بعد صراع مع كورونا والتنمّر… رحيل رجاء الجداوي

الأحد 5 يوليو 202004:27 م
الأسى سوف يصاحبنا في تتبع رحلة الفنانة المصرية، رجاء الجداوي، مع كورونا، منذ الإعلان عنها كأول فنانة مصرية تصاب بكورونا وحتى رحيلها عن دنيانا صباح اليوم، الأحد 5 تموز/ يوليو، بعد رحلة مريرة مع المرض، رقدت فيها ملكة جمال مصر في الستينيات، لمدة 43 يوماً في مستشفى العزل بالإسماعيلية، نفس المدينة التي شهدت ميلادها قبل ثمانية عقود، هي التي سطرت فيها الفصل الأخير.

رغم أنها ملكة جمال، لكن ما فعله مجتمعنا فيها خلال محنة مرضها هو القبح بعينه، ظلمنا السيدة الثمانينية وسط صراعها الشرس مع فيروس كورونا، ذلك الصراع الذي جسدت فيه الفنانة المصرية المحبوبة "دراما الحياة" التي تستطيع أن تدهشنا أحياناً، أكثر مما تستطيع الدراما الفنية أن تفعل عبر الشاشات أو على خشبة المسرح.

نجد هنا مقولة الفنان المصري يوسف وهبي عن "الدنيا المسرح الكبير"، مشهداً واقعياً نعيشه وسط بحر المفارقات التي فضحت الكثير من الأمراض الاجتماعية النائمة في مجتمعنا، والتي خرجت إلى السطح، في صورة صدمات متتالية عاشتها رجاء الجداوي خلال الأسابيع الأخيرة، تلك الصدمات التي سنعرف معها أن الفيروس من الممكن ألا يقتل، لكن التنمر والأمراض الاجتماعية الكامنة تقتل، ومع سبق الإصرار والترصد.

ما فجر حالة الغضب في وجه رجاء الجداوي هو الإحساس المستتر في نفوس كثير من المصريين، الإحساس الذي يلعن غياب العدالة الاجتماعية، ولا يجد من يوجّه له تلك اللعنات

الجداوي ممثلة "الصف الثاني"، والتي تتمتع بشعبية طيبة للغاية في الوسط الفني المصري، دفعها كورونا إلى مقدمة الصفوف فجأة، بعد أن تصدرت تريندات تويتر ومواقع التواصل الاجتماعي منذ نهاية رمضان الماضي، وسط ضجة كبيرة، والكثير من الأزمات التي صاحبت محنتها مع المرض، وربما لو قصدت رجاء الجداوي أن تكون معالجة اجتماعية، لما نجحت أن تفعل ذلك مثلما فعلت من خلال أزمة إصابتها بكورونا، وما حدث فيها من أحداث خلال الفترة الماضية.

غضب من فقدان العدالة

"سيدة الصدف" كما تطلق على نفسها، وقعت ضحية للتنمر منذ اللحظة الأولى في محنتها من قبل قطاعات كبيرة من المجتمع، أي قلوب تلك التي تتنمر على سيدة ثمانينية محبوبة تصارع المرض، ورغم الشعبية الطيبة لها داخل البيت المصري، إلا أن الساعات الأولى لإصابتها بكورونا شهدت الكثير من الغمز واللمز عبر مواقع التواصل، عن تمييزها عن غيرها من المرضى، وسرعة الاستجابة التي أبدتها وزارة الصحة في الكشف عليها وعلى المخالطين لها من طاقم مسلسل "لعبة النسيان"، وتدخّل وزيرة الصحة المصرية، هالة زايد، شخصياً لمتابعة حالتها، وهو الأمر الذي يكون طبيعياً في حالة إصابة أحد النجوم بالمرض، وما يتبع ذلك من اهتمام إعلامي متوقع، لكن ما فجر تلك الحالة في وجه رجاء الجداوي هو الإحساس المستتر في نفوس من يحملون هذا الخطاب، الإحساس الذي يلعن غياب العدالة الاجتماعية، ولا يجد من يوجه له تلك اللعنات، لم تكن تلك الصدمة الأولى للجداوي، فكل ذلك كان الهدوء الذي يسبق العاصفة.

تفاقم الأزمة جاءت مع الأنباء التي خرجت بعد إصابتها بساعات، وفاة 4 أطباء مصريين من الأطقم الطبية التي تتصدى لعلاج المصابين بفيروس كورونا، وهو الأمر الذي فجر غضب الأطباء الذين كانوا ينتظرون الفتيل، بعد أن استفزتهم حالة الاهتمام والرعاية بالفنانة رجاء الجداوي، وهي الرعاية التي تشكل حقاً دستورياً أساسياً لكل إنسان، لكن شكوك البعض في أحقية الحصول على ذلك الحق للجميع، بالإضافة للغضب المكتوم من جانب الأطباء، أشعل الموقف، بعد أن تسلل إلى قلوب الأطباء الإحساس بأن هناك استهانة بمصائرهم، ودفع ذلك وقتها رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، للاضطرار للتدخل بنفسه لتهدئة الأوضاع، وقام بلقاء نقيب الأطباء المصريين في محاولة لاحتواء "الغضب والسخط"، وبين العديد من الأقواس "والإحساس بالامتهان".

غرفة 212

على الجانب الآخر بعيداً عن الأحداث المشتعلة، كانت الفنانة رجاء الجداوي تواجه الساعات الأولى مع المرض في غرفة 212 بمستشفى العزل، تعاني من ارتفاع درجة الحرارة، ولكنها في حالة صحية متماسكة، لكن جاءت حالة التنمر التي واجهتها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، والمقارنات بين الرعاية التي تلقتها وما يحدث مع الأطقم الطبية المصرية، لتتسبب في تعرضها لانتكاسة نفسية وصحية قادت للدخول إلى غرفة الرعاية المركزة، ووضعها على جهاز التنفس الصناعي.

كشفت ابنة رجاء الجداوي بعدها تدهور حالة والدتها، أن هذا التدهور كان لأسباب نفسية، بعد أن فوجئت بحالة الهجوم عليها وهي في محنة المرض، بالإضافة إلى الشائعات التي تنهال كل ساعة عبر وسائل التواصل، لتعلن عن وفاتها مرة، أو تدهور حالتها مرة أخرى، وهو الأمر الذي شكل صدمة كبيرة للفنانة الثمانينية.

صورة التُقطت للجداوي اعتبرتها انتهاكاً لخصوصيتها.

السيدة التي تعتبر نموذجاً للعناية بالجمال، وإحدى المتوجات السابقات بلقب "ملكة جمال مصر" في شبابها، تلقت صدمة أخرى اعتبرتها انتهاكاً لخصوصيتها، بعد أن قام أحدهم بتسريب صورة فوتوغرافية لها من داخل مستشفى العزل بالإسماعيلية، وتظهرها اللقطة في حالة من الإعياء بسبب ظروف المرض، وهي تمسك بالقرآن الكريم بين يديها.

تلك اللقطة أغضبت الجداوي، ورأت فيها اختراقاً للخصوصية، كما تحدثت معي في ذلك اليوم تليفونياً من داخل المستشفى، وتطرقت إلى رفضها لنشر الصورة في وسائل الإعلام، الغريب أن تلك اللقطة ظلت هي الصورة الرئيسية المصاحبة لأغلب الأخبار المتداولة عن حالتها الصحية في المواقع الإخبارية العربية طوال حزيران/ يونيو الجاري، والمزعج في الأمر أيضاً أنه تبين بعد ذلك أن من يقف بجوارها في اللقطة مواجهاً للكاميرا، هو مدير مستشفى العزل التي تتولي علاجها.

حرب على الفن

نقاشات الشبكات الاجتماعية عن رجاء الجداوي وكورونا، والتي تصدرت التريند على تويتر طوال فترة إصابتها بالمرض، كشفت عن حالة من الاحتقان الاجتماعي ضد الفنانين بشكل عام، وكأن مجتمع مصر، هوليوود الشرق، تحول فجأة وأصبح يرى أن الفنانين يتمتعون بوضعية اجتماعية لا يستحقونها، وظهرت في الكثير من النقاشات حالة من التحقير للفنانين، تشبه الحالة التي كان يتم التعامل بها مع "المشخصاتية" مع انطلاقة السينما وازدهار المسرح في بدايات القرن العشرين، ولم يكن ما حدث ضد رجاء الجداوي سوى البداية، فقد تعاقبت حالات التنمر والهجوم المتتالية على الفنانين، "هشام سليم وابنه، و شريف منير وبناته، ومحمد رمضان وشقيقته"، تلك الحالات التي تعاقبت خلال فترة قصيرة، ولوحظ فيها أنها كانت تحمل دائماً مضامين تحقير الفن من زاوية أخلاقية، ربما باستثناء حالة محمد رمضان (العنصرية الصرفة)، والتي كانت تسخر من لون البشرة.

ظهرت في الكثير من النقاشات حالة من التحقير للفنانين، ولم يكن ما حدث ضد رجاء الجداوي سوى البداية، ثم تعاقبت حالات التنمر على هشام سليم وابنه، وشريف منير وبناته، ومحمد رمضان وشقيقته

كل هذا الوجع، تابعته رجاء الجداوي من فوق سرير المرض في الإسماعيلية، مبطناً بالإشاعات المتتالية عن تدهور حالتها الصحية أو وفاتها، كان طبيعياً أن تتدهور حالتها خلال الأيام الأخيرة لتصل إلى فقدان الوعي بمصاحبة جهاز التنفس الصناعي، وذلك في محاولة لإعادة نسبة الأوكسجين في الدم إلى وضعها الطبيعي.

كفاح رجاء الجداوي

ما يجب أن نراه جميعاً الآن، هو أن رجاء الجداوي لم تكن تستحق كل هذا التنمر، السيدة الرقيقة النموذج للفتاة المصرية المناضلة، شقت طريقها في الصخر منذ البداية، منذ ميلادها في الإسماعيلية، وحتى انتقالها برفقة شقيقها الأكبر، فاروق، للإقامة مع خالتها الفنانة تحية كاريوكا، التي تولت رعايتها عند التحاقهم بمدارس الفرنسيسكان بالقاهرة، والتي تعلمت فيها الفرنسية والإيطالية في سن مبكر، قبل أن تبدأ حياتها العملية في قسم الترجمة بإحدى شركات الإعلان.

شقت الجداوي طريقها في الصخر منذ البداية.

رحلة كفاح فنية بدأت عندما ذهبت مع والدتها إلى حديقة الأندلس بالقاهرة عام 1958، لترتدي وشاحاً أصبحت بعده "ملكة جمال القطر المصري"، ليشاهدها المخرج هنري بركات، ويقوم بترشيحها للعمل ليرشحها للعمل بجوار أحمد مظهر وفاتن حمامة، في فيلم "دعاء الكروان" المأخوذ عن رائعة عميد الأدب العربي، طه حسين.

لم تولد رجاء الجداوي وفي فمها ملعقة ذهب، كما يقول المثل الشهير، حتى نتعامل معها وكأنها ليست منا، كيف نسي الجميع كل أحاديث عارضة الأزياء المصرية التي توجت بلقب ملكة جمال مصر في الستينات، عن نضالها ضد الفقر، وحذائها الممزق الذي اضطرت للتحرك به في بدايات حياتها، لأنها لا تملك ثمن حذاء جديد، كيف أصبحت السيدة التي أنفقت عمرها في محبة الناس والفن، تعاني على سرير المرض من حقد أعمى يرى في العناية بها أمراً مبالغاً فيه، وكأنهم كانوا يريدون أن يقتلوها؟ رحلت رجاء الجداوي اليوم عن دنيانا وتركت لنا لعبتنا وترينداتنا، وتركت الأسى علينا وعلى مجتمعنا ثقيلاً في قلوبنا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard