هل دخنت الحشيش فوق مبنى التجارة العالمي؟

الأحد 5 يوليو 202003:16 م

أظن أن القيامة قد حلّت ونحن نحاسب الآن، فهذا العالم، وبكل بساطة المؤمنين، جهنم، فطوبى للأموات. ياللهول يا صديقي! ما هذا؟

لازلت مصراً أن الشعوب في العالم وبهذه الكثافة، ليست سوى زوائد شحمية على الطبيعة، وجب عليها أن تتخلص منها لتبقى رشيقة. وأنا، أحد التفّه المستمتعين براحة العزلة، من مشجعي فريق الأوبئة ونظرية تنفس الطبيعة وردود فعلها... لنفنى يا أخي، كفانا "انتصارات" على الطبيعة وكفانا بحثاً عن تقييدها.

وأنا أحذر من مكاني هذا! من على شرفتي الضيقة والخانقة كسجن انفرادي، وأعلنها بكل ثقة وقلة أدب وجرأة، دون أن يحمر وجهي خجلاً كالملوك والزعماء والرؤساء والأمراء والقياصرة والأباطرة والآلهة وأنصافها وأشباهها: لتلهبوا نار الحروب وتصنعوا أسلحة أخرى أكثر إثارة، توجهوا للجميع دون استثناء، اقتلوا الناس، اهدموا الأبنية، فجروا الموانئ والمطارات واقصفوا المصانع والطرقات والزفت، انكحوا الجميع واطلقوا النار صوب القمر، هكذا، عبثاً في الليل... احرقوا البنوك ومقرات الحكومات وحرضوا على القتل... فهو المتنفس الوحيد أمام هذا العبث... فقط اتركوا الحانات التي لا مراحيض نظيفة فيها، فتلك بيوت محرمة ولا يجب أن تمسّ. 

نحن في جهنم يا صديقي وكل شيء مباح... أقترح أن تنتحر مثلاً! اقتل نفسك بنفسك، فهذا أشرف من أن يقتلك المايونيز أو قطعة إسكالوب مسمومة.

جاء جيلنا متأخراً... لم نلحق السنوات العذراء، ولم نلحق زمن شرب البيرة في الشوارع بسلام، ولم نلحق حتى فترة تمحيص الكتب في المكتبات والمراحيض النظيفة

أنا أرى ما لا تراه، وكرهت أن أبقى حياً هنا بينكم، وعلى رأي هولدرلين، فقد أتينا متأخرين يا صديقي، ولم نلحق السنوات العذراء، كما تقول أمي، ولم نلحق زمن شرب البيرة في الشوارع بسلام، ولم نلحق زمن التنانير القصيرة لفاتنات الجامعة ولم نلحق حتى فترة تمحيص الكتب في المكتبات والمراحيض النظيفة... هكذا تقول أمي على جيلنا، وأنا أصغر أخوتي وأصدق كل ما تقوله أمي. لكنني تجرأت، وفكرت، وقلت بيني وبين نفسي: لا.. ربما الأمر متعلق بمزرعة القمح الأولى التي أجبرت هذا الكائن الأحمق المسمى إنساناً على الاستقرار وبناء منزل فيه نوافذ.. سحقاً، لقد أوقعنا هذا الوغد في الفخ!

ماذا لو بقينا لعشرين ألف عام إضافيين صيادين ونجمع الفاكهة فقط، ما ضرّ الآلهة في ذلك؟ لماذا استعجلت رحيلنا من جنتنا الشاهقة والشاسعة وحشرتنا كعلب السردين الفارغة والنتنة ضمن شعوب العالم المقرفة؟ ماذا لو اجتمعنا على كبد ديناصور مشوي... يقال إن كبد الديناصور نافع جداً للعاجزين جنسياً.

هذه الشعوب مقرفة يا صديقي، كلمة شعوب أو شعب فقط وفي حد ذاتها هي القرف عينه، فما بالك بتركيب: الشعوب تنتصر، مثلاً على الطاعون، أو الشعب الفلاني انتصر على الشعب الفلاني في مباراة للكرة الحديدية.

ألا يوجد مكان بينكم لـ"مجتمع ينجح"، على رأي الفيسلوف فتحي المسكيني؟ أعتقد أن كلمة المجتمع الناجح أخف ضرراً من الشعوب المنتصرة وفق سردياتها الممرغة في التراب.. كلها ودون استثناء، فحتى الرب لا يسمح بهذا، ولعله حزين أو نادم ومندهش... أظنه غير مهتم أصلاً بما يحدث هنا، وأنه منهمك في صناعة أشياء أخرى أكثر طرافة من إنستغرام... الرب ليس عدّاداً لثرواتهم، أنا متأكد أنه ينتقي منا أنبياء جدداً لنقلهم إلى مستوى آخر من لعبة العدم.

وعلى ذكر العدم، نحن الصحافيون مثلاً نعرف جيداً معنى المازوشية، متصالحون معها، بل ونبحث عمّن ينكحنا بكيرنج بلاستيكي، صلب وخشن، اسمه الحكومات والشعوب والسياسات والاقتصاد والأزمة والوباء والمرض والفقر والتخلف والمباني الشاهقة والمطارات والزفت! حتى نتقيأ مقالات ومصانع خشب، تخرج من أفواهنا التي تشبه المراحيض العفنة. ليس ذنبنا يا صديقي صدقني، إنه واقعك، وسبق أن نبهتك إلى أن القيامة قامت وأننا في جهنم.

نحن الصحافيون لسنا موظفين أو رجال أعمال أو عمالاً أو فلاحين أو مضيفي طيران أو مغنين أو جراحين، نحن مصانع لإعادة تدوير حزن العالم

انتهى الحشيش يا صاح، أين الحشيش لأكمل لك قصة ما سيحدث في المستقبل...

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard