من اليمن المكسور... قصاصات من الأرشيف تكتب تاريخ الفن

الثلاثاء 30 يونيو 202004:43 م

يأتي هذا المقال عقب تغطية رصيف22 للملتقى الثقافي (المجلس) الرابع والعشرين الذي يديره الباحث الإماراتي سلطان سعود القاسمي، عبر الانترنت من خلال مؤسسة برجيل المتخصصة بالشأن الثقافي والفني. يهدف المجلس الثقافي إلى الجمع بين الإبداع الفكري والفني في العالم العربي والبحث الأكاديمي في الولايات المتحدة عبر إقامة حوار شامل يربط الشعوب والأفكار والثقافات.

حمل الملتقى، الذي استضاف الباحثة الإسبانية في العلوم السياسية والاجتماعية أناهي ألفيسو مارينو، (24 يونيو)  عنوان "رصد تفصيلي للفنون البصرية في اليمن"، وحاور فيه القاسمي الضيفة بحضور عدد من الفنانين التشكيليين اليمنيين الشباب ومتابعي الفن وأصحاب المعارض الفنية من كل أنحاء العالم.

من صور المجلات وقصاصات الأوراق والتذكارات

هل يمكن أن نرسم خارطة تاريخية وسياسية لمجتمع ما من خلال صور المجلات وقصاصات الأوراق والتذكارات التي يبقيها فنانوه حبيسة أدراجهم المقفلة؟

يبدو أن هذا بالفعل ما قامت به أناهي ألفيسو مورينو، باحثة في العلوم السياسية والاجتماعية، في بحثها الذي تتبعت فيه التاريخ الاجتماعي والسياسي لحركات الفن الحديث والمعاصر في اليمن من خلال الرجوع إلى الأرشيفات الخاصة، المنشورة والشخصية، للفنانين اليمنيين منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى اليوم.

كيف أوضحت أناهي علاقة الفن بالسياسة والمؤسسات الحكومية في اليمن؟ ما هي التسهيلات التي قدمتها الدولة اليمنية للجيل الأول من الفنانين؟ ماذا كانت العقبات التي واجهها الفنانون اليمنيون في ظل تبعية المؤسسات الفنية للدولة؟ وكيف انعكست الحرب على المشهد الفني في اليمن اليوم؟ أسئلة طرحتها أناهي في بحثها الذي قدم سرداً تاريخياً للخارطة الفنية في اليمن، وشاركت نتائجه في الملتقى الأدبي.

هل يمكن أن نرسم خارطة تاريخية وسياسية للمجتمع اليمني من خلال صور المجلات وقصاصات الأوراق والتذكارات التي يبقيها الفنانون اليمنيون حبيسة أدراجهم المقفلة؟

كيف خلقت جغرافيا اليمن قصصاً فنية متنوعة؟

تقسم أناهي بحثها تاريخياً وسياسياً وجغرافياً وفقاً للمتغيرات السياسية التي مرت بها دولة اليمن عبر تاريخها الحديث، لتحدد ثلاث مراحل. فمع انتهاء الوصاية البريطانية على عدن عام 1967، بدأ في جنوب اليمن نظام حكم ماركسي استمر حتى 1990، وكان الوحيد من نوعه في شبه الجزيرة العربية. أما في شمال اليمن، فلم يستبدل النظام الجمهوري نظام الملكية الدينية السابق حتى 1982، والذي بدوره استمر حتى وحدة اليمنين عام 1990، التي عادت لتزعزعها الحرب الأهلية التي بدأت عام 2014.

ترى الباحثة أن هذا التنوع في البقعة الجغرافية والمشهد السياسي كان له تأثير مباشر على الفن في اليمن وعلى تجارب الفنانين اليمنيين وقصصهم. وإذا كان المشهد الفني في اليمن قد بدأ منذ ثلاثينيات القرن الماضي، فإنه تجسد بتأسيس نوادٍ فنية في عدن واتحادات فنية في الخمسينيات تبعها إنشاء اتحادات فدرالية نشأت بين اليمنين. كما بدأت تعنى هذه النوادي والاتحادات بتعليم الفن على الصعيدين الحكومي الرسمي وغير الرسمي منذ السبعينيات.

بدأ الفنانون اليمنيون، يحصدون ثمار هذه الجهود في مطلع الثمانينيات التي شهدت إقامة معارض فنية تعود بربح مادي عليهم، كما تذكر الباحثة. وقد نشطت في هذه المرحلة ورشات للعمل الفني والعديد من المؤسسات الفنية، واستوديوهات الفنانين الخاصة وإنشاء المتاحف، لم يكن آخرها إحداث قسم الفنون الجميلة في الجامعة الحكومية اليمنية في نهاية التسعينيات.

ما الذي سرع ظهور الفن المستقل في اليمن؟

تشير أناهي إلى "العلاقة الهجينة التي ولدها التفاعل الفني في اليمن بين عوالم الفن والمؤسسات الحكومية". حيث اتسمت معظم النشاطات الفنية في تلك الفترة بأنها تتم بتنظيم من الدولة ورعايتها المباشرة. فقد قامت الدولة (سواء في جنوب اليمن أو شماله أو بعد الوحدة) بتأسيس ودمج البنى التحتية للفن اليمني ضمن قطاعاتها.

غير أن اختلاف الأوضاع السياسية في كل من جزأي اليمن، فرض دوراً حكومياً "يتسم بالتقلب" تجاه رعاية النشاطات الفنية. الأمر الذي سرّع في تطوير مبادرات فردية غير حكومية أثمرت عن جهود بالغة الأهمية زرعت البذار الأولى لاستقلالية المشهد الفني منذ مطلع السبعينيات.

لعل أول هذه المبادرات، تشير أناهي، كان استوديو الفنان اليمني هاشم علي في مدينة تعز (1970) الذي لا يعتبر فقط مؤسس الفن الحديث في اليمن، وإنما من أوائل الفنانين الذين خلقوا مساحات سمحت بتعلم وممارسة الرسم بشكل غير حكومي. لتبدأ بعدها برامج تعليمية حكومية بالظهور مثل "المرسم الحر" (1976- 1978) في مدينة عدن، والذي كان أول من منح شهادات رسمية بعد فترة دراسية تمتد لثلاث سنوات.

استمرت الحركة الفنية خلال الثمانينيات بالتنامي والانتشار في عدن، لتظهر في تلك الفترة اتحادات فدرالية فنية ضمت فنانين من جزأي اليمن، مثل مؤسسة الشباب البلاستيكيين التي عرضت أعمالها محلياً وخارج اليمن، واهتمت بإقامة معارض تجارية متل المعرض رقم واحد (عدن 1990). كما افتتحت صالة الأمين في كل من عدن وصنعاء (1986) بمبادرة من مجموعة من الرسامين.

أدى تنامي الحركة الفنية في عدن خلال الثمانينيات إلى تأسيس اتحادات فدرالية فنية ضمت فنانين من جزأي اليمن، مثل مؤسسة الشباب البلاستيكيين التي عرضت أعمالها محلياً وخارج اليمن

غياب الأكاديميين عن الفضاءات الفنية

شهد الفن في اليمن ظهور حركات فنية نسوية اقتصرت في مجموعاتها على الفنانات مثل مجموعة "هالات لونية" التي أنشئت في مدينة الحديدة على يد شفاء الشعيبي، غادة الحداد وهند الشقاع

سعى غالبية الخريجين الأكاديميين من مؤسسات رسمية مثل المرسم الحر أو كلية الفنون الجميلة في اليمن إلى متابعة دراستهم في الخارج. وبالفعل حصل هؤلاء على منح دراسية إلى دول الاتحاد السوفييتي سابقاً ومصر وسوريا وأوروبا وحتى أمريكا، وبتمويل حكومي كامل في جنوب اليمن وشماله. تذكر أناهي أن هؤلاء الموفدين لم يتمكنوا، لدى عودتهم، من مزاولة نشاطاتهم الفنية، بل غابوا تماماً عن حيز الإنتاج الفني إثر تسلمهم لوظائف حكومية في الوزارات والجامعات والمتاحف.

بالمقابل ازدهرت النشاطات الفنية الفردية ليشمل المشهد الفني مساحات مستقلة سعت إلى خلق فرص ترويج تجاري للأعمال الفنية. برز هذا في التسعينيات حين سمح إنشاء العديد من النوادي والمجموعات الفنية بعرض وبيع أعمال الفنانين. ومن بينها كانت جماعة الفن الحديث (1990) والحلقة الثقافية اليمنية الدولية (1996-2001) التي نسقت أعمالها بالتعاون مع بيت الحلقة في صنعاء (1997-2001) لتكونا معاً مساحة للورش والمعارض الفنية وبداية لظهور المنشورات الفنية من خلال مجلة الحلقة (1998-2003).

وبقدر ما خلق هذا الاتجاه المستقل للفنون تنوعاً كبيراً في مجالات الفنون البصرية، بقدر ما عزز الحاجة لإنشاء شبكات تواصل مستقلة وخارجية في ظل الانسحاب الحكومي من دعم النشاط الفني في تلك الفترة.

حوارات "الأتلييه"

أرست المجموعات الفنية المستقلة دعائم الحوار بين الفنانين من جهة ومع الجمهور الفني المتابع من جهة أخرى عبر تنظيم ندوات أسبوعية تتيح مجالاً للنقد وتبادل الآراء. مثل جماعة الفن المعاصر في صنعاء (2001) التي أقامت ندواتها في مقر خاص تحت اسم "الأتلييه". لم يساعد هذا في الترويج لشراء الأعمال واقتنائها فحسب، وإنما أضاء على أهمية الحوار وخلق شبكات تواصل مع الجمهور الفني تعرض الأعمال وتوفر فرصة تعليم غير حكومية في الفنون الجميلة للفنانين الناشئين من غير الأكاديميين.

انتقل هذا الاهتمام بالحوار إلى القطاعات الرسمية في الفترة ما بين عامي 2003 و2007 التي اتجهت إلى "لا مركزة الفن" في العاصمة صنعاء عبر دور ثقافية وفنية أنشأتها في عدة مدن يمنية أقامت فيها المعارض الدائمة والورش التدريبية وصالات العرض التجارية. أجرت هذه الدور منتديات عامة للنقاش، كمنتدى الفنون البلاستيكية التي أخذت وزارة الثقافية اليمنية على عاتقها إجراءه سنوياً منذ عام 2008.

أرض النوافذ المهشمة

أتاحت الأجواء السياسية التجريبية في اليمن في الفترة الانتقالية منذ عام 2011، كما تذكر أناهي، المجال لظهور العديد من التجارب الفنية التجريبية لمجموعة من الفنانين سواء كانوا مستقلين، أو ذوي توجه سياسي، كما فسحت طريق العمل أمام العديد من المساحات غير الحكومية مثل صالة رؤوف حسن الفنية (2012) ومؤسسة بيسمينت (Basement Cultural Foundation (2016.

وقد جذبت هذه الأماكن الفنانين الشباب الذين لا يرفضون فقط المشاركة في معارض ترعاها الحكومة، بل ينأون بنفسهم عن جيل الأكاديميين الذين سبقوهم، فوجدوا من خلال المعارض غير الرسمية الانتشار والتقدير الذي بحثوا عنه.

وخلال هذه الفترة بدأت المعارض الفنية تخرج عن شكلها الكلاسيكي بين الجدران المغلقة كمعرض رحمن طه الذي قدم في أحد شوارع صنعاء وحمل عنوان "الشاهي في الطريق" وحملة مراد سبيع "فن الشارع". كما بدأت المعارض تقام في فضاء افتراضي على الانترنت عندما دفعت ظروف الحرب القاسية الفنانين اليمنيين إلى اللامبالاة بأماكن العرض طالما أن أعمالهم تصل لأكبر عدد ممكن من الناس. مثل أرشيف (2019) ومؤسسة رموز التي شاركت في تجديد مساحات العرض وأساليب التعبير الفني حين أقامت معرضاً للصور الفوتوغرافية الملتقطة بالهواتف النقالة على مواقع فيسبوك وإنستغرام، وحمل هذا المشروع عنوان Phone Art Yemeni Project .

كما استخدم تطبيق واتساب كمنصة لتسجيلات صوتية شعرية متبادلة بين الشعراء الشباب الذين يشكلون طرفي النزاع اليمني، وسمي المشروع "في أرض النوافذ المهشمة: أصوات شابة من اليمن المكسور".

هذا النزاع، شكّل بدوره مادة نتجت عن زخم في التعبير الفني عن طريق الأفلام الوثائقية والفنية مثل Comra Films التي شجعت الإنتاج السينمائي عبر إقامة مشاريع سينمائية تدريبية.

يتقاطع التنوع الفني الذي شهده اليمن من تمازج الفنون التجريبية والهجينة والانتقالية مع المراحل التاريخية والاتجاهات السياسية التي سادت اليمن خلال الفترة الممتدة من ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي حتى اليوم

تخلص أناهي من خلال سردها للتاريخين السياسي والفني في اليمن إلى أن هذا التنوع الفني الذي شهده اليمن من الفن التجريبي والهجين والانتقالي تتقاطع بوضوح مع المراحل التاريخية والاتجاهات السياسية التي شهدها اليمن خلال الفترة الممتدة من ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي حتى اليوم.

هذا بالنسبة لها، كرس أهمية العودة إلى تاريخ الفن في اليمن ونبش أرشيفه للوصول إلى مصادر توثق جميع مراحله وتجارب فنانيه، بمن فيهم هؤلاء الفنانين المهاجرين الذين وجدوا فضاءً لعرض أعمالهم في الخارج، إلا أنهم غابوا عن سياق تاريخي يوثق دورهم في المشهد الفني في اليمن وخصوصاً في المصادر العربية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard