لبنان... هل من قاع لهذا الانهيار؟

الخميس 2 يوليو 202002:04 م

لبنان اليوم، كلُّ لبنان، في حالة سقوط حر، مكشوف لا يمكن التستّر عليه أو التمويه فيه، حالة سقوط حرّ في غياب أية قوّة مؤثرة فيه يمكن أن تخفف من تسارع انهياره، وفي غياب أي قاع يمكن توقع الارتطام به.

سقوط عام لا رادَّ منتظر له حتى الآن، فلا المنظومة المسيطرة قادرة على إعادة إنتاج نظام سيطرتها، ولا "أصدقاء" لبنان في الخارج وأشقاؤه معنيون بتقديم يد المساعدة، عفواً أو بناء على طلب، ولا الانتفاضة الشعبية حتى الآن، تمكنت من وضع برنامج عمل موحد ولا امتلكت القدرة على تنفيذ أي برنامج.

لبنان منظومة المناهبة سقط إلى الأبد، فهل يرتفع مكانه لبنان انتفاضة 17 تشرين؟

لم تكن منظومة المناهبة (أحمد بيضون) في يوم من أيام سيطرتها على لبنان قادرة، إن أرادت، وهي لم ترد يوماً، أن تقدم حلاً لأي من الأزمات التي عايشها وتعايش معها لبنان واللبنانيون على مدى عقود سيطرتها، بل كانت دائماً منتجة للأزمات، لكنها اليوم، وفي كل خطوة أو حركة أو خطاب أو إجراء، باتت تنتج الكوارث.

في السابق، كانت حكومات هذه المنظومة في محاولاتها معالجة أزمة من الأزمات تنتج أزمة جديدة تضاف الى سابقتها، دون أن تخفف من وطأة الأولى: تعالج أزمة النفايات بمزيد من تهديد البيئة، تعالج أزمة الفيول أويل المخصص لإنتاج الكهرباء بزيادة ساعات تقنين التيار الكهربائي، وباستيراد الفيول أويل المغشوش الذي يتسبب بأزمات بيئية وصحية كارثية وبتعطيل معامل الإنتاج. تعالج الاستيلاء على الأملاك العامة بتشريع هذا الاستيلاء ومنح التراخيص لإشغالها، تعالج أزمة النفايات بنشر عشرات المطامر والمكبات العشوائية في عموم البلاد، تعالج أزمة التعليم العالي بإعطاء مزيد من التراخيص للجامعات غير المستوفية للمعايير، تعالج نهب المال العام بمزيد من نهب المال العام، تعالج تراكم الدين العام بمزيد من الاستدانة ورفع الفوائد.

اليوم، وبعد انتفاضة السابع عشر من تشرين وسقوط حكومة سعد الحريري في الشارع، وهي حكومة الوحدة التي جمعت كل أقطاب المنظومة من جميع قواها السياسية، والتي شهدت هيمنة شبه تامة لحزب الله وحلفائه على مجمل قراراتها، جاءت حكومة حسان ذياب تحت عنوان "مواجهة التحديات"، التحديات التي بات الجميع يدرك أنها بالتحديد تلك التي تواجه المنظومة إياها في إدامة سيطرتها على الدولة واغتصابها لها.

سقوط عام لا رادَّ منتظر له حتى الآن، فلا المنظومة المسيطرة قادرة على إعادة إنتاج نظام سيطرتها، ولا "أصدقاء" لبنان في الخارج وأشقاؤه معنيون بتقديم يد المساعدة، عفواً أو بناء على طلب، ولا الانتفاضة الشعبية حتى الآن، تمكنت من وضع برنامج عمل موحد ولا امتلكت القدرة على تنفيذ أي برنامج

جاءت حكومة حسان ذياب تحت عنوان مخادع: تكنوقراط مستقلون! لتكشف بأسرع مما هو متوقع أنها ليست إلا مجموعة من المستشارين التابعين للقوى التي جاءت بها: الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل) والتيار الوطني الحر بزعامة جبران باسيل، فقد ظهر ذلك بفجاجة حين أصر نبيه بري، رئيس حركة أمل ورئيس البرلمان، على أن يسلم أسماء ممثليه في هذه الحكومة قبيل إعلان تشكيلها في قصر بعبدا.

كما تجلى ذلك في مجمل القرارات التي اتخذتها الحكومة لاحقاً، سواء في تبني مشروع الموازنة الذي قدمته الحكومة السابقة كما هو، أو في مسألة التعيينات المالية والإدارية أو في خطة الكهرباء أو سواها. حيث كانت إذا اتخذت قراراً لا يعجب أياً من تلك القوى الممثلة فيها تعود عنه (تحت ضغط الانسحاب من الحكومة!)، وآخر أمثلة ذلك ما حدث بخصوص إنشاء معمل لإنتاج الكهرباء في سلعاتا والذي يصر عليه التيار الوطني الحر.

وفي ظل السقوط الحر للعملة اللبنانية في مقابل الدولار الأمريكي، والذي انعكس بشكل مخيف على أسعار السلع كافة، سواء المستوردة من الخارج أم ذات المنشأ المحلي، وبالتالي انهيار القدرة الشرائية المتواصل للرواتب والأجور، وفي ظل توقف مئات المصالح والمؤسسات عن العمل والارتفاع المتزايد لنسبة البطالة والاتساع المتسارع لدائرة الفقر بين اللبنانيين وشبه توقف التحويلات الخارجية من المغتربين، جاءت الإجراءات الحكومية كافة بمفعول عكسي، حيث كل إجراء تعلن عنه الحكومة ومؤسساتها المالية يُظن أنه سيحد من تفاقم الأزمة كان يزيدها اشتعالاً.

فبعد المناورة التي قام بها رئيس الحكومة حسان ذياب، وقادها حزب الله في وجه حاكم المصرف المركزي رياض سلامة، أُجبر الأخير على ضخ ملايين الدولارات النقدية للصرافين، وهي أموال المودعين الصغار في المصارف اللبنانية وقد منعت عنهم بحجة أن ذلك سيحد من مقدرة السوق السوداء على التلاعب بسعر الصرف والمضاربة على العملة الوطنية، فماذا كانت النتيجة؟ ملايين الدولارات التي بيعت للصرافين بسعر يراوح حول 3900 ليرة للدولار ذهبت إلى السوق السوداء بسعر يفوق الـ4500 ليرة للدولار، ومن هناك، لا يعلم أحد أين ذهبت. وإذ بنا أمام سلطة اشتراعية جديدة لا ندري كيف نشأت: الصرافون يطلقون تشريعات مالية ملزمة للمواطنين!

وحيث تواصل العملة الوطنية ومعها القدرة الشرائية للبنانيين بالانهيار، وصولاً إلى ما تجاوز الـ8000 ليرة مقابل الدولار الواحد، وحيث تنعدم الثقة بالسلطات وبالخطط الاقتصادية والمالية التي تصدرها، داخلياً وخارجياً، ما يمنع المواطنين من تسديد متوجباتهم للدولة، وما يمنع الحكومات من مد يد العون لحكومة غير قادرة على التصرف، ولمنظومة تؤكد كل لحظة أن فسادها ونهبها بلا سقف، وبالتالي فلن تضع مساعداتها المالية في بئر بلا قعر، تنتظر قوى السلطة وحكومتها مزيداً من المواجهات في الشارع وصولاً إلى الانفجار الكبير، وبالتالي فإنها تواصل استعداداتها وتنشر تحصيناتها الأمنية على مداخل المؤسسات الرسمية، وتضع الجيش والأجهزة الأمنية في حالة استنفار دائم لقمع المحتجين.

محاولات السلطة كم الأفواه عبر الاستدعاءات والتحقيقات والتوقيفات العشوائية لعشرات الناشطين على خلفية ضلوعهم بالاحتجاجات، في عملية ترهيب متواصلة تهدف إلى السيطرة على الانفجار الشعبي الكبير الذي تتوقعه، لم ولن تفلح بوقف الاحتجاجات ولن تردع المتضررين أشد الضرر من دوام سيطرتها من تصعيد احتجاجاتهم. تخويف الناس من عودة الحرب الأهلية وترهيبهم من دخول داعش والإرهابيين إلى الساحة اللبنانية باتا محل سخرية: الاحتجاجات ستتواصل والانفجار الكبير قادم بلا ريب.

يبقى أمام قوى السلطة أن تبذل جهدها في التغافل على الكوارث الاقتصادية والمالية والاجتماعية والخدماتية التي تحل بالبلاد، من خلال محاولات شد العصب الطائفي والمذهبي، إما من خلال شن حروب دونكيشوتية على السفيرة الأمريكية أو من خلال الحديث عن حرب اسرائيلية وشيكة أو من خلال إطلاق الشتائم بحق الرموز الدينية، وأخيراً من خلال مبادرات حزبية طائفية لحماية الطائفة من الجوع الذي يتهدد البلاد.

محاولات إعادة اللبنانيين إلى تحت عباءة زعيم الطائفة لن تفلح أيضاً، فهي لن تقدم حلولاً عامة لا للبلاد ولا لأبناء الطائفة تمكنهم من الاستمرار، والاستمرار لا يمكن أن يكون بتأمين الفتات لتخطي مجاعة وشيكة.

من جانب آخر، ليس أمام انتفاضة تشرين سوى المتابعة، حالياً بمن حضر، ولاحقاً بكل الناس. التنظيم والبرنامج مسألتان جوهريتان وأي انكفاءة للناشطين اليوم سترتد احباطاً وستقول للناس: إذا كانت انتفاضة تشرين لم تفتح نافذة للأمل فما على اللبنانيين إلا الاستسلام، الخضوع أو الرحيل

لا حلول داخلية ولا حلول خارجية والسقوط حرّ فماذا تنتظرون؟

من جانب آخر، ليس أمام انتفاضة تشرين سوى المتابعة، حالياً بمن حضر، ولاحقاً بكل الناس. التنظيم والبرنامج مسألتان جوهريتان وأي انكفاءة للناشطين اليوم سترتد احباطاً وستقول للناس: إذا كانت انتفاضة تشرين لم تفتح نافذة للأمل فما على اللبنانيين إلا الاستسلام، الخضوع أو الرحيل. والقوى المسيطرة طائفيا تنتظر مشرعة الأبواب للتائبين العائدين إلى بيت الطاعة الطائفي والمذهبي خاضعين مستسلمين، وكأن ما جرّته على البلاد منظومة المناهبة على مدى ثلاثين سنة ليس أكثر من كارثة طبيعية، وكأن النهب الشامل لمقدرات لبنان ولأموال اللبنانيين وعرقهم ودمهم ليس سوى خسائر ألمّت بالبلاد ينبغي على المواطنين تحمل تبعاتها، فيخرج علينا وليد جنبلاط مثلاً ليقول إنه علينا العودة الى أيام كان اللبناني فيها يعتاش على الفتات والصبر!

لبنان منظومة المناهبة سقط إلى الأبد، فهل يرتفع مكانه لبنان انتفاضة 17 تشرين؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard