كيف يمكن للحوار الكردي - الكردي أن ينجح؟

الثلاثاء 30 يونيو 202004:56 م

الكرد في سوريا منقسمون سياسياً، مثلهم مثل المعارضة السورية، وذلك بسبب التدخلات الخارجية وتأثيرات الحرب في أفكار ومفاهيم السياسيين.

الانقسام الكردي متجذر قبل الثورة السورية، وسببه كان النظام السوري وآلة القمع التي كان يستعملها، خاصة مع القيادات الكردية التي تنتهج فكراً قومياً ديمقراطياً، لكن الانقسام الكردي السياسي زاد مع بدأ النزاع في سوريا، ولهذا استضاف اقليم كردستان القيادات الكردية، وكانت النتيجة اتفاقية دهوك 2014، حيث ضمت حركة المجتمع الديمقراطي TEV-DEM والمجلس الوطني الكردي في سوريا ENKS.

الكرد في سوريا منقسمون سياسياً، مثلهم مثل المعارضة السورية، وذلك بسبب التدخلات الخارجية وتأثيرات الحرب في أفكار ومفاهيم السياسيين.

ووفقاً لتلك الاتفاقية، كانت القوى السياسية الكردية قد اتفقت على تشكيل "مرجعية سياسية كردية"، على أن تكون نسبة تمثيل حركة المجتمع الديمقراطي فيها 40%، والمجلس الوطني الكردي 40%، ونسبة 20% للأحزاب والقوى غير المنخرطة في الجسمين السياسيين.

ولاحقاً تم الاتفاق على أن يكون عدد أعضاء المرجعية 30 شخصاً، ممثلين على الشكل التالي: 12 من حركة المجتمع الديمقراطي، و12 من المجلس الوطني، و6 من القوى السياسية من خارج الإطارين المذكورين.

وبحسب الاتفاق، فإن مهمة هذه المرجعية هي رسم الاستراتيجيات العامة وتجسيد الموقف الموحد، وتشكيل شراكة فعلية في هيئات الإدارة الذاتية، والتوجه نحو الوحدة السياسية والإدارية ومشاركة كافة المكونات الأخرى.

لكن تلك الاتفاقية لم ترَ النور بسبب عدم رغبة الطرفين بالشراكة، واستفراد حزب الاتحاد الديمقراطي بالسيطرة على المناطق الكردية، ومنع ممارسة العمل السياسي والمدني من قبل المخالفين لنهجه. وبدوره، أصبح المجلس الكردي تحت تأثير تركيا وحركة الإخوان المسلمين، وبات موجهاً للعمل مع الائتلاف السوري، ولكن دون منحه أي دور سياسي يخدم القضية الكردية في سوريا.

بعد الغزو التركي لسوريا، واحتلاله لجرابلس وعفرين ورأس العين وتل أبيض، ودور الائتلاف السوري وجيشه الوطني في عمليات الاحتلال وارتكاب جرائم حرب ضد الكرد، زاد الغضب الكردي الشعبي من التمزق السياسي بين القوى السياسية الكردية، وطالبت بالوحدة الكردية لتحقيق الطموحات السياسية للكرد في مستقبل سوريا، إنهاء الاحتلال التركي والانسلاخ عن التبعية للمعارضة السورية التي باتت إلى حد بعيد، تنفّذ الأجندات التركية التي تستخدم سوريا كورقة لمصالحها، وبالشراكة مع إيران وروسيا.

المعارضة السورية وغالبية السوريين، فهم ضد الحوار الكردي ويعتبرونه خطراً يجب محاربته، وهذا سببه تركيا، ثقافة مدارس حزب البعث وغياب معارضة ليبرالية علمانية

منذ سنوات كانت هناك محاولات بريطانية وفرنسية لتوحيد المواقف السياسية بين الأطراف الكردية، ولكنها فشلت بسبب تصلب الأطراف الكردية، وتحول كردستان سوريا إلى ضحية للنزاعات بين الأحزاب الكردستانية الكبرى من جهة، ولتأثير الأنظمة الغاصبة من كردستان، أي طهران، أنقرة، دمشق وبغداد، ولهذا عمل الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مع النظام الإيراني وبتشجيع من روسيا لمحاربة الكرد السوريين، ومنع تحقيق أية طموحات سياسية لهم، بل اعتبروا الدعم العسكري الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية في الحرب على داعش، محاولة أمريكية لقيام كيان كردي في شمال شرق سوريا، وتكرار سيناريو كردستان العراق.

الموقف الأمريكي السياسي غير واضح من القضية الكردية في سوريا. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفريقه أيّدوا تركيا، وخانوا الكرد حين سمحوا لتركيا وميلشيات المعارضة، بما فيها من متطرفين، بضرب الكرد والقيام بعمليات قد ترقى إلى تطهير عرقي وما تزال مستمرة، لكن أمريكا، وعبر جهود المبعوث ويليام روباك، تبنّت رعاية مبادرة قائد قوات قسد، الجنرال مظلوم عبدي، الذي دعا القوى السياسية الكردية إلى الوحدة والحوار للوصول إلى تفاهمات مشتركة، لحماية الشعب الكردي وضمان حقوقه في سوريا ديمقراطية.

نجح روباك ومظلوم، وبتأثير من الزعيم الكردي العراقي مسعود البارزاني، في جمع أحزاب الوحدة الوطنية الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، وأحزاب المجلس الوطني الكردي التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني – هولير، على طاولة واحدة، واتفقوا على رؤية سياسية مفادها أن سوريا يجب أن تكون دولة اتحادية فدرالية، وأن نظام الأسد مجرم وقاتل لشعبه.

وستستمر المفاوضات لنقاش مستقبل الإدارة الذاتية، الناحية العسكرية، تفاصيل الشراكة وضمان حقوق المكونات من المسيحيين والعرب في المنطقة. طبعاً هناك قوى كردية سياسية ما تزال خارج تلك الحوارات (التقدمي، الوحدة، يكيتي)، لأن المجلس الكردي يحاول إبعاد تلك الأطراف، رغم أن الجنرال مظلوم والراعي الأمريكي التقيا مع كافة الأحزاب الكردية لتنضم للحوار العام في المستقبل.

هذا الحوار الكردي أغضب تركيا فهددت المجلس الكردي، وغالباً ستقوم بطرده من عضوية الائتلاف السوري، ووضع كافة القوى الكردية السورية على قائمة الإرهاب. أما المعارضة السورية وغالبية السوريين، فهم ضد الحوار الكردي ويعتبرونه خطراً يجب محاربته، وهذا سببه تركيا، ثقافة مدارس حزب البعث وغياب معارضة ليبرالية علمانية.

رغم أن الحوار الكردي بين أحزاب الاتحاد الديمقراطي وأحزاب البارتي تبنى اتفاقية دهوك كمرجعية سياسية، لكن الحوار يبقى ناقصاً مع عدم إشراك القوى الكردية الأخرى، وكذلك عدم تمثيل القوى المدنية والحقوقية في تلك الحوارات.

ولهذا هناك خارطة طريق على السياسيين الكرد اتخاذها كاستراتيجية طويلة الأمد، يتوجب على المجلس الوطني الكردي الانسحاب من الائتلاف السوري الذي صار منصة للإخوان المسلمين، ويشارك مع تركيا في جرائم الحرب ضد الكرد، أو يغضّ النظر عنها. بدوره على حزب الاتحاد الديمقراطي إطلاق سراح المعتقلين الكرد، وعلى الطرفين الاعتذار من الشعب الكردي عن كل الانتهاكات والأخطاء السابقة.

ومن الأهمية إبعاد كافة الشخصيات التي لها دور سلبي في تمزيق المجتمع الكردي وضياعه سياسياً، عبر التسويق للعمل مع نظام الأسد، وكذلك كل من يعمل مع نظام الاحتلال التركي ويشرعن احتلاله وجرائمه بحق الكرد.

من الأهمية إبعاد كافة الشخصيات التي لها دور سلبي في تمزيق المجتمع الكردي وضياعه سياسياً، عبر التسويق للعمل مع نظام الأسد، وكذلك كل من يعمل مع نظام الاحتلال التركي ويشرعن احتلاله وجرائمه بحق الكرد

سيكون من الأهمية أيضاً التواصل مع القوى المسيحية والعشائر العربية في المنطقة، لأجل التنسيق معها حول التمثيل السياسي في مفاوضات جنيف الدولية الخاصة بسوريا، ومدى أهمية النظام الفدرالي لسوريا ما بعد الحرب، منعا لعودة الديكتاتورية وداعش والإرهاب.

على الكرد أن يفهموا جيداً أن رعاية أمريكا وفرنسا وبريطانيا للحوار الكردي سببه هو أهمية الكرد ومنطقة شمال شرق سوريا استراتيجياً وجيوسياسياً، والسعي إلى ضمان مصالحهم في سوريا في الحرب ضد الارهاب وطرد إيران وحزب الله منها، ومنع النظام وروسيا من السيطرة على المنطقة.

التوافقات السياسية بين الكرد ستوفّر الاستقرار هناك، وستسهّل على الولايات المتحدة تحقيق استراتيجيتها الطويلة الأمد، وخلق التنوع السياسي والضغط على روسيا والأسد للحوار.

لكن في النهاية المفاتيح بيد الكرد، ولا يمكن لهم الثقة بأمريكا في ظل إدارة ترامب التي تفتقد إلى استراتيجية واضحة تجاه الكرد، وتساند تركيا وسياستها داخل سوريا. ولهذا ينبغي على الكرد التواصل مع أوروبا، الأمم المتحدة والدول العربية، لمساندة مشروع الفدرالية في سوريا، كضمان للمساواة والحفاظ على التنوع العرقي، والضغط لإنهاء احتلال تركيا وإيران.

نجاح الحوار الكردي هو أساس لتحقيق الطموحات القومية والسياسية للكرد ولباقي الأقليات، ويجب المطالبة بإدراج حل القضية الكردية، وحقوق الأقليات في مفاوضات جنيف، وعدم تأجيل ذلك لما بعد نهاية النزاع السوري. الكرد أمام استحقاق تاريخي وعليهم خوض معركة الفدرالية بذكاء، وتحقيق إقليم فدرالي في شمال شرق سوريا، سيكون دعماً لفدرلة ودمقراطة سوريا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard