جيل سيديهات البورن... هكذا تعرّفنا على الجنس

السبت 4 يوليو 202005:42 م

وقفنا في الخارج قليلاً قبل أن نتجرأ على الدخول. بعد لحظات، وجدنا أنفسنا بين عشرات الأرفف التي تعرض مئات الأقراص المدمجة: مباريات مصارعة، أفلام، حفلات لجورج وسوف في مهرجانات المحبة، حفلات جار القمر لصباح فخري وملحم بركات، قسم صغير للشق التعليمي... انتظرنا حتى فرغ المكان من الزبائن واتجهنا صوب صاحب المتجر وسألناه بصوت منخفض: عمّو عندك أفلام اجتماعية؟ نظر إلينا ضاحكاً وقال بصوت عالٍ: بدكن أفلام سكس؟

البدايات

تلك هي اللحظة الفارقة في حياتي وحياة صديقي والتي تؤرّخ لانتاقلنا إلى مرحلة التعرّف على الجنس. كنا قد بلغنا للتو، وقبل ذلك لطالما كانت تراودنا التخيّلات ويهيمن علينا الفضول القاتل لمعرفة الجنس الآخر، وما يخفيه. هل لدى الفتيات مثل ما لدينا؟ أسئلة كثيرة كانت بلا أجوبة واضحة.

قد تبدو هذه التساؤلات فجة أو مثيرة للامتعاض لدى البعض. للأسف كان هذا طريقنا الوحيد للتعلم. كان لدينا خياران: البقاء في حيرة وفضول يأكلنا أو اتّباع هذا السلوك. لماذا؟ لأن لا أحد كان مستعداً لمناقشتنا والإجابة على أسئلتنا، ولم نكن نتجرأ على كسر هذا الحاجز وطرح الأسئلة المحظورة على أي شخص في محيطنا.

كانت هذه الأسئلة، وما زالت للأسف، أحد أركان الثالوث المحرم: الدين والسياسة والجنس. بطريقة ما، هادن المجتمع نفسه وتوافق على عرف عدم الحديث عن الجنس للأبناء والبنات حتى ليلة الدخلة، رغم أن حديثاً يشرح ويحلل بطريقة تناسب أدمغة المراهقين قد يجنّبهم الكثير من الأشياء التي تمس عفة المجتمع، عفة المجتمع التي تشبه هيبة الدولة.

"هي سكسي ليدي"

قد يعترض البعض على هذا الاهتمام المبالَغ فيه بموضوع الجنس والتعرّف على الآخر، ولكن لنكن واقعيين، غالبيتنا خاضت مراهقتها في سوريا في مدرسة لأبناء الطبقة المتوسطة والفقيرة، مليئة بالذكور والشتائم ومدرب تربية عسكرية ينعتنا بوصف "الأرتيست" وأوصاف أخرى لا يمكن ذكرها. بدأ وعينا يتشكل ولكن وسط جهل مطبق حول الجنس الذي كان يشغل كل تفكيرنا.

تخيلوا كمية العنف المرافق لحوالي ستمئة مراهق مكبوت. لا عجب في أن سيارة المباحث كانت لا تفارق نهاية اليوم الدراسي الذي كان يتم تأخيره عشر دقائق حتى لا نلتقي مع طالبات مدرسة البنات الواقعة في نفس المنطقة، عند المغادرة.

انتظرنا حتى فرغ المكان من الزبائن واتجهنا صوب صاحب المتجر وسألناه بصوت منخفض: عمّو عندك أفلام اجتماعية؟ نظر إلينا ضاحكاً وقال بصوت عالٍ: بدكن أفلام سكس؟

في نفس الوقت، كانت نجمات الفيديوكليبات العربيات يصدحن بأغاني معظمها فارغ، ولكن يتمايلن ويرقصن بثياب مثيرة، وكانت أغنية "هي سكسي ليدي" تُبثّ كل ساعة، على قناة ميلودي. أما بريتني سبيرز فكانت تتمايل على الشاشات وتكشف أجزاءً من جسدها تجعلنا مشدوهين. ما زاد الطين بلة في تلك المرحلة هو رفض والدتي القاطع لهذه الموجة من الأغاني ومحاربتها بكل ما أوتيت من قوة ومنعي من مشاهدتها، وقد فاتها أن تدرك أبسط قواعد المراهقة: كل ممنوع مرغوب.

جمال الطبيعة

لا أنسى أول فيلم جنسي شاهدته في حياتي. هو يشبه أول سيجارة، وأول قبلة، وأول مرة مارست فيها الجنس. أخذنا، أنا وصديقي، القرص المدمج من مالك المتجر الآنف الذكر، وانتظرنا عدة أيام حتى فرغ منزل العائلة الصغير.

كان جهاز "الفيديو سي دي" جديداً في المنزل، وجديداً على السوق السورية، وأحدث ظهوره هزّة اجتماعية وسط غياب شبه كامل لأجهزة الكمبيوتر في ذلك الوقت. شغّلنا القرص بعد أن أغلقنا الستائر وأحكمنا إقفال الأبواب وجلسنا ملاصقين للتلفاز نشاهد فتاة تجلس على شرفة منزل ريفي أوروبي الطراز تحيط به الأشجار والطبيعة الخضراء، ثم يقترب منها شاب مبتسم مفتول العضلات و...

اكتشاف العالم

توالت زياراتنا لمتجر الأقراص المدمجة، وبدأت تتشكل صداقة بيننا نحن القاصرين وبين صاحب المتجر، وصار ينصحنا بالأفلام الجيدة ويبعد عنّا السيئ منها، وكأننا كنا ندري ما الجيد وما السيئ. كان دائماً يهمس لنا بألا نخبر أهلنا بسرّنا وأن نخبر الأصدقاء لكي يأتوا إلى متجره.

كنا نجلس في شارع الحي، ننتظر قدوم الفتيات اللواتي سينتقين منّا الشاب المحظوظ، وكم انتظرنا على ناصية الطريق، نتفقد تسريحات شعرنا، ونشم رائحة تعرّقنا، ونلوم المتعرق بأنه السبب في عدم اقتراب الفتيات منّا

يقول محمود درويش "لا أريد من الحب إلا البداية" وكانت بداية القصة في الفيلم هي ما يشدنا. الأدوار التمثيلية في البداية والتمثيل الرديء للغاية كان هو ما يجذبنا للفيلم. قمنا بإخبار صاحب متجر الأقراص المدمجة في أحد الأيام عن رغبتنا بفيلم ذي قصة جميلة، فأجابنا: "القصة لاتهم، ما يهم هو الفعل". كانت كل نصائحه وجمله سوريالية وغريبة الأطوار. صاحب المتجر الغريب الأربعيني المتزوج والأب لطفلين تحدّث معنا كقاصرين عن الجنس أكثر من أهلنا وأهل كل الأصدقاء في الحي والمدرسة ربما.

توالت مشاهداتنا وبدأ يتشكل لدينا انطباع بأن أي فتاة نقابلها من السهل إقناعها بالذهاب إلى منزل في قرية ما حيث ستجلس على الشرفة، وتبادر إلى ممارسة الجنس معنا. ولكن أين نجد هذه الفتاة؟

كانت التوقعات عالية، والأمل كبير، يوماً ما سنخوض هذه التجربة، عندما تنمو أعضاؤنا بشكل كامل ونتحوّل إلى قردة بثلاث أيدي، وسنلتقي بالفتاة الشقراء ناحلة الخصر، ذات الأنف الصغير والنهدين المتناسقين، والتي ستشير لنا من بعيد كي نقترب منها ونمارس الجنس معها.

كنا نجلس في شارع الحي، ننتظر قدوم الفتيات اللواتي سينتقين منّا الشاب المحظوظ، وكم انتظرنا على ناصية الطريق، نتفقد تسريحات شعرنا، ونشم رائحة تعرّقنا، ونلوم المتعرق بأنه السبب في عدم اقتراب الفتيات منّا، ونتفقد حجم أعضائنا، فربما كانت السبب. أحد الأصدقاء رسم مرّة شارباً بماكياج والدته، وقال لنا: شاهدت في الفيلم أن البطل لديه شوارب.

جلباب أبي

بقينا على هذا الحال حتى الامتحانات الثانوية، لأتفاجأ في أحد الأيام بوالدي يقترب منّي حاملاً كأسين من الشاي. لملم شتات نفسه وبدأ بالتحدث معي كصديق.

أخبرني أنّي في العام القادم سأدخل الجامعة وأني كبرت ويجب عليّ التخلص من هموم المراهقة وأقراصها المدمجة.

في الصف الثامن ربما، أو التاسع، دخل أستاذ التربية الإسلامية وبدأ يحدثنا عن ليلة الدخلة وكيف تقنع زوجتك بالذهاب إلى غرفة النوم: "غيّرت البرادي (الستائر) ما رأيك أن تلقي نظرة؟". هكذا تعلمنا عن ليلة الدخلة في مدرستي

كان يعرف طوال الوقت ولم يتحدّث. تذكرت أنه على مر السنوات قد تشكل عندي أرشيف ضخم، أصبح من العصي إخفاؤه. ربما سهل إخفاؤه عن والدتي التي لم يكن يخطر في بالها أن طفلها المهذب الذي يساعد جارتنا بحمل مشترياتها، يمتلك ويشاهد ما كنا نشتريه من متجر الأقراص المدمجة.

والدي كان يعرف، ولم يتحدث. اعتبرها حالة طبيعية ربما، أو ربما خجل، ولعله شاركني مشاهدة بعض منها بالسر أثناء غياب الجميع عن المنزل. والدي العسكري الذي كان وما زال لا يعترف بخطأه مهما كانت النتيجة، لم يعرف ما سيخبرني به إنْ فاتحني بهذا الموضوع.

أذكر في عمر أصغر، أنني سمعت كلمة ممارسة الجنس على راديو "مونت كارلو"، فسألته عن معناها، تلعثم، احمرّ وجهه، شتمني وطردني إلى غرفتي، والآن بعد سنوات، يحدثني وكأني زميله في الثكنة العسكرية!

كالنقش على الحجر

في الصف الثامن ربما، أو التاسع، دخل أستاذ التربية الإسلامية وبدأ يحدثنا عن البلوغ، وكنا نضحك ونصرخ ونصفق. حدّثنا عن ليلة الدخلة وكيف تقنع زوجتك بالذهاب إلى غرفة النوم: "غيّرت البرادي (الستائر) ما رأيك أن تلقي نظرة؟". هكذا تعلمنا عن ليلة الدخلة في مدرستي، وربما كنا محظوظين أكثر غيرنا من الطلبة في مدارس أخرى!

مرّت السنوات ولم نسمع عن الأعضاء الجنسية في مدرستنا إلا عندما كنّا نوصَف بها من قبل أساتذتنا، أو للتنمر على صديق بدين. كانت هناك بعض اللحظات التي ضُبط فيها طالبان أو ثلاثة في الحمامات يستكشفون أنفسهم. خمّنوا ماذا. كان الفصل والعار من نصيبهم. أحد أساتذتنا أقنعنا أنه يجب أن نتزوج كي ننجب أطفالاً فقط، وأنه يجب ألا نحب النساء لأنهن شريرات.

في يوم صدور نتائج امتحانات الثانوية العامة المؤهِّلة للجامعة، كان أحد الأصدقاء يرقص فرحاً بعلامته التي تؤهله لدخول الجامعة، كان يقفز ويصرخ ويقول: سنلتقي الفتيات في الجامعة، سنلتقي الفتيات في الجامعة.

في نظامنا التعليمي القاسي يومها والمبني على الفصل بين الجنسين بشدة، والتخويف من الآخر، كان أملنا الوحيد هو الجامعة، وخمّنوا ماذا أيضاً؟ لم تقتنع أول فتاة قابلتها بممارسة الجنس معي، بالطبع لم أجرؤ على سؤالها، فقد ارتعدَت مفاصلي وخانني لساني ومسامات جلدي تعرّقت في لحظة أكثر من صيف كامل.

لم تأتِ فتاة لتختارني رغم نمو شاربي، وفي منزل صديقنا الجامعي الريفي، لم تجلس فتاة بمواجهة الأشجار على الشرفة، لم يحدث ذلك كله وعندما مارست الجنس لأول مرة اكتشتف أن مئات الساعات التي كنت أتخيل أنني أتعلم منها ذهبت هباء.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard