"التشهير"... سلاح السلطة اللبنانية لمعاقبة ناشطي الثورة

الاثنين 6 يوليو 202006:43 م

بين 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 و24 حزيران/ يونيو 2020، رصدت منظمة العفو الدولية استدعاء الأجهزة الأمنية اللبنانية 75 شخصاً، بينهم 20 صحافياً، في قضايا ذات صلة بتهم التشهير، بما في ذلك القدح والذم والسباب والازدراء والتحريض.

وعرضت المنظمة هذه الأرقام وشهادات لبعض المستدعين في تقرير نشرته في السادس من تموز/ يوليو بعنوان "لبنان: السلطات تعاقب حركة احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر".

استهداف الناشطين

في التقرير الذي قدّمته الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان إلى المراجعة الدورية الشاملة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والتي تعقد في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، أشارت الهيئة إلى أن "موجة من الملاحقات القضائية بحق النشطاء والصحافيين الذين ينتقدون سياسات الحكومة والفساد تهدد الحق في حرية التعبير والرأي في لبنان".

وبحسب تقرير منظمة العفو الدولية، "معظم النشطاء والصحافيين الذين تضرروا من هذا الاتجاه هم أشخاص كان لهم حضور بارز خلال الاحتجاجات".

ويُجمع كل مَن أجرت المنظمة مقابلات معهم، من متضريين ومحامين وناشطين حقوقيين، على اعتبار "أن السلطات قصدت من خلال استهداف الأشخاص الذين لديهم حضور بارز، خلق تأثير مرعب في الحركة ككل".

ومن مجموعة حالات درستها المنظمة، تبيّن لها أن كل الصحافيين والناشطين المشمولين فيها استُدعوا بسبب ما ينشرونه على مواقع التواصل الاجتماعي من انتقادات لمسؤولين رفيعي المستوى مثل رئيس الجمهورية والوزراء فضلاً عن أشخاص لديهم نفوذ سياسي أو اقتصادي، والجيش اللبناني، والأجهزة الأمنية.

وفي جميع هذه الحالات، هُدّد الأشخاص بالمقاضاة ومورست الضغوط عليهم لحذف ما نشروه على وسائل التواصل الاجتماعي و/ أو التوقيع على تعهدات غير قانونية بالكف عن الانتقاد، أو التنظيم، أو الاحتجاج.

وعبّر أربعة محامين أجريت مقابلات معهم عن بواعث قلقهم إزاء "الانتقائية الواضحة التي تمارسها السلطة القضائية".

8 أجهزة تستهدف الناشطين

في تقريرها، تشير المنظمة إلى أن تزايد عدد الهيئات المسؤولة عن الاستدعاءات وإجراء الاستجوابات هو "مسألة تثير القلق، لا سيما وأنها غير مخولة بالنظر في قضايا التشهير".

وقبل تشرين الأول/ أكتوبر 2019 ،كان مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية في قوى الأمن الداخلي هو الجهاز الأمني الرئيسي الذي يصدر الاستدعاءات بتهم تتعلق بالتعبير الحر على الإنترنت، برغم افتقاره إلى صلاحية القيام بذلك.

بيد أنه عقب 17 تشرين الأول/ أكتوبر، وبحسب لجنة المحامين، كانت ثمانية أجهزة عسكرية وأمنية مختلفة مسؤولة عن إصدار الاستدعاءات وإجراء الاستجوابات: مخابرات الجيش، والشرطة العسكرية، وقوى الأمن الداخلي، وفرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، ومكتب مكافحة جرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية في قوى الأمن الداخلي، وقسم المباحث الجنائية المركزية في قوى الأمن الداخلي، والشرطة القضائية، والمديرية العامة لأمن الدولة.

الأجهزة الأمنية اللبنانية تضيّق على ناشطين وصحافيين كان لهم حضور بارز خلال الاحتجاجات، والهدف: "خلق تأثير مرعب في الحركة ككل"

قوانين قديمة

يستند هذا التضييق على الحريات إلى المواد 383، 384، 386، 388 من قانون العقوبات الصادر عام 1943 والتي تعاقب على الإهانة، والقدح، والذم، والتشهير الموجه لموظف عمومي، أو رئيس الجمهورية، أو العلم، أو الشعار الوطني، أو الفرد، أو المؤسسة بالسجن مدداً تصل إلى ثلاث سنوات وبغرامات تصل قيمتها كحد أقصى إلى ما يعادل 267 دولاراً أمريكياً.

كذلك تعاقب المادة 317 من قانون العقوبات لجهة إثارة النعرات المذهبية على كل عمل وكل كلمة وكل خطاب "يقصد منها أو ينتج عنها إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحض على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمة" بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وبالغرامة من مئة ألف إلى ثمانمئة ألف ليرة لبنانية.

وتؤكد المنظمة أن "هذه المواد من قانون العقوبات غامضة الصياغة ومفرطة في عموميتها ولا تتماشى مع المعايير الدولية".

كما أعلنت المنظمة معارضتها لهذه القوانين "لأنه يتوقع من المسؤولين الرسميين أن يتقبلوا مستوى من النقد أعلى مما يتقبله الأشخاص العاديون".

إضافة إلى ذلك، تلفت إلى أنه "لا يجوز أن تحصل الشخصيات العامة على مساعدة أو مساندة من الدولة في رفع دعاوى مدنية ضد التشهير".

"يُتوقع من المسؤولين الرسميين أن يتقبلوا مستوى من النقد أعلى مما يتقبله الأشخاص العاديون"... منظمة العفو الدولية تدعو إلى تغيير القوانين اللبنانية التي تعاقب على إهانة المسؤولين

وفي قانون القضاء العسكري تنص المادة 157 على الآتي: "يعاقب بالسجن من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات كل شخص يُقدِم بإحدى الوسائل المذكورة في المادة 209 من قانون العقوبات على تحقير العلم أو الجيش أو المس بكرامته وسمعته أو معنوياته، أو يُقدِم على ما من شأنه أن يضعف في الجيش النظام العسكري أو الطاعة للرؤساء والاحترام الواجب لهم".

وهنا تؤكد المنظمة أن المحاكم العسكرية هي محاكم استثنائية، ولا يجوز أن تنظر في قضايا تتعلق بحقوق الإنسان، و"بموجب القانون الدولي فإن اختصاص هذه المحاكم الاستثنائية في القضايا الجنائية يجب أن يقتصر على محاكمات العسكريين على انتهاكاتهم للانضباط العسكري حصراً".

توصيات

كحلاصة لتقريرها، تطالب المنظمة لبنان بـ"احترام الحق في حرية التعبير وحمايته حتى إذا كان هذا الحق يصل إلى حد التعبير الصادم أو المسيء أو المزعج".

وتقدّم مجموعة توصيات لضمان احترام وحماية حقوق الناس في حرية التعبير، والمحاكمة العادلة، وللوفاء بواجبات لبنان تجاه الاتفاقيات الدولية الملزمة، لا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية حقوق الطفل، وهي:

ـ الكف عن استخدام القوانين المتعلقة بالتشهير، والإهانة، والقدح، والذم، والتجديف، والتحريض لمضايقة النشطاء والصحافيين؛

ـ الكف عن استدعاء النشطاء والصحافيين إلى الأجهزة الأمنية والعسكرية؛

ـ الكف عن اعتقال القصّر واستدعائهم إلى الأجهزة الأمنية والعسكرية بشأن قضايا تتعلق بحقوقهم في حرية التعبير، والتجمع، وتكوين الجمعيات والانضمام إليها؛

ـ الكف عن إحالة المدنيين عموماً والنشطاء والصحافيين خصوصاً إلى القضاء العسكري والمحاكمات في المحاكم العسكرية؛

ـ وضع حد لاستخدام التعهدات غير القانونية بالتزام الصمت لتخويف النشطاء والصحافيين وابتزازهم؛

ـ وقف استخدام الحبس الاحتياطي السابق للمحاكمة بتهم التشهير؛

ـ مساءلة كل المدّعين العامين والموظفين العموميين المسؤولين عن الانتقائية المتحيزة المزعومة التي تنتهك الحق في المساواة أمام القانون والمساواة في الحصول على العدالة؛

ـ تعديل التشريعات الوطنية التي تقيّد الحق في حرية التعبير لتتماشى تماماً مع المعايير الدولية؛

ـ الوفاء بالتزام لبنان باحترام وحماية وإحقاق حقَّيْ حرية التعبير والتجمع؛

ـ احترام الالتزام بحماية حقوق الطفل؛

ـ احترام التزام لبنان بوضع حد للتعذيب بتجريمه ومساءلة مرتكبيه وتقديم سبل انتصاف للضحايا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard