الفسطاط الذي بات قبلة للسياح في الداخل والخارج.

العلاج بالفن

في سوق الفسطاط حوالي 40 جاليري تتضمن حرفاً تراثية مصرية، تحكي التنوع الجغرافي والتاريخي للمحروسة، المشغولات تواءمت مع المكان التاريخي الذي تم ترميمه، ثم افتتاح السوق عام 2000 من قبل الهيئة المصرية للسياحة.

"صندوق العجب"، جاليري يتخلل سوق الفسطاط، يتضمن أعمالاً تشكيلية مختلفة أنجزها الفنان والنحات عماد عادل. أغلب هذه الأعمال، منحوتات خشبية حركية، شخصيات نُحِتت من الخشب بألوان جاذبة وخيوط تساعد الشخصية على تنفيذ مهامها، لتتجاوز كونها مجرد ألعاب تلفت الأطفال، فتصبح مقتنيات فنية تستقطب جميع الأعمار.

أيضاً ترون "النحت المتحرك ذاتياً" أو ما يسمى "الأوتوماتا"، وهو فن قديم يعود إلى الأسرة الحديثة في العصر الفرعوني، بحسب الفنان عماد عادل، مضيفاً لرصيف22 أنه درس هذا الفن منذ الحضارات القديمة عند الرومان والإغريق، مروراً بعصر النهضة ووصولاً للعصر الحديث.

خلال ذلك، طور عادل مفهوم الأوتوماتا ليتضمن أبعاداً أخرى في الحركة والتشكيل، فأصبحت المنحوتة حكاية تخاطب الجميع، شخصياتها تعبّر عن أفكار نفسية وحركية معقدة، إلى درجة أنها باتت أحد أشكال العلاج بالفن في وقتنا الحالي، حسب قوله.

ينفذ الفنان المصري أشكالاً منها معاصر وآخر متحفي، كعامل الطنبورة الذي كان يدير عملية الري في العصور القديمة، بجانبه طيور أبو قردان تنقي الدود من الأرض، المرأة التي تسحب المياه من البئر بواسطة صنبور كبير تضغط عليه، وأفكار أخرى يعبر عنها بأسلوب معاصر يعكس إحساسه بالحياة، بحسب عادل.

"العمل في سوق الفسطاط أثراني بالمزيد من الأفكار والإلهام لتطوير عملي، فنحن محاطون بالآثار التاريخية التي تحكي الحضارات المختلفة، الإسلامية والرومانية والقبطية، إنه تنوع تراثي مليء بالقصص الجاذبة للباحثين في التراث وكذلك السياح المهتمين بهذه الفنون المميزة"، ينهي عماد عادل حديثه.

روائع فنية من البقايا

سيطالع زائرُ سوق الفسطاط لافتةَ محل كتب عليها: "جمعية حماية البيئة من التلوث"، تحتها عرضت منسوجات ومنتجات منزلية مشغولة من خامات عديدة، جميعها منجز من مواد معاد تدويرها، أقمشة وأوراق وقطع معدنية تمّت معالجتها وإعادة استغلالها، لتشكل منتجات تجذب الناظر لجمال هيئتها وتنال تقديره لعمق وبساطة تنفيذها، بحسب من تحدثوا لرصيف22.

عن الجاليري يتحدث سيمون عوني، مدير التسويق، لرصيف22: "جمعية حماية البيئة من التلوث هدفها دعم جامعي القمامة، أو ما يسمى بمجتمع الزبالين في القاهرة، نعزز خبراتهم ونؤهلهم للحياة العملية، عبر ورش تدريبية نقدمها للفتيات، يتعلمن فيها التطريز والحياكة ثم يباشرن العمل بالصنعة التي تعلمنها، توازياً مع ذلك، يتلقين تدريبات محو أمية أيضاً، بذلك تحقق الفتاة ذاتها وتصبح أكثر فعالية في مجتمعها، تتسع دائرتها وتبدأ بتقديم خبراتها للآخرين".

"جمعية حماية البيئة من التلوث هدفها دعم جامعي القمامة، أو ما يسمى بمجتمع الزبالين".

يتابع أن المصانع تتبرع ببقايا الأقمشة لديها، شرط ألا تكون ممزوجة ببقايا مواد عضوية، تأخذها الجمعية وتنفذ منها المتدربات منتجات متنوعة، على رأسها ما يسمى بـ"الباتشوورك"، وهو فن قائم على جمع قصاصات بأحجام وأشكال مختلفة، تنفذ منها منسوجات، كالمفارش والأغطية والوسائد وكتيبات التعليم للأطفال حديثي الولادة.

يعرض الجاليري منتجات ورقية، بداية تشكيلها كانت بقايا الأوراق من الجامعات والمدارس والمطابع، تأتي بها الجمعية وتفرمها ثم تعجنها، تدخل فيها بعض النباتات، كالعصفر والكركدية وقشر البصل والزهور، لتعطي الورق ألواناً وروائح مميزة، ثم تُفرد بسمك معين ويُنفَّذ منها كروت ودفاتر وألبومات صور، بعضها مضفَّر بتطريزات فلاحية بسيطة تزيد القطع جمالاً وقيمة فنية.

سيعجب الزائر أيضاً بمحافظ وقطع حلي مزينة بكبسولات الاسبريسو، جرت معالجتها وإعادة هيكلتها، كذلك أغطية البيبسي تذيّل منتجات عديدة أخرى.

جاليري "جمعية حماية البيئة من التلوث" يحقق كل المتعة والفائدة لزواره ويسعدهم بقصصه الملهمة، التي جعلت الجمعية تصنف ضمن أفضل 100 جمعية بيئية حول العالم، حسب عوني.

الإهمال وكورونا

المشغولات السيناوية جزء حاضر بقوة في سوق الفسطاط، يحكي تراث منطقة غنية في مصر بثقافتها وتراثها. اعتادت النساء السيناويات لبس عباءات مطرزة بأشكال عديدة مستوحاة من البيئة الصحراوية التي يعشن بها: جِمال، شجر زيتون، شمس، صحراء وغيرها، تطريزات تعبر عن شكل الحياة في سيناء، صلابة أهلها وعراقتهم وعلاقتهم ببيئتهم.

المصممة جيهان المجد، تأتي بهذه الرسوم الأصلية ثم تقوم سيدات سيناويات بتطريزها مجدداً، توشيها بعض الأشكال الهندسية العصرية بحسب طبيعة الثوب وطلب الزبون.

"سوق الفسطاط خارج الخريطة السياحية لمصر، السياح يأتون مجمع الأديان ومسجد عمر بن العاص وقد لا يمرون بنا، رغم أننا نتبع هيئة التنمية السياحية المصرية"، فنانة في سوق الفسطاط

تقول جيهان لرصيف22 إن الغرزَ تُشَكل بخيوط القطن المصري أو الحرير أو "دي إم سي"، ثم تذيّل هذه التطريزات مختلفَ أشكال الثياب العصرية أو الكلاسيكية، لتناسب جميع الأعمار والأسواق، ما يجعل للجاليري زبائن من شرائح مختلفة، بحسب جيهان.

تضيف جيهان: "ما يعزز حضورنا أننا في سوق تراثي يجمع مختلف أنواع الفنون اليدوية، إضافة إلى قدرتنا على إيصال منتجات سيناء البعيدة إلى أهالي القاهرة".

وتشير جيهان إلى الأثر الثقيل الذي أحدثته ظروف فيروس كورونا في انخفاض نسبة المبيعات، تقول: "نهاية العام الماضي كان آخر معرض شاركنا به، ونشاط السوق شبه متوقف منذ شهر مارس"، وتأمل بانفراج قريب، وعودة للحركة الطبيعية للسوق وللمحل.

عزة علي، فنانة تدير ورشة كروشيه في سوق الفسطاط، تشكو أيضاً انخفاض المبيعات، وقلة الزبائن في ظل كورونا، مشيرة لرصيف22 أن سوق الفسطاط يحتاج المزيد من التسويق، أسوة بباقي الأسواق التراثية في مصر.

تقول عزة لرصيف22: "نحن خارج الخريطة السياحية لمصر، السياح يأتون مجمع الأديان، ومسجد عمر بن العاص، وقد لا يمرون بسوق الفسطاط، رغم أننا نتبع هيئة التنمية السياحية المصرية".

عزة تنفذ مشغولات منزلية منسوجة باليد، خامتها الكروشيه المطعم بالقماش، أشكال كلاسيكية وعصرية تلاقي رواجاً في السوق المصرية، حسب قولها، زبائنها من شرائح مختلفة في المجتمع المصري، سيدات مهتمات بفن الكروشيه وبعض البرامج والمسلسلات التلفزيونية، تضيف أن وجودها في سوق الفسطاط يعطيها مزيداً من المتعة في العمل ضمن هذه الورش التي تصوغ الفنون بأشكال وأدوات مختلفة، تجعل من السوق حيّزاً نابضاً بالجمال والتميز.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard