"الاتفاق النووي الشرقي"... معاهدة إيرانية-صينية تثير جدلاً واسعاً

الأربعاء 1 يوليو 202006:19 م

في 23 حزيران/ يونيو الماضي، صادقت الحكومة الإيرانية على مسودة اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة مع الصين، تتضمن منح الأخيرة امتيازات استثمارية في قطاعات مختلفة لم تُكشف تفاصيلها بوضوح.

تأتي هذه الخطوة بالتزامن مع سعي الولايات المتحدة إلى تمديد مجلس الأمن لحظر بيع الأسلحة لإيران، ما دفع بعض المراقبين إلى اعتبار أن هذا التزامن هو محاولة من طهران لترغيب بكين بفيتو لصالحها.

المعاهدة التي وصفها الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد بـ"السرية" والمضادة لمصالح البلد والشعب أثارت تعليقات مختلفة في الأوساط السياسية في إيران بين مخالفين ومؤيدين، إلى درجة أن البعض هاجمها واصفاً الصين بالدولة "الاستعمارية".

ما قاله أحمدي نجاد ربما يكون ضمن إطار حملته الدعائية للعودة إلى رئاسة الجمهورية، قبيل نحو سنة من الانتخابات الرئاسية. دون أن يذكر أي اسم، قال: "هل أنتم أصحاب البلد حتى تتصدقوا من أموال الشعب دون علمه؟ قمنا بالثورة حتى لا يخفى شيء عن الشعب ولا يعتبر أحد نفسه مالك للشعب".

تعليقات أحمدي نجاد لم تكن الأولى من نوعها في الوسط السياسي الإيراني، فقد اتهم البرلماني الإيراني حسن نوروزي، في رسالة تحذير إلى الرئيس الإيراني حسن روحاني منذ أكثر من عام، الحكومة بمنح إيران جزيرة كيش لمدة 25 سنة إلى الصين، الأمر الذي أنكرته الحكومة الإيرانية حينذاك.

لكن بعد ستة أشهر، في أيلول/ سبتمبر 2019، نقلت مجلة بتروليوم إيكونوميست عن مصادر في وزارة النفط الإيرانية أن الامتيازات الممنوحة للصين لن تُنشر بشكل علني، كاشفةً عن بعض التفاصيل وأهمها أن حجم الامتيازات الممنوحة يُقدَّر بما بين 280 و400 مليار دولار، ومدتها 25 عاماً، وتشمل قطاعات النفط والغاز والبنى التحتية والمواصلات.

كما أشارت المجلة إلى أن الاتفاقية وُقّعت منذ عام 2016 وأضيفت إليها بنود سرية عام 2019 تشمل امتيازات مميزة للصين كمنحها مدة سنتين لدفع مستحقات البضائع الإيرانية وشراء النفط الإيراني بعملة غير الدولار.

واعتبر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية عباس موسوي في تصريح له أن التعليقات على الاتفاقية المشتركة الصينية-الإيرانية "أمر طبيعي فهناك أعداء يتربصون بالتعاون الإيراني الصيني ويحاولون تخريبه، وهذه الاتفاقية هي وثيقة فخر لصالح البلدين"، مضيفاً أنها ما زالت مسودة لم يصادَق عليها في البلدين.

فيتو الصين مكلف جداً

المشهد الإيراني الحساس اقتصادياً وسياسياً يحاصر التيار السياسي الحاكم في طهران والذي يضغط بدوره على الشعب بخياراته.

اللعبة السياسية في طهران لا تسمح لأي طرف باستكمال خططه السرية والعلنية دون تشويش وتسجيل نقاط. غالبية الأصوليين الذين يدركون جيداً أن مثل هذه الاتفاقيات لا يمكن أن تُقرّ دون ضوء أخضر من المرشد الإيراني علي خامنئي، التزموا الصمت وابتعدوا عن التحريض مؤقتاً ضد حكومة روحاني.

"هل أنتم أصحاب البلد حتى تتصدقوا من أموال الشعب دون علمه؟"... سياسيون إيرانيون يهاجمون الحكومة بسبب معاهدة "سرية" وقّعتها مع الصين، وأثارت امتعاض كثيرين ذهب بعضهم إلى وصف الصين بالدولة "الاستعمارية"

لكن الرئيس الإيراني الأسبق وجد في الاتفاقية شبه السرية موضوعاً ساخناً يساعده على العودة إلى الساحة السياسية التي أبعد عنها. بدورهم، وصف حلفاء أحمدي نجاد الاتفاقية بـ"الاتفاق النووي الشرقي"، في تشبيه لها بالاتفاق النووي الذي أبرمته طهران مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي ويعتبرونه ضد مصلحة البلاد.

يعتقد مراقبون في إيران أن أحمدي نجاد يدرك جيداً ما يحدث خلف الكواليس في حكومة روحاني، لأنه مرّ بمثل هذه التجربة خلال حكومته التي كانت تحمل بالعريض عنوان "التوجه نحو الشرق".

ففي عهده، أخفت حكومته معاهدة العملات مع الصين لمدة ثلاث سنوات، وهي معاهدة وصفتها الصحافة الإيرانية حينذاك بـ"معاهدة تركمانجاي أحمدي نجاد"، وتزامنت مع فيتو الصين عام 2006 لصالح الملف النووي الإيراني. وأهم بنود المعاهدة المذكورة كانت استبدال النفط الإيراني بالبضائع الصينية، وبموجبها اشترت بكين نفطاً إيرانياً بقيمة 25 مليار دولار ولكن طهران وجدت نفسها مضطرة إلى تلقي المبلغ على شكل بضائع صينية.

ومعاهدة تركمانجاي هي معاهدة وقّعتها الدولة القاجارية عام 1828 مع الأمبرطورية الروسية، لإنهاء لحرب بين الدولتين، وألحقت بإيران خسائر فادحة في جغرافيا حدودها، بجانب خسائر مالية ومعنوية.

وقال محافظ البنك المركزي الإيراني السابق طهماسب مظاهري في تصريح صحافي تعليقاً على معاهدة العملات مع الصين: "عملتنا في أيدي الحكومة الصينية، لدينا عقود ولم يتم تجميد أموالنا لكن الوضع أسوأ من التجميد، ليس من السهل استعادة هذه الأموال، وعلينا استيراد سلسلة من السلع منخفضة الجودة وعالية القيمة من الصين"، كما وصف المعاهدة بالضربة القاتلة التي تسببها المنتجات الصينية للإنتاج والصناعة الإيرانية.

الاتجاه نحو الشرق

أجبرت السياسة الأمريكية الواضحة ضد إيران وعدم قدرة الأخيرة على إقناع أوروبا بالوقوف إلى جانبها، بعد سنوات من التوجه نحو الغرب، طهران على الالتفات مرة أخرى نحو الشرق. والآن، يبدو أنه ليس أمام الرئيس الإيراني حسن روحاني سوى توقيع "تركمانجاي جديدة".

تقارير تقول إن حجم الامتيازات التي تمنحها للصين تُقدَّر بما بين 280 و400 مليار دولار، ومدتها 25 عاماً، وتشمل قطاعات النفط والغاز والبنى التحتية والمواصلات، وربما جزيرة كيش... إيرانيون يعترضون على معاهدة أبرمتها حكومتهم مع الصين

في تعليق له على اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع الصين، أوضح روحاني أن "التعاون بين إيران والصين يشمل المشاريع الأساسية والبنى التحتية ومبادرة حزام واحد طريق واحد إضافة إلى استثمارات في مختلف القطاعات".

وتعتبر مبادرة حزام واحد طريق واحد التي قدمتها الصين خطة جديدة للاستقلال الاقتصادي عن أمريكا، والوصول إلى منطقة آسيا الوسطى.

على الرغم من أن تجربة التعامل التجاري الصيني-الإيراني لم تكن مثمرة، حسب الكثير من المحللين الإيرانيين، إلا أن طهران مجبرة على تكرارها، بسبب الظروف السياسية والاقتصادية الضاغطة التي تمر بها بالبلاد.

ويعتبر كثيرون أن انتقاد طرف سياسي في طهران لآخر حيال هذا النهج ليس إلا مسرحية سياسية يوظفها كل طرف لصالحه في ظل خط سياسي عام يديره المرشد الإيراني على خامنئي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard