أول رحلة خارجية لأردوغان بعد تفشي كورونا... قراءة في رسائل زيارة الرئيس التركي لقطر

الجمعة 3 يوليو 202007:58 م

في وقت عزّزت فيه أزمة كورونا التواصل افتراضياً بين زعماء الدول من خلال وسيلة "الفيديو كونفرنس"، طار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان شخصياً إلى قطر للقاء الأمير تميم بن حمد آل ثاني، في زيارة رجّح كثيرون وجود رسائل قوية وراء إجرائها في هذا التوقيت الحرج.

وقال بيان صادر عن أنقرة إن الطرفين ناقشا "العلاقات بين البلدين الصديقين والأخوين" في "كافة الجوانب"، دون أن يشير إلى موضوع استثنائي، لكن الصور التي تم نشرها تظهر اجتماع تميم وأردوغان برئيس المخابرات التركية هاكان فيدان في مشهد رجّج مراقبون أنه يحمل رسالة إلى الخارج.

وتأتي هذه الزيارة التي تعد الأولى لأردوغان منذ تفشي فيروس كورونا، بعدما تمكنت تركيا من قلب موازين المعارك في ليبيا لصالح حكومة الوفاق وهزيمة الجنرال خليفة حفتر المدعوم من خصوم قطر، وهم مصر والسعودية والإمارات.

التقارب القطري التركي

بحسب المتداول، سافر أردوغان وعائلته إلى قطر 56 مرة في السنوات الـ12 الماضية بينما زار أمير قطر الحالي والسابق وحاشيته تركيا 45 مرة، وهو ما يعكس قوة التقارب بين الدولتين.

في عام 2014، وقعت تركيا وقطر اتفاقية أمنية استراتيجية أعطت الدوحة بموجبها أنقرة أول قاعدة عسكرية في دولة خليجية.

في السنوات القليلة الماضية ربطت أنقرة بالدوحة علاقات قوية، لا سيما منذ اندلاع الأزمة الخليجية، في 5 حزيران/ يونيو 2017، عندما فرضت السعودية والإمارات والبحرين ومصر حصاراً على قطر وقطعت العلاقات الدبلوماسية والتجارية معها.

بعد إعلان الحصار، سارعت تركيا إلى تفعيل الاتفاقية الأمنية مع الدوحة، والحديث عن إرسال حوالي ثلاثة آلاف جندي إلى جانب وحدات من القوات الخاصة والجوية والبحرية ومدربين عسكريين، في خطوة فسرها محللون على أنها حماية لقطر من غزو عسكري محتمل من قبل خصومها.

وأعلنت تركيا وقتها عن إرسال مساعدات إلى قطر تضمنت العشرات من السفن والطائرات المحملة بالأغذية والإمدادات الأساسية، لتجنب حدود أزمة غذائية. 

وفي عام 2018، تعهدت الدوحة باستثمار 15 مليار دولار في البنوك والأسواق المالية التركية بعدما فقدت العملة الوطنية التركية 40٪ من قيمتها مقابل العملات الغربية الرئيسية. كما أهدى تميم الرئيس التركي طائرة بوينغ 747-8، وهي من أكبر وأغلى الطائرات الخاصة في العالم، بسعر قيل وقتها إنه يصل إلى 400 مليون دولار.

عام 2018، تعهدت الدوحة باستثمار 15 مليار دولار في البنوك والأسواق المالية التركية، كما أهدى أمير قطر الرئيس التركي طائرةً تُعدّ من أغلى الطائرات الخاصة في العالم... جولةٌ على جوانب التعاون التركي القطري بموازاة زيارة أردوغان لقطر

وزاد الكرم القطري بضخ استثمارات كبيرة في الصناعات الدفاعية، إذ اشترى صندوق استثماري قطري حصة 50٪ في شركة "BMC"، وهي شركة تركية متخصصة في صناعة المركبات المدرعة، وقد فازت مؤخراً بعقد لإنتاج ألف دبابة تركية الصنع أطلق عليها اسم "Altay".

وفي صفقة لم يُعلن عن قيمتها، وقعت مؤسسة "هافيلسان" التركية، وهي شركة برمجيات عسكرية حكومية، على اتفاقية شراكة مع شركة "المسند القابضة" في قطر من أجل العمل على نظام مشترك متخصص في حلول الأمن السيبراني للإمارة.

كذلك كشفت تقارير في وسائل الإعلام التركية دعم القطريين لمشاريع إنتاج الطاقة في تركيا، منها استثمار شركة "Nebras Energy " الممولة من قطر بـ14 مليار دولار في محطات لإنتاج الكهرباء بقدرة 4500 ميغاوات.

وزعمت تقارير وسائل الإعلام المعارضة في تركيا وجود زيادات غير طبيعية في محافظ الشركات القطرية في سوق الأسهم التركية، والتي وصلت إلى ست شركات قطرية بقيمة 16 مليار ليرة (2.3 مليار دولار) في نهاية حزيران/يونيو 2019، لكنها ارتفعت إلى ما يقرب من 77 مليار ليرة بحلول نهاية العام الماضي.

واستحوذ القطريون على أكبر شركة تليفزيونية في تركيا وهي"Digiturk"، وأصبحوا شركاء في مجموعة "ATV-Sabah " الإعلامية، كما استحوذوا على أسهم في شركة "Banvit" لإنتاج الدواجن، ومتجر "Beymen".

كما تشير وسائل الإعلام التركية إلى أن القطريين ضخوا استثمارات ضخمة في قطاع العقارات، إذ استحوذوا على القصور المنتشرة في مضيق البوسفور الشهير في إسطنبول، وعدد من الفنادق في منتجع مارماريس الساحلي، وهضبة سورمين في منطقة شمال البحر الأسود.

مزيد من المال

منذ أواخر العام الماضي، تتسارع التقارير حول الاختلالات الاقتصادية الأساسية في تركيا والتي يُرجّح أن تتفاقم مع طول أمد أزمة كورونا التي شلت قطاع السياحة، وهو أحد أهم مواد أنقرة من العملة الأجنبية.

ومن المتوقع أن يرتفع معدل البطالة من 13.6٪ في شباط/فبراير، إلى 17.2٪ بنهاية العام الجاري، كما انخفضت قيمة العملة الوطنية بشكل حاد كما حدث خلال أزمة 2018. 

ومن أجل إيقاف انزلاق الليرة وتزويد البنوك التركية بالسيولة الأجنبية التي تحتاجها، سعى البنك المركزي في أنقرة إلى عقد اتفاقيات مبادلة للعملات مع الاقتصادات الكبرى في العالم، منها بنك اليابان، وبنك إنكلترا.

في أيار/مايو الماضي، رفعت تركيا من قيمة اتفاق تبادل العملات مع قطر إلى ثلاثة أضعاف لترتفع القيمة إلى 15 مليار دولار بدلاً من الاتفاق السابق الذي كانت قيمته 5 مليارات دولار.

ومع ذلك، يشير محللون إلى أن تركيا لا تزال تريد المزيد من المال من قطر لتخطي الأزمة الاقتصادية الحالية. وقال الصحافي السوري غسان إبراهيم، رئيس تحرير صحيفة "أحوال" المعارضة للنسخة العربية، إن الرئيس التركي في حاجة ماسة الآن إلى المزيد من أموال الدوحة، ويتطلع خلال الزيارة إلى الضغط لتمويل برنامجه التوسعي في المنطقة، خاصة بعد أن استنزف أموال تركيا في عملياتها العسكرية. 

وقال إبراهيم إن الرئيس التركي يحاول تحذير عائلة آل ثاني من أن القواعد العسكرية التركية في الدوحة ستصبح الملجأ الوحيد لحماية قطر، خاصة وأن الولايات المتحدة تدرس خيار إغلاق قواعدها.

"نصرة المظلومين"

على الرغم من الحديث الواسع عن الطابع الاقتصادي لهذه الزيارة إلا أن محللين أشاروا إلى أن اللقاء يستهدف تعزيز التعاون بين الدولتين في القضايا السياسية.

وقال المحلل السياسي في "كلية كينغز" في لندن آندرياس كريغ في تغريدة له: "كلاهما (أردوغان وتميم) يرى نفسه على نقيض التكتل المضاد للثورة الذي يجمع الإمارات والسعودية، لذلك يريدان التكامل والتآزر الإيجابي والسلبي على حد سواء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا".

بدوره، قال الباحث السعودي مهنا الحبيل في تغريدة له: "زيارة الرئيس التركي أردوغان لقطر تأكيد على الشراكة الإستراتيجية القوية بين الدولتين"، لافتاً إلى أن "أمير قطر نصّ في تغريدته المرحبة والمُحتفية (بأردوغان) على أن قطر تضع العلاقات ضمن الجوار العربي والإرث المشترك بين أمتي الأتراك والعرب وهو الإسلام، وهي لغة استقلال وتعاون عربي سياسية محددة المعالم".

وكان أمير قطر قد نشر تغريدة بمناسبة زيارة أردوغان، أشار فيها إلى وجود"ارتياح" لعمق العلاقات بين قطر وتركيا.

"تأكيد على الشراكة الإستراتيجية بين البلدين"... من ليبيا إلى الصومال ومصر وفلسطين ودول أخرى في المنطقة، يتشارك الجانبان التركي والقطري المصالح نفسها، والتي يقول محللون إنها تشكل جزءاً من رسائل زيارة أردوغان لقطر، إلى جانب المصالح الاقتصادية

وكتب تميم على حسابه في موقع تويتر: "بمناسبة زيارة الأخ الرئيس أردوغان نشير بارتياح إلى عمق علاقات الشعبين القطري والتركي، ونستذكر الجوار الجغرافي والإرث الحضاري المشترك بين العرب وتركيا، والذي أسس لتعاون بنّاء في تنمية منطقتنا واستقرارها، وإسهام متكامل في تقدم الإنسانية جمعاء".

وقال الكاتب القطري جابر الحرمي إن البلدين سيمضيان قدماً في التعاون المشترك لخدمة "الشعوب المظلومة"، وهو المصطلح الذي طالما استخدمه الرئيس التركي في عدد من القضايا بالمنطقة، منها وصف المعارضة المصرية والشعب الفلسطيني وأنصار حكومة الوفاق في ليبيا ومسلمي ميانمار وغيرهم ممن يتوافقون مع سياسة أنقرة.

وقال الحرمي في تغريدة له عبر تويتر: "الرئيس أردوغان في ضيافة أمير قطر الشيخ تميم بن حمد اليوم... المضي قدماً في تعزيز العلاقات الإستراتيجية وتوثيق التحالف الثنائي بما يخدم مصالح البلدين الشقيقين وقضايا الشعوب المظلومة والانتصار إلى قضايا الأمة".

في سياق متصل، يُعد الصومال من أشد حلفاء أنقرة في المنطقة العربية والقرن الأفريقي، حيث توجد قاعدة تركية في مقديشو لتدريب قوات الأمن ومساعدة الحكومة على بناء جيش قوي.

في الاجتماعات التي عقدتها جامعة الدول العربية حول دور التركي في المنطقة وآخرها الأزمة الليبية، اتخذت الصومال وقطر موقفاً داعماً لأنقرة بالتحفظ على كل البيانات التي تضمنت بنوداً ضد المصالح التركية.

وظهر في عدد من الاجتماعات التي عقدها رئيس الوزراء الصومالي في العاصمة مقديشو خلال السنوات الماضية مع رجال الأمن حضور سفيري قطر وتركيا لمناقشة الأوضاع الأمنية في البلاد. 

"أردوغان يحلب تميم"

بموازاة الزيارة، دشّن صحافيون وناشطون سعوديون هاشتاغ "أردوغان يحلب تميم"، في إشارة إلى أن الرئيس التركي يزور الدوحة من أجل الحصول على المال لحل أزمته الاقتصادية.

وقال الكاتب السعودي فهد الديباجي في تغريدة له: "فقدوا السيادة… خسروا المال... ذهبت الكرامة"، فيما غرّد السعودي عبد اللطيف بن عبدالله آل الشيخ: "زيارة خفّافي... ما كلّف عليهم أبداً... خذ 5 مليار و رجع".

ونشرت وسائل الإعلام السعودية مقطع فيديو، ليس مؤكداً أنه غير مجتزأ، يُظهر أردوغان وهو يطلب من المسؤولين القطريين الاعتدال في الجلوس، ونشرت قناة "الإخبارية" السعودية الرسمية هذا الفيديو ضمن تغريدة قالت فيها: "أردوغان في مجلس أمير قطر يأمر وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن بتعديل جلسته".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard