الرهبنة والجنس... تجارب وشهادات حياة

الأحد 5 يوليو 202006:27 م

"بعد تركي الرهبنة، تعرّفت على راهب كان قد ترك بدوره سلك الرهبنة وقررنا الزواج ثم انفصلنا، ثم تعرفت على عدة أشخاص خضت غمار علاقات جنسية معهم، لكن المزعج كان دائماً التركيز على الجنس أو استغلال المرأة للجنس فقط دون إعطاء أي أهمية للنواحي العاطفية والروحية".

هذا ما ترويه جويل كامل (41 سنة) وهي مترجمة لبنانية قضت 17 عاماً في سلك الرهبنة قبل خروجها منه. الآن، تعتبر أن "الجنس ليس حراماً، الحرام سوء استعماله أو استعمال المرأة كآلة للشهوة فقط".

تتأسف جويل على "درجة قلة احترام جسد المرأة وقلة الأخلاق الكبيرة جداً في المجتمع"، وتضيف لرصيف22: "الفارق كبير بين الجنس كتعبير عن الحب، وهذا نادر اليوم، وبين المحاولات المستمرة لاستغلال المرأة"، وبرأيها "الجنس ليس المشكلة بل الاكتفاء بالمرأة كأداة للجنس دون الاكتراث لها كإنسان".

جويل تعيش اليوم بشكل عادي. تعلمت أن تعطي الاهتمام اللازم لنفسها وجسدها وأن تسعى إلى تحقيق التوازن والسلام الداخلي.

أول مرة راودتها فكرة الرهبنة كانت عندما كانت تبلغ من العمر 15 عاماً، وبعد سنتين من ذلك اتخذت قرارها، ودخلت الدير وهي بعمر العشرين، ولم تكن قد خاضت أي علاقة جنسية. قضت في الرهبنة 17 عاماً، قبل تركها عام 2016.

لا تتحدر الشابة اللبنانية من أسرة ذات تاريخ مع الرهبنة. تقول لرصيف22: "لم أكن قريبة من الكنيسة عندما ساورتني الفكرة، وكنت أذهب للقاء الأصدقاء فراقت لي الصلوات وشعرت بالسلام".

تركت جويل الرهبنة بسبب مرض أصابها اسمه Fibromyalgia، وهو "يصيب الأعصاب والعضلات ويقتضي نمط حياة لا يتناسب مع النمط النسكي في الرهبنة الأرثوذكسية". تقول: "الحياة الرهبانية لم تعد تناسب جسمي كلياً ولم يسعَ الرهبان لإيجاد حلول لوضعي لأستمر في الدير كما أن الجهل والإهمال أديا إلى تزايد الضغط النفسي عليّ".

تردّ مرضها إلى "تراكمات" لأنها "من بيئة مختلفة وشخصية منفتحة ولم أتأقلم مع بعض المشاكل، بالإضافة إلى عدم قدرتي على احتمال الصوم حيث كان يزيد من مرضي لذا فضلت تغيير نمط حياتي للاستمرار".

عندما تنظر جويل إلى تجربتها الآن، تقول: "الحياة الرهبانية ليست لكل الناس، بسبب الحاجة الجنسية الملحة عند الإنسان. يجب على الراهب أن يكون صادقاً مع نفسه، فأي شعور بالرغبة الجنسية العارمة يعني أنه بكل بساطة يجب أن ينصرف عن الدير ويعيش حياته الطبيعية".

في الدير، تروي أنه لا يتم التقاء الراهبات مع رجال إجمالاً، وأن النظام الكنسي لا يفسح المجال للراهب/ة للالتهاء مع أفكاره، لذلك "شعرت بنعمة الله تحفظني في كل مكان".

عندما تفكّر اليوم في مسألة الجسد ورغباته، ترى أن الإنسان يجب أن يحب جسده ونفسه "كمنطلق وممر لحب الله وغيره من الناس"، مشيرة إلى أن "مَن لا يعرف كيف يحب نفسه سيفشل في حب الله والآخرين وهذا تديّن خاطئ".

روني (اسم مستعار) عاش تجربة تتشابه مع تجربة جويل في الخاتمة وتختلف في التفاصيل.

ترك الدير بعمر 30 سنة لأسباب ليس لها علاقة بالجنس والزواج والعاطفة. يتحدث عن تجربته بتحفظ ويقول لرصيف22: "لم تكن الرغبة الجنسية على رأس أولوياتي أو الصراعات التي أعيشها. وربما يعود ذلك إلى كوني لم أختبر التجربة الجنسية قبل دخولي إلى الرهبنة وهذه الرغبة كانت شبيهة بالشيء المتخيل غير المحسوس لكنها طبعاً كانت موجودة".

أسئلة كثيرة طرحناها على روني، وقال إنه لا يمتلك إجابات عنها، وهذا طبيعي، فالأشياء التي نفترض أنها تهمّ شخصاً ليس ضرورياً أن تكون ضمن أولوياته أو ضمن الأمور التي فكّر فيها للوصول إلى أجوبة.

سؤال وحيد كررنا طرحه عليه وهو إذا ما كان يعتقد أنه فوّت على نفسه أموراً هامة بسبب السنوات التي قضاها بعيداً عن الجنس، فكانت إجابته: "فوتت أموراً كثيرة على نفسي، أموراً لها علاقة بالموضوع الجنسي وأموراً أخرى كثيرة، ولكن في ذات الوقت، ما كنت لأكون ما أنا عليه اليوم بدون كل السنوات التي قضيتها في منظومة الرهبنة".

"أحببت أن أكرّس حياتي للرب"

"كباقي البشر يمكن أن أرى شخصاً جميلاً وأنجذب له، لأن الله خلقه على صورته ومثاله"، تقول الأخت اللبنانية ماري جمعة (30 سنة) لرصيف22، مضيفة: "هذه الجاذبية تذهب صوب طيبة الشخص وليست جاذبية جنسية أو شكلية أو مادية، وإنما جاذبية إلى الأشخاص الذين يكملون رسالتي".

تعتبر الأخت ماري أنه بمرور الوقت يعتاد المرء على فكرة الحياة بدون جنس فلا تعود فكرة الجنس تمثل هاجساً و"تتوقف الغريزة الجنسية عن التحرك والإلحاح"، دون أن تنفي أنه "كمعظم الفتيات هناك تغيّرات تحصل بتغيّر هرمونات الجسم ونتعرض للكثير من القصص والمواقف".

التوفيق بين الغريزة الجنسية وبين الرهبنة يكون برأيها عبر الصلاة التي "تلعب دوراً مهماً في تجاوز الصراع"، إضافة إلى ممارسة أنشطة كالرياضة والمشي والعمل اليدوي والزراعة والتثقيف.

أثّرت نشأة ماري في قرارها الدخول إلى سلك الرهبنة. فقد ترعرعت في كنف أسرة متديّنة في بلدة دير الأحمر، في البقاع الشمالي، والتي يتسم أبناؤها بشكل عام بالتديّن، وسبقتها إلى السلك كل من عمتها وابنة عمها.

تقول: "كل شخص ينشأ في بيئة تمارس طقوسها الدينية، ما يؤثر على الفرد، خصوصاً إذا كانت النشأة في عائلة مؤمنة جداً ومحيط مؤمن، فهذا يولد نوعاً من المشاعر الجارفة داخل الفرد".

"الإنسان يجب أن يحب جسده ونفسه كمنطلق وممر لحب الله وغيره من الناس، ومَن لا يعرف كيف يحب نفسه سيفشل في حب الله والآخرين وهذا تديّن خاطئ"

منذ صغرها، وهي في سن الـ15 من عمرها، دارت أسئلة معيّنة في ذهنها: "هل يا ترى أنا لدي دعوة مثلهم كي أكرس كل حياتي للرب؟ أم لدي رسالة أخرى في الحياة؟"، وتجيب: "شعرت أن لدي دعوة يجب أن أقوم بها وأحببت أن أكون موجودة في سلك الرهبنة وأن أكرس حياتي للرب". اتخذت قرارها بعمر الـ16 سنة، وهي الآن في سك الرهبنة للعام الـ14 على التوالي.

في الدير، اكتشفت الأخت ماري "أن هناك أنواعاً كثيرة من الأشخاص الذين يعتريهم الضعف، ففي النهاية الجنس لذة موجودة داخلنا، لكن يعود الأمر إلى قناعات كل فرد بنذر العفة والطاعة والفقر والبقاء في حالة الطهر".

عن نفسها، تقول: "ربما كانت المسألة سهلة بالنسبة إليّ لأني دخلت إلى الرهبنة وأنا صغيرة بريئة، ومَن لا يعرف الشيء يجهله ولا يطلبه، فأنا لم أتعرض لأي نوع من أنواع الجنس أو العادة السرية قبل ذلك، ولم أمارسهما أثناء فترة الرهبنة أيضاً".

أحياناً تحلم ماري وهي نائمة بممارسة الجنس مع شخص أو تراودها تهيؤات لمواقف جنسية لكن حين تستفيق تسأل نفسها "هل يا ترى الوعي أو اللاوعي دفعني للتفكير في العلاقة الجنسية؟ لكني أعرف أني ضعيفة ولذلك أطلب من ربي المساعدة فتتبخر الأحلام مع الوقت".

وتروي جمعة: "مررت بالكثير من لحظات الضعف لا سيما وأنني من النساء اللواتي يحلمن بإنشاء عائلة وإنجاب الأطفال، ودخولي إلى الرهبنة جعلني أتخلى عن أكثر أمرين يعنيان لي: أهلي لأني سأبتعد عنهم، وتكوين عائلة مسيحية مع رجل أحبه".

لم تهرب ماري من لحظات الضعف بل واجهتها، وسألت نفسها "هل يا ترى بإمكاني تخطي لحظات الضعف هذه أم لا؟ إذا استطعت تخطيها فهذا أمر جيد وتصبح التجربة ممراً لأصير أكثر قوة، وأما إذا لم أستطع تخطيها فهذا يعني أنني موجودة في المكان الخاطئ وأنني سأعكس صورة خاطئة عن الرهبنة".

قررت الأخت ماري التمسّك برسالة الرهبنة، لتكون فرداً في عائلة كبيرة هي "عائلة الرهبنة والرب". "أؤمن بالحياة الأبدية بجوار الرب والملائكة والقديسين لأن كل شيء في الأرض فانٍ، وأحرص على أن أكون خادمة متواضعة مع رعيتنا ومع كنيستنا ومع الناس كلها"، تقول.

في الدير، اكتشفت الأخت ماري "أن هناك أنواعاً كثيرة من الأشخاص الذين يعتريهم الضعف، ففي النهاية الجنس لذة موجودة داخلنا، لكن يعود الأمر إلى قناعات كل فرد بنذر العفة والطاعة والفقر والبقاء في حالة الطهر"

وتشرح الراهبة اللبنانية أن سلك الرهبنة ليس جيشاً وليس هناك قانون "نفّذ ثم اعترض" يحكمه، وتضيف: "أنا كأنثى حين أتعرّض للمواقف والاختبارات خارج الدير أو داخل غرفتي في عزلتي، ليس هناك مَن يراقبني، بل هناك الوفاء الشخصي لهذه الدعوة. وإنْ لم تكن الراهبة وفيّة فهذا يعني أنها تكذب على الجميع لكن ليس بإمكانها الكذب على نفسها. فالرهبنة اختيار".

التسامي عن الجنس

قد يستغرب البعض كيف يمكن لأشخاص اتخاذ قرار بالإحجام عن الحياة الجنسية، ولكن هناك تفسيرات سيكولوجية لذلك. تقول الدكتورة في علم النفس العيادي باسمة المنلى لرصيف22 إن "الشخص المتعفف عن العلاقات الجنسية هو شخص يحوّل طاقة الرغبة الجنسية من رغبة نزوية تسبب الحرج لـ’الأنا’ إلى رغبة مقبولة اجتماعياً وغير خاضعة للنقد".

هكذا، تُستبدَل الرغبات الجنسية لدى الراهب برغبات أخرى مرحَّب بها اجتماعياً، في ميكانيزم يُعرف بـ"التسامي"، أي تحويل الطاقة الجنسية باتجاه اهتمامات أخرى.

وعن غاية الحياة الرهبانيّة عند المسيحيين، يشير رئيس أحد أديرة منطقة الكورة في لبنان، إلى أنها "أن نتمثّل بالله ونتّحد به قدر ما يُستطاع من كائن بشري. ولكننا لن نبلغ ذلك، كما يعلّم الكتاب المقدس، إلا بالإيمان والممارسة المقدسة للوصايا الإلهية، التي قمّتها المحبة".

يقول لرصيف22 إن "الرهبنة المسيحية هي تكريس كل القلب والذهن والفكر لله، بدلاً من تبعثرها في أمور هذه الحياة الباطلة"، ويضيف: "هذه المحبة ليست بشرية، إنما إلهية. إنها ثمرة استجابة الإنسان لانسكاب محبة الله فيه. لكن محبة الله لا تنسكب إلا في القلوب الكاملة النقاوة، التي أحبّت الله فوق كل شيء آخر".

يعتبر الأب أن "أفكارنا قبل السقوط كانت في حالة براءة تامّة لا تحسد ولا تتفاخر ولا تظن السوء ولا تفرح بالإثم ولا تدين أحداً، بل تتأنّى وترفق وتغفر وتُحبّ من دون غاية ذاتية. لهذا كان ذهن الإنسان الأول قبل السقوط في حالة نقاوة داخلية تامة وتأمّل دائم للخيرات الأبدية وحوار لا ينقطع مع الإله الخالق. بعد السقوط فقَدَ الإنسان الدالّة التي كانت له لدى الله، فتبعثر ذهنه بسبب الخطيئة ودخلت فيه الأهواء، وأصبح يتشتت بسهولة في كل الأمور الدنيوية وينسى الله. فقد تحوّل ذهنه من اشتهاء ملكوت الله إلى اشتهاء الأمور الحسية، المادية والأرضية".

وبرأيه، "الذهن يستلم الأفكار من خلال الأحاسيس كالنظر والسمع أو عبر الذاكرة. لهذا فإن الهدوء والابتعاد عن العالم يسهّل ضبط الذهن بعيداً عن كل تشتّت"، و"هدوء الجسد يقود إلى هدوء الذهن وسلام الأفكار".

ويشير إلى أنه "إذا لم تتحرر النفس من كل رباط، لا يستطيع الذهن أن يبلغ الصلاة النقية ويتّحد بالقلب"، وإلى أنه "بحسب تعاليم السيد المسيح في الإنجيل، لا يكفي ألا نعمل الخطيئة فعليّاً، بل ينبغي أن تموت جذور الخطيئة في داخلنا، أي الأهواء الفاسدة والشريرة، وهذا يُسمّى تطهير الإنسان الداخلي أو تطهير القلب الداخلي، ليولد الإنسان الجديد الذي على حسب صورة يسوع المسيح".

ويشرح الأب أنواع الرهبنات الموجودة في لبنان ويفسر أنها "إما كاثوليكية (الموارنة هم جزء من هذه الكنيسة)، وإما أرثوذكسية".

ويضيف:  "هذه الرهبنات تتبع نموذجين مختلفين لطريقة الحياة الرهبنة. وهذان النموذجان موجودان في لبنان وفي العالم المسيحي عامة: الأول: الهدوئية، وهذه الطريقة تتبعها الكنيسة الأرثوذكسية، وهي طريقة الحياة الرهبانية النسكيّة كما كانت تُمارس من البدء. والثانية: الرعائيّة، وتتّبعها عامة الكنائس الكاثوليكية، مع وجود أقلية في لبنان، تتبع الكنائس الكاثوليكية، تُمارس الطريقة الهدوئية".

والفرق، برأيه، بين الاثنين يكمن في أنّ "الطريقة الهدوئيّة تكمن في الانسحاب الكامل من العالم، وخدمة العالم روحياً عبر الصلاة والإرشاد الروحي. أما الرعائيّة فهي تكمن في خدمة العالم عملياً، عبر تأمين الخدمات الليتورجيّة للرعايا، أو عبر المؤسسات المختلفة التي ينشئها ويُديرها الرهبان أو الراهبات. فالوقت الذي يضعه الراهب الهدوئي في الصلاة يضعه الرعائي في الخدمة الفعلية الميدانية للمجتمع، مع إعطاء أوقات محددة للصلاة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard