بلاد تقهرنا أينما حللنا… فيها أو خارجها

الخميس 2 يوليو 202004:06 م

ينفجر قلبي حين أرى بلداً كلبنان، ولن أقول بلدي، إذ إن بلادي كثيرة، ينهار أمام عيوننا. هذا البلد المقيم في عتمته يجعلنا، نحن الذي تأملنا بثورته تغييراً لم يحدث، مكتوفي الأيدي، غير قادرين حتى على التربيت على أكتاف من نحب، أو التخفيف عنهم ولو بكلمة.

"صهيبو يمكن ما موت من الضغط والسكري، يمكن موت مجلوطة من هالبلد".

هم الذين يعيشون مرارة مضاعفة، ويعانون من أوضاع اقتصادية ونفسية تجعل بعضهم يفكر بالانتحار أو الهجرة التي لم تعد ممكنة، في ظرف عالمي لا يزال مسكوناً برعب فيروس كورونا وآثاره الاقتصادية والنفسية، أو لسبب بسيط: قيمة ما أدخروه كل هذه السنوات على حساب صرف الليرة، أمام الدولار، لا شيء يذكر، ولا يكاد يشتري بطاقة سفر بأحسن الأحوال إلى إسطنبول.

حيرتنا القاسية، ونحن نحاول أن نتعايش مع هذا الانهيار الكلي بشيء من القبول، تؤجج فينا مشاعر مختلطة، فنشعر أننا نجونا من كوارثه، نحن المقيمين والمقيمات في الخارج، وفي الوقت نفسه، نحس أننا ما زلنا عالقين بقبضته. فهذا البلد الذي نتركه خلفنا لا زال يجرجر أسماله معنا في كل مكان ننتقل إليه، كأن أقدارنا أن نحاول إعادة خلقه كل مرة، ولو بالمخيلة.

الزعتر الذي صار كالأغنية في سفرات منافينا، صار من المواد الثمينة بعد الغلاء الذي كسر كل الحدود، والكشك والمكدوس وحتى علب دبس الخروب، كلها مواد حين نشتريها من محلات العرب والأتراك في مدن المنافي، نتذكر أن أهلنا وأصدقاءنا ليس لديهم فرصة اليوم لشرائها، وكأنها صارت مواد ترفيهية

نحس بالحنين إلى أشيائه البسيطة التي استحالت اليوم في ظل ظروفه، كنوزاً تكلف ثروة، فالزعتر الذي صار كالأغنية في سفرات منافينا، صار من المواد الثمينة بعد الغلاء الذي كسر كل الحدود، والكشك والمكدوس وحتى علب دبس الخروب، كلها مواد أمست ثمينة في بلادنا، وحين نشتريها من محلات العرب والأتراك في مدن المنافي، نتذكر أن أهلنا وأصدقاءنا ليس لديهم فرصة اليوم لشرائها، وكأنها صارت مواد ترفيهية، والأساسيات التي تقتصر على الخبز والبرغل والعدس والأرز، بات الحصول عليها من الأولويات في ظل الحديث عن مجاعة قادمة.

يخبرني رفاقي ما حل بهم حين لا يستطيعون سحب أموالهم التي تعبوا سنوات في جمعها، من أعمال ومهن كثيرة ودوامات طويلة بلا إجازات، فيحترق شيء بداخلي، أحس بالغضب أيضاً على ما حل بفقراء هذا البلد الذين وجدوا أنفسهم أمام الموت، حربهم اليومية مع الغلاء والتحايل على القلّة وتحملهم الحر والظلام والانهيارات النفسية.

ينفجر قلبي حين أسمع صوت أمي لأول مرة تقول لي: "صهيبو يمكن ما موت من الضغط والسكري، يمكن موت مجلوطة من هالبلد".

السخرية التي كنا نبددها كآخر مواجهتنا مع السلطة وعنفها وعسكرها وأبويتها المفرطة، صارت سمجة ومبكية في آن، ونحن نرى قلوبنا متورمة من هذا الشعور المتضخم بالقهر. بلادنا المسكونة بالشقاء هي بلاد تقهرنا أينما حللنا، فيها أو خارجها

يحدث هذا الانهيار بعادية ممكنة، ولم تعد السخرية سلاحنا من فكرة انهيار الدولة والقطاعين العام والخاص، ومؤسسات الاقتصاد ومختبرات السياسة والثقافة والعلوم. السخرية التي كنا نبددها كآخر مواجهتنا مع السلطة وعنفها وعسكرها وأبويتها المفرطة، صارت سمجة ومبكية في آن، ونحن نرى قلوبنا متورمة من هذا الشعور المتضخم بالقهر. بلادنا المسكونة بالشقاء هي بلاد تقهرنا أينما حللنا، فيها أو خارجها.

يحترق قلبي، وليس بيدي حيلة سوى أن أكتب وأصرخ في الهواء: "ماذا تريد يا بلدنا منا؟ ماذا تريد أيها المنفى منا؟".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard