هل بدأت المجاعة فعلاً في لبنان؟

الخميس 2 يوليو 202010:50 ص

صور البرادات شبه الفارغة ليست خدعة نظّمها مصوّرو وكالة "فرانس برس". لقد وثّقوا أحوال بعض العائلات اللبنانية في هذه الفترة الحرجة. وهي بالتأكيد ليست "مؤامرة أمريكية لتشويه صورة اللبنانيين في الخارج"، كما تفترض مخيّلة نور (29 عاماً) التي توقفت أخيراً عن استيراد البضائع التركية وأقفلت متجر ملابس تديره في الضاحية الجنوبية لبيروت.

الصور تبقى صوراً: نوافذ مفتوحة. ومن خلالها، اكتشف بعض اللبنانيين كيف يكون الفقر في الصور. تبادلوا التعاطف مع بعضهم البعض، أمام الأفران، وفي طوابير الإذلال، حتى اضطروا إلى الاعتراف، أخيراً، بأن انزلاق فئات اجتماعية واسعة إلى القعر الذي شاهدوه في الصور لا يمكن تفاديه، طالما أن الانهيار الاقتصادي سيقودهم، بحصار خارجي أو بدونه، إلى مجاعة.

"هل ستحدث مجاعة فعلاً؟"، يتساءل لبنانيون كثر.

"الجوع ولا المذلة"

في ذهن ياسمين (38 عاماً) تصوّرات عن آفة الجراد التي ضربت لبنان خلال سنوات الحرب العالمية الأولى، وأسّست، ضمن عوامل أخرى، لـ"المجاعة الكبرى". في ذاكرتها صوت جدتها وهي تتذكر وتروي، نقلاً عن والدتها، قصصاً من تلك الحقبة. قرأت أيضاً في كتاب التاريخ عن "سنة الجراد"، لا عن سنوات الحصار البحري، وما خلّفته من ضحايا قُدّر عددهم بمئتي ألف شخص، أي ثلث عدد سكان جبل لبنان حينذاك.

لكن لا داعي للهلع. نحن الآن في عام 2020، ولا جراد في الأفق. في حساباتها، سيناريو دخول اللبنانيين في مجاعة "غير وارد". فهناك مَن يطمئن دائماً بأنه "لن نسمح أن يجوع اللبنانيين ولا أن يُذَلّوا"، من دون أن تنفي طبعاً أن الأزمة الاقتصادية التي "تسبب بها رياض سلامة" قد يكون لها تداعيات قاسية على المواطنين. اللازمة الأخيرة حفظها اللبنانيون لشدة تكرارها.

هل سيسوء الوضع خلال الأشهر المقبلة؟ بالتأكيد، تجيب ياسمين. سرعان ما تستدرك: "لكن ليس إلى الحد الذي يتحدثون عنه. لن نصير كاليمن. بالأمس أغرق الحزب (حزب الله) مدينة النبطية بالخبز. ليس لدينا أزمة قمح. القصة قصة مافيات. وإذا فُرض علينا حصار كحصار سوريا، ثمة خيارات أخرى تحدّث عنها السيد (أمين عام حزب الله حسن نصر الله). الجوع أهون من الذل. لكن لن نموت من الجوع، ولن نسمح بإذلالنا".

تصوّر ياسيمن لم يتشكل بمحض الصدف، وينسحب على فئات كبيرة ترى أن جلّ ما يمكن أن يصيب اللبنانيين في ظل الأزمة هو "تبدل طفيف في مكوّنات سلّتهم الغذائية". تفاؤل ما بعده تفاؤل. ولكن حسب موظفين في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في لبنان (UNDP)، تعمل الأمم المتحدة جدياً على تحضير مشاريع إغاثة وتقديم مساعدات للبنانيين في الأيام المقبلة، نظراً لخطورة الوضع.

حسب المختصين، المجاعة المرتقبة لن تكون تجلياتها خاضعة للعوامل نفسها التي أحاطت بسنوات القحط والحصار، وقد لا تعود بصورتها السابقة. وبعيداً عن أي هزل، لن يأكل اللبنانيون الكلاب والقطط، وهم في غالب الظن لن يقتاتوا من أمعاء أبنائهم الخاوية، كما يخبرنا توفيق يوسف عواد في كتابه "الرغيف". لكن الرغيف نفسه ارتفع سعره بنحو 33% نتيجة الضغط الذي يمارسه "كارتيل" الأفران المستورِد للقمح، وذلك قبل شيوع أي حديث جدي عن رفع الحكومة الدعم عن الطحين.

حسب التقديرات الأخيرة، أصبح أكثر من مليون ونصف مليون لبناني في وضع مادي في غاية الصعوبة، ما يتطلب تقديم مساعدات مالية وعينية لهم، في وقتٍ تخطى معدل البطالة 30% منذ مطلع عام 2019. وهذا يعني أن المجاعة المرتقبة قد تبدو أقرب إلى سوء تغذية حادّ، يواكبه شحّ في مواد غذائية أساسية، سبق وأن حذّرت من تداعياته منظمة "هيومن رايتس ووتش" في نيسان الماضي.

أبعد من "انهيار الليرة"

في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، حسم أبو حسن أمره بالنزوح من الجنوب، المحتل آنذاك، إلى بيروت. في منطقة المصيطبة، في بيروت، حيث استقرّ، تعرّف على زوجته، وافتتح دكاناً صغيراً ما لبث أن تحوّل إلى ميني ماركت كبير. لكنه لم يتخيّل يوماً أن "تضيق أحوال البلد إلى هذا الحد"، يقول.

حتى أواخر أيار/ مايو الماضي، وبرغم فقدان الليرة قدراً كبيراً من قيمتها الشرائية، متدهورة من 1500 ليرة للدولار إلى نحو 4000، كان لا يزال أبو حسن يؤمن بأن "الثورة" (ثورة 17 تشرين الأول/ أكتوبر) أسّست لـ"لعبة الدولار"، وبأن سعر الصرف سينخفض تلقائياً إلى حدود الـ2000 ليرة، في أقل تقدير، "عندما تضخ الدولة دولارات في السوق".

صور البرادات شبه الفارغة ليست خدعة نظّمها مصوّرو وكالة "فرانس برس". لقد وثّقوا أحوال بعض العائلات اللبنانية في هذه الفترة الحرجة. وهي بالتأكيد ليست "مؤامرة أمريكية لتشويه صورة اللبنانيين في الخارج"

هذه واحدة من جملة سرديات أخرى ما زال يرددها اللبنانيون في معرض تبرير انهيار الليرة، ولعل أبرزها "محاولات لإجهاض عهد الرئيس (ميشال) عون". في آخر "قفزة" كبيرة، تخطى الدولار عتبة الـ8000 ليرة (في السوق السوداء)، علماً أن السعر الرسمي لا يزال مثبتاً على 1515 ليرة.

أبو حسن، ولأن حجم خسائره تفاقم، قرر إقفال الدكان الذي فرغت رفوفه تماماً إلا من "الأساسيات، كأكياس الحبوب والبقوليات"، تلك التي اشتراها من الموزعين قبل ثلاثة أشهر وادّخرها في المخزن "للأيام العصيبة"، كما يقول.

في منطقة الضناوي المجاورة، يتحدث مقيمون عن "إقفال ثلاثة محلات لبيع اللحوم في غضون أسبوع واحد"، نتيجة انخفاض مبيعاتها وتوقف الناس عن الشراء، بعدما تجاوز سعر كيلو لحم (الغنم) 80 ألف ليرة في بعض المناطق.

ظاهرة إقفال الملاحم تنتشر من جنوب لبنان إلى شماله. يعزو القصابون الإقفال "المؤقت" لمحالهم إلى ارتفاع أسعار المواشي وأسعار اللحم المستورد إلى مستويات غير مسبوقة. في حساباتهم، مستوردي اللحوم يشترون الدولار بالسعر المحدد من قبل نقابة الصرافين، أي بـ3900 ليرة للدولار كحد أقصى. لكن الطلب على الدولار أعلى بكثير من العرض. وبالنتيجة، يلجأ هؤلاء إلى السوق السوداء لتأمين الدولار، فينتج من ذلك تقلبات في أسعار شراء المواشي من الموزعين، وتالياً ارتفاع أسعار المبيع على المستهلكين، من دون أن نغفل أزمة فيروس "كورونا"، وتداعياتها على حركة الاستيراد والتصدير عموماً.

وحسب تصريح سابق لنقيب مستوردي اللحوم غابي دكرمجيان، توقّف التجار الأجانب، وبسبب انكماش الاقتصاد العالمي، في الأساس، عن تسليم البضائع عن طريق البواخر، ما يعني أن أزمة اللحوم في لبنان قد تؤول، في نهاية المطاف، إلى تقليص شديد في استيراد المواشي، وتالياً حصر استهلاك اللحوم بفئات اجتماعية مقتدِرة نسبياً.

أزمة اللحوم أسّست أيضاً لارتفاع أسعار المبيع في أسواق الدجاج والثمار البحرية، بعد توجّه الناس لاستبدال اللحم الأحمر باللحم الأبيض. بيد أن هذا الارتفاع "لا يمكن تبريره بأي شكل من الأشكال"، بحسب سناء، وهي ربة منزل خمسينية أخبرتها ابنتها، المغتربة في فرنسا، أن "قطاع الدواجن يجب أن يكون من القطاعات الأقل تضرراً".

وسط كل التدهور الاقتصادي، وأمام مصير أسود لا خلاص منه، ثمة مَن خرج أمام اللبنانيين ليقول لهم "لن تموتوا من الجوع". والمشكلة في الأساس تكمن في هذا الخطاب التطميني، الذي يختزل انهيار اقتصادي غير مسبوق، بمسألة جوع أو شحّ في بعض المواد الغذائية

والاستنتاج الأخير ليس متخيلاً، ففي لبنان أكثر من 600 مزرعة دجاج تنتج حوالي 60 مليون فروج سنوياً، وفق آخر إحصاء أعدته النقابة اللبنانية للدواجن، ويفيد بأن الإنتاج المحلي يمكن أن يلبي كامل طلب السوق اللبنانية.

في أيار 2008، اتخذت الحكومة قراراً يقضي بخفض الرسوم الجمركية على استيراد الفروج الكامل والمقطع من 70% إلى 20%، في خطوة أسهمت مذّاك في ضرب القطاع. اليوم، يتحدث مزارعون صغار ومتوسطين عن توقف لبنان عن استيراد الدجاج، وخصوصاً البضائع البرازيلية المجمّدة والمزاحِمة للمحلّي من حيث أكلافها المنخفضة، منذ تفاقم أزمة "كورونا".

ونظراً لشحّ المستورَد، كان يُفترض أن يستعيد هذا القطاع عافيته، إلا أن "كارتيلات الاحتكار التي تسيطر على 60 في المئة من السوق المحلية، أبرزها ‘هوا تشيكن’ و‘تنمية’، رفعت أكلاف الإنتاج بحجة ارتفاع تكلفة المعيشة"، حسب ما يشير أحد المزارعين في إحدى قرى عكار، في شمال لبنان.

في حين أن مصادر أخرى في النقابة أكدت أن "غياب دعم الدولة لتكاليف المحروقات والكهرباء سيؤدي حتماً إلى رفع كلفة الإنتاج"، ما يعني أن أسعار الدجاج قد تحلّق بدورها في القريب العاجل.

تضخم أسعار الغذاء بنسبة 190%

نقلت وكالة بلومبرغ عن بيانات صادرة عن الإدارة المركزية للإحصاء، وهي إدارة رسمية، أن أسعار السلع الاستهلاكية ارتفعت بنسبة 56.5% في أيار/ مايو 2020، مقارنة بالشهر نفسه من السنة الماضية، بزيادة تقارب 10% عن نيسان/ أبريل من العام نفسه.

وحسب تقرير للوكالة، بلغ تضخم أسعار المواد الغذائية نحو 190%، مقارنة بالعام السابق، في حين ارتفعت أسعار خدمات المطاعم والفنادق بأكثر بقليل من 240%.

هذا الأمر طبيعي في بلد يشكل القطاع الزراعي فيه 3% فقط من الإنتاج المحلي، بحسب بيانات "الإسكوا" (لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا)، ويستورد أكثر من نصف احتياجاته من الغذاء.

وسط كل هذا التدهور، وأمام مصير أسود لا خلاص منه، ثمة مَن خرج أمام اللبنانيين ليقول لهم "لن تموتوا من الجوع". والمشكلة في الأساس تكمن في هذا الخطاب التطميني، الذي يختزل انهيار اقتصادي غير مسبوق، بمسألة جوع أو شحّ في بعض المواد الغذائية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard