مسقط رأس نهاد قلعي وياسر العظمة... عن "حي المهاجرين" الدمشقي، الأمل والدراما

الثلاثاء 30 يونيو 202001:44 م

لعل حي المهاجرين، مع وقوعه على سفح جبل قاسيون المشرف على مدينة دمشق، هو أكثر الأحياء الدمشقية دراميةً. ورغم حداثة عهده ضمن واحدة من أقدم عواصم العالم، إلا أن قراءة كيفية تأسيسه، وانتقال ملكيته، وتحوُّله من مُجرَّد جبل أجرد، إلى منطقة كثيفة بالعمران والسكان والحدائق، سيضعك أمام سيناريوهات عديدة، وقصص لا تنتهي عن كل جادة من جاداته.

وكأنك مع كل صعود نحو قمة قاسيون، أو هبوط نحو أحياء المالكي أو الصالحية أو الجسر الأبيض وسط دمشق، تُلوِّن مخيِّلتك بمشاهد عصية على النسيان، لدرجة تحار معها وأنت تصعد إلى إحدى جادات الحي الست، من شارع المهاجرين الرئيسي الذي يحمل اسم ناظم باشا أو المهاجرين- سكّة، حيث كان يمر التّرام، ستينيات القرن الماضي.

فهل تُمعن النَّظر إلى تلك التوليفة اللونية الباهرة بين الحجارة البازلتية التي ترصف الطريق، وخضرة الأشجار المعمرة التي يزيد عمرها عن المئة عام، مع ترابية الجبل، أم تلتفت إلى الخلف فتُطِلّ على كامل دمشق وكأنك في خضم لقطة بانورامية لمعالم العاصمة من الفضاء؟ 

ألماس على جيد قاسيون

كل ما في هذا الحي يقودك إلى مقارنات لا تنتهي، بين الماضي والحاضر. بين فقراء يسندون بيوتهم على كتف الجبل، وأغنياء يحتلون القسم الجنوبي من الحي. بين حُريّة التنزه والتمتع بالهواء العليل والمياه الباردة التي لا تنقطع من صنابير عين الفيجة التي تروي مدينة دمشق منذ مئات السنين، والخَفَر المُرافق لك أثناء المرور من أمام القصر الجمهوري (قصر ناظم باشا سابقاً)، وبين أن تكون نهاراً في حارات المهاجرين وتُطل على باقي المدينة، أو أن تُمتِّع ناظريك بمرأى هذا الحي، الذي "يزين بأنواره جيد قاسيون ليلاً كما تُزيِّنُ عقودُ الألماس جِيْدَ الحسناء، وتتسلل جاداته كخيوط العقد حتى تزيد على العشر"، كما قال الباحث علي الطنطاوي، في كتابه "دمشق صور من جمالها وعبر من نضالها".

تلك التناقضات تضعك أمام توتر درامي وجودي ستشعر به ما إن تخطو أولى خطواتك من أول طلعة شورى وحتى ساحة خورشيد المتصلة بـحديقة النيربين، ويتصاعد ذاك الإحساس وكأنك في خضم حدث درامي آني، مع كل "طلعة"، سواء جادة الباشكاتب أو جادة عاطف، جادة الوزيرة أو جادة ابن العميد.

كل ما في هذا الحي يقودنا إلى مقارنات لا تنتهي، بين الماضي والحاضر. بين فقراء يسندون بيوتهم على كتف الجبل، وأغنياء يحتلون القسم الجنوبي من الحي. بين حُريّة التنزه والتمتع بالهواء العليل والمياه الباردة التي لا تنقطع من صنابير عين الفيجة التي تروي مدينة دمشق منذ مئات السنين

وسيأتيك إحساس غريب عندما تعبر جسر الشطا الذي يربط طرفي جادات المهاجرين مع بعضها، إذ تتذكر أنه محفور في وجدانك من خلال فيلم "خياط السيدات" الذي كتبه الممثل والكاتب السوري، نهاد قلعي، وهو ابن حي المهاجرين، لدرجة أنك ستتساءل هل أثَّر هذا المكان، بكثافة دراماه، على وعي قلعي ليبدع كل ما أبدعه كتابةً وتمثيلاً.

ثم تتذكر أن الممثل ياسر العظمة، والذي اشتهر من خلال مسلسل مرايا، هو الآخر من سكان هذا الحي، فتضع إشارة استفهام في ذهنك بعد السؤال: هل كانت مراياه التي التقط من خلالها أحوال الناس هي انعكاس لوعيه العالي الذي اكتسبه من إقامته تلك ومنحته نظرة "صقرية" على مجريات الواقع وعذابات مجتمع القاع؟ 

نسيم الروح

لكنك لا تلبث أن تستعيد شخصية سامر، التي أدَّاها الفنان بسام كوسا في فيلم "نسيم الروح"، للمخرج عبد اللطيف عبد الحميد، وتكاد تتقمصها، لولا أنك تتذكر تلك النهاية التراجيدية لذاك الإنسان العاشق، فتعكف عن الفكرة، من دون أن تتخلى عن رغبتك بمعرفة ذاكرة المكان في وعي مخرج الفيلم.

وعبر اتصال هاتفي خاص برصيف 22، يخبرنا عبد الحميد أنه أراد الاستفادة من فضاء الروح واتساعها من خلال العلاقة بين حي المهاجرين وإطلالته على دمشق، قائلاً: "يعبّر المكان الجغرافي في ذاك الفيلم عن روح البطل، ويخدم الدراما كثيراً في اللحظات التي تتقلب فيها مشاعر سامر بحيث يشكل إشرافه على العالم تحته قوة روحية هائلة، فهو الثابت بمحبته بينما يتغير الآخرون، وأيضاً لكونه جسَّد مكوكاً في خدمة البشر، أحببت أن أعقد حياته -حتى فيزيولوجياً- عبر صعوبات الصعود المتكرر في حارات المهاجرين".

ويضيف المخرج في حديثه: "في (خارج التغطية) أيضاً يبدأ فيلمي وينتهي من حي المهاجرين، وبطله فايز قزق على عكس بطل (نسيم الروح) ، هو شخص متأزم بين العشق والوفاء لصديقه السجين، وتنازع روحه من خلال قصة الحب التي جمعته مع زوجة ذاك الصديق، لذلك تأتي اللقطة الأخيرة، لتؤكد على أن البطل بات خارج التغطية، بينما الشام وسكانها باقون على حالهم، عبر حركة كاميرا تبدأ من جنوب دمشق وصولاً إلى مكان جلوس البطل في مصطبة بيته، بعدما مرَّت من القضبان، بحيث بات هو في سجنه الخاص، أصعب بألف مرة من السجن السياسي الذي يعيش فيه صديقه". ويذكرنا صاحب فيلم "العاشق" أنه في فيلميه "صعود المطر" و"عزف منفرد" استفاد أيضاً من جغرافيا حي المهاجرين في خدمة دراماه، هو الذي أقام سنة كاملة فيه.

دراما خاصة

على ما يبدو أن السُّكنى في هكذا حي تضيف الكثير للإنسان، لذلك عقدت العزم بروح الباحث عن المتعة، وخلق دراماه الخاصة، على شراء بيت صغير في المهاجرين. دخلت إلى أحد المكاتب العقارية، وبحجة أنني "عريس جديد" أبحث عن عشّ للزوجية سألت صاحب المكتب عن طلبي، فأجابني بأن بين يديه منزلاً مناسباً جداً لحالتي ضمن الجادّة الرابعة.

صحيح أن مساحته صغيرة لا تتجاوز الخمسين متراً إلا أن كسوته ممتازة، ولا ينقصه سوى "وجه دهان" ويصبح جاهزاً للسكن. وعندما سألته عن سعره، شَفَّ وجهه عن ابتسامة عصية عن التفسير قائلاً: "50 مليون ليرة"، وحتى لا أفضح نفسي، عبَّرتُ له عن إعجابي بهذا العرض، ورجوته أن يُمهلني بعض الوقت حتى أحضر عروسي لأريها ما سيصبح "قفصنا الذهبي"، ثم هَمَمْتُ بالفرار، وأنا أتذكر ما قرأته في كتاب "الطنطاوي"، بأنه "بعدما جاء الوالي "ناظم باشا" سنة 1313 للهجرة، رغب بعمارة الحي، وعرض المتر بـ"متليك" (ربع قرش تركي) أي بنحو ربع ليرة سورية بعملة هذه الأيام (سنة 1954)، فلم يقدم أحد، ومن يشتري جبلاً أجرد منقطعاً ويسكن مع الوحوش؟". ويتابع الكتاب بالسرد قائلاً إن "موظفاً تركياً "متكوبجي"، أي مدير رسائل في الولاية، اسمه بهاء بك، في عهد الوالي حمدي باشا، اشتراه جميعاً بخمسين ليرة ذهبية وحفر فيه بئراً، جاءها بالماء من نهر يزيد، ولما نُقِل من دمشق رجا صديقه شفيق بك المؤيد شراءها، فاستحيا منه فاشترى المهاجرين كلها بمئة ليرة ذهبية. دفعها وذهب إلى الدار نادماً متألماً، فأحب أخواه عبد القادر بك وعبد الله بك، أن يشاركاه المصيبة، فتقاسمها الثلاثة، ودفع كل منهما 33 ليرة وثلث الليرة".

تخيَّلوا الفرق الشاسع الذي لم تسعفني الآلة الحاسبة ضمن هاتفي الجوال على معرفة الآلاف المضاعفة أو الملايين المضافة التي طرأت على سعر المتر الواحد خلال 121 عاماً من تاريخ تأسيس هذا الحي عام 1899، الذي "بقي قفراً حتى كانت حادثة كريت حين غدر بها اليونان، أواخر القرن التاسع عشر، وجاء اللاجئون من أهلها إلى دمشق، فاشترى لهم ناظم باشا أرضاً في المهاجرين وبنى لهم بيوتاً صغيرة أشبه بغرف، ثم توالى العمران"، بحسب كتاب الطنطاوي.

ياسر العظمة، والذي اشتهر من خلال مسلسل مرايا، هو الآخر من سكان هذا الحي، فتضع إشارة استفهام في ذهنك بعد السؤال: هل كانت مراياه التي التقط من خلالها أحوال الناس هي انعكاس لوعيه العالي الذي اكتسبه من إقامته تلك ومنحته نظرة "صقرية" على مجريات الواقع وعذابات مجتمع القاع؟

درج الأمل

وكي لا أُصاب بدوخة الأرقام استقليت حافلة أو ما نطلق عليها في دمشق اسم "سرفيس"، كُتب عليها "جادات- سلمية"، لاسيما أن قدمي لم تعودا قادرتين على حملي بعد معرفتي بتلك الأسعار، وقررت أن أدوزن روحي قليلاً بأن أحرف الخط الدرامي إلى موضوع دوزان السيارات وقوة محركاتها وقدرة السرفيس على الشد، وهو يحمل أكثر من أربعة عشر راكباً في طريقه الصاعد إلى الجبل.

وفي السرفيس جاءت إجابات السائق غير مدوزنة نهائياً، بحيث انطبق علينا المثل القائل "اجتمع المتعوس على خائب الرجا"، إذ بات يحدثني عن غلاء قطع الغيار، الانتظار على طوابير تعبئة المازوت، خزعبلات البطاقة الإلكترونية الخاصة بتوزيع المواد المدعومة حكومياً، ارتفاع تعرفة ضمان السرفيس وطمع صاحبه الذي يأكل البصلة وتقشيرتها، مثله مثل تجار هذه البلاد.

ولأن دماغي في مناخ درامي آخر، طلبت منه أن يُنزلني عند آخر "درج الأمل"، فكي يبقى لدي بعض الحيل، ولعلمي بأن ذاك الدرج مؤلف من 127 درجة، فضَّلت أن أنزله نزولاً، وبعدها سألتقط صورتي التذكارية معه، رغم أنه فقد الكثير من بريقه بعد سنتين من تلوينه بنقشات تشبه الأنسجة الدمشقية العريقة، لعدم الاهتمام بنظافته، وتكاثر الأعشاب والأتربة على مفاصله.

وكي أستعيد طاقتي بعد نزول "درج الأمل"، اشتريت كأس شاي من كشك في آخر خط سيرفيس "المهاجرين- صناعة"، شربتها مع سيجارة "لَفّ" وأنا أجلس على عشب حديقة "النيربين"، وأمامي منتزه تشرين، والعلم السوري يرفرف على صاريته العالية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard