بين فرنسا وسوريا... حكايتان حول تعميم المعرفة بالتكنولوجيا

الجمعة 3 يوليو 202005:39 م

على بعد 3،6 كيلومترات من بيتي، في وسط مدينة ليون الفرنسية، كبرى مدن إقليم رون ألب، والمجاورة لجبال الألب الشهيرة، تقع محطة لتوليد الكهرباء تعتمد على تحويل الطاقة الحركية للماء إلى طاقة كهربائية، وهي طريقة تُعتبر أحد مصادر الكهرباء النظيفة.

تقع المحطة ضمن منطقة خضراء طبيعية تمتد على مساحة عشرات الهكتارات وتتيح للإنسان ممارسة ما يخطر في باله من أنشطة رياضية وحياتية، وتتألف من 15 عنفة (جهاز فيه شفرات دوّارة يعمل على تحويل الطاقة بأشكالها المختلفة إلى طاقة كهربائية)، بقدرة إجمالية تبلغ 63 ميغا واط، وتتركز على مجرى قناة صناعية تتغذى من مياه نهر الرون، تم البدء بحفرها عام 1894 ووُضعت في الخدمة عام 1899.

تستقبلك المحطة بحيّز صغير أشبه بشرفة واسعة، لها باب متوسط الحجم يشكّل مدخلاً لجسر معدني كبير يسير الزائر عليه وتمرّ من تحته مياه النهر المتدفقة، وتطل على المبنى الرئيسي المبني على الطراز الفرنسي، بسقف مائل وآجري اللون، والذي يضم في أسفله العنفات المائية.

تتولى شركة الكهرباء الفرنسية EDF (أو دي إف) منذ تأسيسها عام 1946 وحتى اليوم الإشراف على إدارة وصيانة المنشأة. ما يميّز الشركة الضخمة عن مثيلاتها حول العالم قدرتها على تصنيع أجزاء كبيرة من مكوّنات محطات الكهرباء التي تشرف عليها.

على حواف الجسر المعدني، تتوزع صور ورسومات توضيحية تشرح مبدأ عمل العنفات المائية، وتقدّم معلومات مبسطة عن الأحياء الطبيعية والنباتات والأشجار التي تعيش في المنطقة، ومعلومات حول كيفية الحفاظ عليها، كما تفسّر لوحات، باللغتين الفرنسية والإنكليزية، وصور أخرى، تاريخ إنشاء السد ومراحل العمل فيه، ولمحة عن المهندسين المشرفين على المشروع.

على سياج هذا الحيّز الصغير، نُقشت عبارات نافرة يستطيع المكفوفون فهمها، باستخدام حاسة للمس. تنبّه هذه النقوش إلى ضرورة الالتزام بمعايير السلامة.

تفاجئك لوحة تشير إلى أن منظمة "كهربائيون بلا حدود" شريكة في تطوير المشروع الذي يُحَدَّث بشكل دائم. هذه المنظمة الهندسية تعتبر أن الطاقة ومصادر المياه حق لجميع البشر، وتعمل في 35 بلداً من أفقر بلدان العالم وفي مناطق الكوارث والنزاعات المسلحة حول العالم، وتضم في صفوفها ما يزيد عن 1200 خبير في مجال الطاقة والبيئة.

بين حلب وبانياس

في السنة الرابعة من كلية الهندسة الميكانيكية (2009-2010)، في جامعة حلب، أعرق كليات الهندسة في سوريا، درسنا مقررات حول العنفات التي تولد الكهرباء كالعنفات البخارية والغازية والمائية وغيرها.

وفي كل مقرر، كنّا نقوم بزيارة ميدانية لمحطة توليد للطاقة، بإشراف أساتذة المقرر. في سنتي الرابعة، وقع اختيار الزيارة على محطة بانياس التي لطالما أتعبت أهالي المدينة الساحلية، جراء إطلاقها لملوثات تملأ سماء المدينة المتوسطية الوادعة.

قبيل الرحلة التي طال انتظارها لرؤية العمل الهندسي على أرض الواقع، يتحتم على أستاذ المقرر والمشرف على الزيارة تقديم أوراق للحصول على موافقة من الاتحاد الوطني لطلبة سوريا ومن مسؤول الفرقة الحزبية، ممثل حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم في الكلية. سلطة المسؤول الحزبي في كليتنا تتفوق على سلطة اتحاد الطلاب الذين يفترض أن يكونوا ممثلين منتخَبين من الطلاب أنفسهم، حتى أن سلطته تتفوق أحياناً كثيرة على سلطة عميد الكلية وعلى نائبيه للشؤون العلمية والإدارية، والذين لا يتمكّنون من الوصول إلى مناصبهم دون أن يكونوا أعضاء عاملين في حزب البعث الحاكم، ومرضياً عنهم من فروع الأمن السورية، وخصوصاً مفرزة الأمن العسكري التي تقع في كلية العلوم، الكلية التي خرجت آلاف المعلمين في الرياضيات والفيزياء والكيماء والأحياء، وخرج من تحت أيدي خرّيجيها آلاف الطلاب العرب في دول الخليج والمغرب العربي.

على باب محطة بانياس لتوليد الطاقة، تستقبلك صورتان كبيرتان لحافظ وبشار الأسد، وعلى الجدران خُطَّت عبارات وشعارات كان قد أطلقها حافظ الأسد من قبيل "ليكن شعارنا دوماً الشهادة أو النصر والشهادة أولاً لأنها الطريق إلى النصر"

في يوم الرحلة، وبعد سفر طويل، وصلنا إلى محطة بانياس الواقعة على شاطئ البحر المتوسط. تحتوي المنشأة على بضع أشجار تشكّل سوراً مرتفعاً بجانب السور المعدني الشائك المرتفع أيضاً، وتصل حدودها حتى مياه البحر.

على بابها الواسع المرتفع، تستقبلك صورتان كبيرتان لحافظ وبشار الأسد، وعلى الجدران خُطَّت عبارات وشعارات كان قد أطلقها حافظ الأسد من قبيل "سلاماً أيها الأسد سلمت وتسلم أمة فخرت بأنك خير مَن تلد" وعبارة "ليكن شعارنا دوماً الشهادة أو النصر والشهادة أولاً لأنها الطريق إلى النصر" و"لا أريد لأحد أن يسكت عن الخطأ أو يتستر على العيوب والنواقص".

عند الباب، تستقبلك نقطة تفتيش أمنية تدقّق في أسباب الدخول ووثائق الداخلين، فالمنشآت هذه بالنسبة إلى سوريا مسألة أمن قومي. بعد انتهاء إجراءات الدخول مشينا مسافة طويلة حتى وصلنا إلى مبنى المكاتب الإدارية، للحصول على الموافقة النهائية للدخول إلى المحطة وزيارة أقسامها. انتظرنا قرابة ساعتين توزّعنا خلالها في بهو الاستقبال، ومجدداً في هذا المبنى تتوزع صور حافظ وبشار الأسد في كل مكان، مع عبارات "لا تقدّم ولا ازدهار إلا مع الاشتراكية".

في المكان الأول، في فرنسا، مهندسو وعمال محطة توليد الطاقة هم أبطال المكان الذي يشبه متحفاً علمياً مصغراً. أما المكان الثاني، في سوريا فالأبطال هم الأسدان الأب والابن، وإجراءات الدخول إلى المحطة تتطلب موافقات أمنية لا تنتهي

أخيراً، بدأت الزيارة، وبدأ المهندس المرافق لنا بشرح مبدأ عمل المحطة وأقسامها وتاريخها. في بداية الشرح قال المهندس إن "المحطة من منجزات الحركة التصحيحية التي قادها القائد الخالد حافظ الأسد". العبارة مرت سريعاً. مَن انتبه إليها حاول جاهداً كظم ضحكته. فحافظ الأسد استلم الحكم عام 1970، والمشروع بدأ بالعمل فيه عام 1968، وتطوّر بشكل ملحوظ في ثمانينيات القرن المنصرم. ضحكة الطالب في مثل هذا الموقف قد تودي به إلى السجن لسنوات دون محاكمة، خصوصاً أن المخبرين ينتشرون في كل مكان أثناء الزيارة، وربما يكون المخبر هو من أكثر الطلاب المقرّبين منك دون أن تدري.

تضم محطة بانياس عنفات بخارية وغازية تعمل بأشكال مختلفة من الوقود التقليدي كالديزل والغاز الطبيعي، بقدرة إجمالية تبلغ 680 ميغا واط. هذا النوع من العنفات تحاول دول العالم جاهدة استبداله للتخفيف من الملوثات التي يطلقها.

يتابع المهندس الشرح ويقول: "منذ نحو عامين تعطلت عنفتين وتوقفتا عن العمل، ونتيجة العقوبات المفروضة على محور المقاومة، لم تتمكن الحكومة من صيانتها، فاستعنّا بخبراء من حلفائنا من إيران، حاولوا كثيراً ولم يفلحوا في صيانتها، فقاموا بتحويلها إلى عنفات تعمل على الغاز الطبيعي، عملت لفترة من الزمن وتوقفت عن العمل أيضاً، ولم يستطيعوا إصلاحها مجدداً".

حكايات صغيرة وتساؤلات لا تنتهي

لطالما ينتابني شعور أثناء زياراتي المتكررة إلى المحطة الفرنسية بأن أحداً من القائمين عليها سيوقفني فجأة ويسألني ماذا تفعل هنا وأين موافقة الدخول؟ لطالما يثير هذا الإحساس في نفسي تساؤلات حول الأثر العميق للأنظمة الشمولية في نفس الإنسان، حتى لو انتقل للعيش في بلد تسوده الحريات العامة والخاصة.

تفتح الحكايتان السابقتان المقارنة واسعةً حول الرموز في المجتمع وربط المنجزات العلمية والتكنولوجية ومقدرات البلاد بالأشخاص. في المكان الأول في فرنسا، مهندسو وعمال المحطة هم أبطال هذا المتحف العلمي المصغر. أما المكان الثاني فأبطاله الأسدان الأب والابن.

كما تطرح تساؤلات حول أهمية المشاع التكنولوجي وثقافة تعميم العلوم وجعلها في متناول المواطن العادي قبل المختصّ. في المحطة الفرنسية، الدخول مجاني ومتاح للجميع، مع تشجيع الأطفال على زيارتها لتحفيز مخيّلتهم واهتمامهم بهذه الاختصاصات الفريدة، إضافة إلى توافر محتوى كبير على شبكة الإنترنت من فيديوهات ووثائقيات عن تاريخها ومقالات صحافية وتفاصيل دقيقة عن المنطقة. أما في المحطة السورية، فيحتاج طلاب الهندسة إلى موافقات أمنية وحزبية للقيام بزيارة منشأة هندسية، وهي غير متاحة للعامة صغاراً كباراً، ولا توجد سوى بضعة أخبار مقتضبة عنها على مواقع تابعة لوسائل إعلام حكومية، ومعلومة لا تتعدى بضعة أسطر على موقع وزارة الكهرباء.

في محصلة القول، لا يمكن أن تتقدّم العلوم والصناعة وتنهض بشكل حقيقي دون تعميم العلوم وجعلها متاحة للصغير قبل الكبير، والأهم لا يمكن للمشاريع أن تزدهر دون حريات عامة متكاملة وتراكمية، سواء كانت سياسية أم دينية، والقشور التي تغلّف بعض الأمور لتظهر على أنها مظاهر تنمية خدّاعة ولا تنفع.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard