"قد تراجعوا عن الانتحار"... هل كان كورونا للبعض علاجاً وليس فيروساً؟

الجمعة 3 يوليو 202011:21 ص

يُقال إن الكوارث تحفز على الانتحار، ولكن عندما حدثت الكارثة الطبيعية التي نعيش فيها حالياً، وهي انتشار فيروس كورونا في جميع أنحاء العالم، على ما يبدو هنالك من حدث معه العكس تماماً، وأصبح الكثيرون خائفين من الموت، ويحاولون حماية أنفسهم منه ويستخدمون الوقاية اللازمة كيلا تنتهي حياتهم.

في ظلّ هذا، عرفت قصصاً عن أشخاص أرادوا الانتحار لكنهم مع حضور كورونا في العالم، تراجعوا عن الفكرة لأسباب مختلفة، وتمسكوا بالحياة من جديد، وأحبّوها. من خلال هذا التقرير، تحدثت إلى بعض الشباب والشابات من بلاد عربية عديدة، تأثرت بقصصهم/ن ومنحتني مساحة من الأمل، أردت مشاركتها معكم/ن.

كورونا بمثابة طوق النجاة

أراد زياد، الشاب السوري والبالغ من العمر، 23 عاماً، أن يضع حداً لحياته في رمضان الفائت، لكن تدخل أهله الذين يعيشون معه في نفس المنزل، أنقذه من الموت.

وتمر الأيام والأفكار الانتحارية لازالت تشغل بال زياد، حتى اجتاح فيروس كورونا العالم بأكمله حاصداً العديد من الضحايا، إلا أنه كان له إيجابيات، فقد غير طريقة تفكير الشاب العشريني، وأصبح يُفكر بمسؤولية، سواء لنفسه أو لأهله، لأنه يرى أن الموت في هذا التوقيت مُربك جداً، ويؤذي الغير.

ويُضيف زياد أنه فكر إذا استخدم كورونا كوسيلة للانتحار بنسبة كبيرة سيتعالج منه لأنه مازال صغيراً بالعمر، ونظراً لتواجده في الحجر المنزلي الصحي الذي فُرض على الجميع بعد انتشار الفيروس، أعاد الشاب التفكير بموضوع الانتحار بشكل عقلاني كيلا يؤذي أهله، فقرر التراجع عن الفكرة ليحمي نفسه وأسرته من الموت.

وأصبح زياد في الفترة الحالية يستخدم الوقاية اللازمة كيلا يصيبه فيروس كورونا، وبذات الوقت لا يؤذي أحداً من أفراد عائلته، منوهاً أن ليس كل الناس تُفكر مثل بعضها أو مثله، ولا الكل لديه إحساس بالمسؤولية تجاه أهله.

الخوف من الموت بعد انتشار الفيروس

يعيش "آدم"، (اسم مستعار)، المصري البالغ من العمر 18 عاماً، معاناة بشكل يومي، منذ أن انفصل والده عن والدته وهو صغير، فجعلته الظروف يعمل منذ صغره مع الحرفيين في شركات صباغة، بالإضافة إلى أكثر من مكان سياحي وشركات خضروات وفواكه مجمدة، فيتعامل مع بشر لا يعرفون التعامل مع "بني آدم" على وجه الأرض، مثلما وصف.

ولا تقتصر معاناة آدم مع هؤلاء الأشخاص فقط، بل والدته أيضاً تعامله بطريقة غير آدمية أبداً، حسب تعبيره، كل ذلك جعله يفكر بالخلاص من حياته، ولكن عندما ظهر كورونا، تراجع عن تلك الفكرة.

ومع ارتفاع عدد الوفيات في مصر، ازدادت رائحة الموت حول آدم، ليتفاجأ برغبته في التمسك بالحياة، والتزامه الإجراءات الصحية الصارمة حتى يهرب من الموت.

 عرفت قصصاً عن أشخاص أرادوا الانتحار لكنهم مع حضور كورونا في العالم، تراجعوا عن الفكرة لأسباب مختلفة، وتمسكوا بالحياة من جديد، وأحبّوها. من خلال هذا التقرير، تحدثت إلى بعض الشباب والشابات من بلاد عربية عديدة، تأثرت بقصصهم/ن ومنحتني مساحة من الأمل

كورونا جعلهم يفكرون بالحياة

"وجود كورونا جعل هؤلاء الشباب يخافون على حياتهم، ينسون مشاكلهم الأصلية ويحمون أنفسهم وأسرهم من الفيروس"، بتلك الكلمات فسّر الدكتور سعيد عبد العظيم، أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة، سبب تراجع بعض الحالات عن التفكير في الانتحار.

ويضيف عبد العظيم أن الشباب الذين تراجعوا عن الانتحار في ظل الجائحة، السبب الرئيسي لذلك هو الخوف على المقربين منهم، خاصة الوالدين، لأنهم كبار في السن، فأصبحوا في خطر ومعرضين للإصابة بالفيروس، وهذا سبب كاف لجعلهم يخافون من عدم استكمالهم الحياة في ذلك التوقيت، فشعروا بالمسؤولية تجاه أسرتهم.

وأشار أستاذ الطب النفسي، إلى أن أعمارهم الصغيرة قد تكون سبباً طبيعياً في مرورهم بحالة من اليأس والإحساس بالعجز، خاصةً في ظل ظروف حياتهم الأسرية غير المستقرة.

وشدد الدكتور سعيد عبد العظيم، بأن أي شخص يُعاني من اضطرابات نفسية في ظل فيروس كورونا فهو أمر طبيعي، لكن إذا زاد فلابد من علاج حالات الخوف القلق لديه، كيلا يسيطر عليه ويقدم على الانتحار.

فكرة الانتحار انتهت حينما انتشر الفيروس

بعد انتشار كورونا أصبح إلياس، 29 عاماً، يحمل الجنسية اللبنانية، لا يخرج من بيته خوفاً من أن يصيبه الفيروس، واكتشف أن هذا يدل على أنه متمسك بالحياة بالرغم من أنه كان يريد الانتحار، لكن الغريب في الأمر أن فكرة الانتحار قلّت عندما ترك دينه وانتهت حينما انتشر الفيروس.

وهنا كان لا بد أن نوجه له سؤال، كيف عندما ترك دينه قلت فكرة الانتحار وليس العكس مثلما يؤمن البعض، فأجاب: "حينما تركت الدين كنت بفترة مستقرة بحياتي، يمكن يكون هذا هو السبب، وأيضاً تغيّرت نظرتي للحياة كشخص عدمي لا يؤمن بالحياة بعد الموت، بنظر للحياة كفرصة حلوة ونادرة وبتستحق عيشها".

وكانت التراكمات ومشاكل عائلية، هي التي جعلت إلياس يفكر في الانتحار، وأصبح بسببها يعيش حالة من اليأس وعدم الرغبة في الحياة.

"إن الخوف والقلق عمل لهؤلاء الشباب علاقة عكسية وجعلهم يتراجعون عن قراراتهم بشأن الانتحار، وجعلهم يشعرون بقيمة الحياة، وأنهم لابد أن يحافظوا على أنفسهم".

جعلهم يشعرون بقيمة الحياة

ومن جانبه يقول الدكتور محمد هاني، استشاري الصحة النفسية والطب النفسي: "إن الخوف والقلق عمل لهؤلاء الشباب علاقة عكسية وجعلهم يتراجعون عن قراراتهم بشأن الانتحار، وجعلهم يشعرون بقيمة الحياة، وأنهم لابد أن يحافظوا على أنفسهم".

ويوضح أنه نتيجة تلك العلاقة العكسية اكتسب كل منهما ذاته، وأصبح في مواجهة معها، وتراجع عن قرار الانتحار والطاقة السلبية التي كانت متواجدة بداخله تلاشت، والميول الانتحارية عوضها بحب للحياة، وأصبح يريد أن يستمر ويعيش فيها.

وينصح استشاري الصحة النفسية كل من يعاني من اضطرابات نفسية في ظل الجائحة، أن يبتعد أول شيء عن الأخبار السلبية، ويستمع للأشياء الإيجابية فقط، مثل تعافي مصابي كورونا وشفائهم، بالإضافة إلى المحافظة على الصحة العامة كيلا يصيبه القلق ويبتعد عن الأماكن المختلطة، والجميع يفعل كل شيء لكي تمر تلك الازمة على خير.

فرصة للبقاء في الحياة

"حينما ظهر فيروس كورونا، أصابتني حالة من الرعب منه، وقُلت لحالي هذه فرصة لكي أعيش الحياة"، بتلك الكلمات بدأت حليمة (اسم مستعار)، صاحبة الجنسية الليبية، البالغة من العُمر 23 عاماً، حديثها، فأكدت أنها قبل انتشار الفيروس كانت تريد أن تنتحر، والسبب هو إحساسها بالعجز والفشل وعدم تحقيق أي شيء من طموحاتها هو ما جعلها تفكر في الانتحار، لأن بداخل منزلها في ليبيا تشعر بعدم الحرية، وطوال الوقت تريد أن تنطلق.

وتقول حليمة: "أنا لا أملك الحرية في اختياراتي ولدي إحساس دائم بأني تورطت في هذه الحياة، لأنني من بيئة متدينة وتقليدية جداً، طريقة تفكيري سابقتهم بمراحل، أريد أن أكون أنا وأستقل وأعيش بشخصيتي الحقيقية، وأعمل مثل جميع البنات، لكن العمل في بلدي محدود ولا يوجد فرص لذلك فكرت بالانتحار".

تضيف حليمة أن كل شيء تغيّر فور انتشار كورونا، لدرجة أنها أصبحت تحمي نفسها وتأخذ الوقاية اللازمة، وليس فقط ذلك، بل لديها أمل في الحياة، وتريد أن تحقق أحلامها بالرغم من صعوبة الأمر في بلدها.

"أنلا أملك الحرية في اختياراتي ولدي إحساس دائم بأني تورطت في هذه الحياة، لأنني من بيئة متدينة وتقليدية جداً، طريقة تفكيري سابقتهم بمراحل، أريد أن أكون أنا وأستقل وأعيش بشخصيتي الحقيقية، وأعمل مثل جميع البنات، لكن العمل في بلدي محدود ولا يوجد فرص لذلك فكرت بالانتحار... لكن هذا تغيّر مع انتشار كورونا"

كيف تعامل شخصاً يُريد أن ينتحر؟

أما هنا فالأمر مختلف تماماً، فبدأت معاناة ريتا (اسم مستعار)، التي تحمل الجنسية الأردنية، والبالغة من العمر 29 عاماً، مع فكرة الانتحار، عندما أحبت رجلاً يريد أن ينتحر وهو من اعترف لها، ومنذ ذلك الوقت وهي قررت أن تساعده وتقف بجواره لكي يعود إلى الحياة ويعيش فيها، على الفور ذهبت تبحث عبر الإنترنت عن كيفية التعامل مع شخص يريد الانتحار، ولكن في طريقها ومساعدتها له حدث شيء لم تتوقعه، فأحبته، ليس حباً عادياً بل تعلقت به بشدة.

وتضيف ريتا: "بعد قراءتي للعديد من المقالات، اكتشفت أن الشخص المنتحر يريد أن يشعر ولو للحظة واحدة أنه مهم في الحياة، وأن يكون لديه حلم يعيش لأجله، وبالفعل، عرفت ماذا يريد ووقفت بجواره، ولكن في طريقي أحببته بشدة، وهو في البداية اعترف لي بحبه، ولكن تغيرت مشاعره، وأصبح لا يحبني، ولا أعرف السبب حتى الآن، ولا أعرف كيف المشاعر تتغير، لأنني لم أحب من قبل".

وتابعت: "وعندما قال لي إن مشاعره تغيّرت تجاهي، في تلك اللحظة انسحبت مني طاقتي ورغبتي في الحياة، خاصة عندما تأكدت أنه في البعد لا يشتاق لي، تألمت وبكيت ومازلت أبكي في اليوم العديد من المرات، وأسأل نفسي، هل أنا سيئة لهذا الحد لكي يُعاقبني الله، وأتذكر كل ما قاله لي وهو يتركني، وحينما استعيد حديثه المؤلم والمؤذي أضع يدي على أذني وأبكي بشده وصوته يعلو فوق بكائي، وفي مرة قررت أن ألقي حالي من الشرفة، ولكن تراجعت عندما تذكرت أمي".

وظلت فكرة الانتحار تلاحق "ريتا"، ولكن تغيرت تماماً عندما انتشر كورونا في بلدها الأردن، وأصبحت شخصيتها قوية، والفيروس جعلها تكتشف مدى تعلقها بالحياة، واستيقظت من يأسها رغم الحزن الذي يتواجد فيها بسبب حبيبها.

وتضيف ريتا: "أصبحت حالياً ملتزمة بالحجر الصحي المنزلي، وأحمي نفسي من كل شيء حولي لكيلا يصيبني الفيروس، أما عن حبي الوحيد، حينما أمسك هاتفي وأنظر إلى صورة المتواجد فيه أبكي، أبكي بشدة، ملامحه الحقيقة أشتاق لها كثيراً، ومازالت أنتظر تلك اللحظة التي سأشاهده فيها، نعم، أنتظر، ولكن فكرة الانتحار لم تلاحقني، وأتمنى أن يرحل كابوس الفيروس".

الاكتئاب

وكان للدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، تفسير لتراجع بعض الحالات عن التفكير في الانتحار فيقول: "إذا مريض اكتئاب تفاعلي، سيتراجع عن قرار الانتحار لأنه شاهد الظروف العامة سيئة على الجميع، وليس هو وحده من يُعاني وأن المشكلة جماعية، فهذا يخفف من المُعاناة ويجعله يتراجع عن تلك الفكرة، لكن مريض الاكتئاب لا يمكن أن يتراجع أبداً ولا أحد يستطيع يقف أمامه".

وأشار استشاري الطب النفسي، أن الاكتئاب السوداوي يأتي للإنسان بدون أي أسباب خارجية، فيشعر بضيق شديد واضطرابات في النوم والأكل وعدم رغبة في الحياة وفكرة الموت تُسيطر عليه، ويؤمن بأن الخروج من الحياة هو طوق النجاة الوحيد له.

ويتابع جمال فرويز: "أما الاكتئاب التفاعلي، أسبابه تأتي من معاناة الإنسان مع الحياة وظروفه الصعبة، على سبيل المثال لديه مشكلة ليس لها حل من وجهة نظره، أو مشكلة مرضية، أو ترك حبيبته أو وظيفته، فمن السهل أن يتواجد السبب ويجعله يتراجع عن الانتحار".

في النهاية لكل قصة سابقة معاناتها الخاصة، ولكن دائماً هناك جانب مضيء في الحياة، ربما عكس ما الجميع يتحدث عن فيروس كورونا أنه ابتلاء، فبعد قراءتي لحديث هؤلاء الشباب والشابات، تأكدت أنه جعلني أشعر بقيمة الحياة وأحب كل شيء حولي، إذن، كورونا أصبح علاجاً وليس فيروساً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard