كل ما يمكن أن يشعرك أنك حي... محجوب في هذه البلاد

السبت 27 يونيو 202002:38 م

لا يمكنك الاستغناء عن كاسر البروكسي إن كنت لا تزال في سوريا، معظم المواقع محجوبة، أحياناً دون منطق مفهوم، فقد تجد مثلاً موقعاً لتعليم الطبخ محجوباً، فالمنطق عموماً فلسفة غير مرحب بها في هذه البلاد، لذا يشكّل إيجاد البروكسي جزءاً هاماً جداً من حياتنا، نحن بحاجة يومياً إلى فكّ الحجب لنحاول الاطلاع على العالم نوعاً ما، أو ربما الاطلاع على ما يحدث في الشارع المجاور، إن كنت ممن اعتادوا العزلة والاعتكاف في المنزل في هذه البلاد المنعزلة والمعزولة، سيغدو هذا البروكسي نافذتك على العالم وجزءاً من جسدك، ستجد نفسك مشلولاً إن فقدته.

عندما تهم بفتح أي موقع، غالباً ما تجد نفسك أمام صفحة فارغة، تشبه كثيراً الفراغ الذي تعيشه هنا، حيث كل ما تسعى إليه يحيل إلى فراغ، كل ما تحاول ملأه، إغناءه، كل جهد مبذول، كل كفاح يتجدد يومياً وكل تعب مضنٍ ينتهي إلى اللاشيء، الذي يشبه كثيراً هذه الصفحة الفارغة والتي تلازمك عند كل محاولة للشعور بأنك كائن بشري طبيعي، أو إقناع نفسك بأنه لا زال بالإمكان أن تحيا بشكل شبه طبيعي في هذه البقعة الجغرافية.

كل ما يمكن أن يشعرك أنك حي، محجوب في هذه البلاد، بدءاً من التفكير في تناول وجبة طعام دون أن تفكر في ثمنها، وانتهاء بما يسمى كماليات والتي تشبه جملة "عذراً لا يتوفر نيتفلكس في بلدك حتى الآن"، لمَ كل ذلك؟

لأننا في ظرف استثنائي، لأن الأشياء الطبيعية للبشر استثناء في بلدنا، أن تعيش في بلاد الطبيعي فيها هو الاستثناء، أن تعيش في وضع الطوارئ دائماً، كأنك رُميت في مسلسل " تشرنوبل" دون اختيارك، أن تستيقظ كل يوم وتسأل نفسك: لماذا لم يخترعوا بروكسي لحجب كل هذه الخراء المجبرين على معايشته يومياً؟

كل شيء محجوب عنك وأنت محاصر ضمن جدران منزلك، تحاول الخروج فتصبح محاطاً بجدران أعلى، هي جدران الشارع والمدينة، جدران تزداد ارتفاعاً يوماً تلو الآخر، لتحجب عنك السماء التي تغدو مع الأيام أصغر وأبعد.

لأن الأشياء الطبيعية للبشر استثناء في بلدنا، أن تعيش في بلاد الطبيعي فيها هو الاستثناء، أن تعيش في وضع الطوارئ دائماً، كأنك رُميت في مسلسل " تشرنوبل" دون اختيارك، أن تستيقظ كل يوم وتسأل نفسك: لماذا لم يخترعوا بروكسي لحجب كل هذه الخراء المجبرين على معايشته يومياً؟

عندما كنا صغاراً، كانت مقاربات الغربة مرتبطة بالاشتياق للأشخاص والأمكنة، بينما اليوم، أنت الذي لم تغادر البلاد مضطر لتشغيل "في بي إن" لتتواصل مع من تحب، فمع استثناءات قليلة، لم يتبقَ لك أحد هنا، من تحبهم تركوك في اغترابك، لا تستطيع، وهم في غربتهم القسرية، أن تشمّهم، أن تلمسهم، أن تستشف ما تقوله عيونهم في بريقها أو انطفائها، هم مقولبون ضمن فيديو، كلمات أو صوت، أحياناً عندما تختصر كل الاشتياقات بإيموجي قبلة، تتمنى لو تكسر كل الشاشات، تحتضنهم وتقبّلهم، أنت في وطنك جغرافياً لكنك تمارس اغترابك يومياً، انقلبت مفاهيمنا عن "الغربة"، لم يعد للكلمة صلات جغرافية فجميعنا تائهون في الشتات.

أن تطمئن على أخبار من تحبهم من فترة لأخرى وتبتلع همومك ويبتلعون همومهم، فلا طاقة متبقية في نهاية اليوم سوى للاطمئنان أنهم يتنفسون، أنهم ناجون لهذا اليوم، جسدياً على الأقل، شعورك بتفاهة مشاكلك العاطفية أو المهنية التي سترويها لهم، وشعورهم بلا جدوى الحديث عن يومياتهم المحصورة بين العمل الروتيني ودروس اللغة الجديدة، الشعور بضآلة كل ذلك أمام المصائب التي تقع يومياً على الرؤوس، والاعتلالات النفسية الجسدية التي لم تعتق أحداً.

ما قيمة الأمكنة دون مرتاديها؟ ما الطابع الحميمي للجلوس مع أناس لا يشبهونك في شيء؟

ما قيمة الأمكنة دون مرتاديها؟ ما الطابع الحميمي للجلوس مع أناس لا يشبهونك في شيء؟ أن تجلس في مقاهٍ لم يتبق فيها أحد تعرفه، أنت مغترب أيضاً عندما تمر أمام سينما الشام مثلاً، تتذكر مراهقتك، الأفلام التي كان بإمكانك مشاهدتها من توفير مصروفك في نهاية الأسبوع، أو لأن العامل المسؤول عن الدخول يتعاطف معك فيدخلك مجاناً، اختفى هذا الموظف وأشباهه، حاله حال البسطاء الذين لفظتهم المدينة بعد أن سلبتهم آخر ما تبقى من كرامة، أنا المغتربة هنا لا أشعر بالانتماء إلى السينما البلاستيكية الوحيدة المفروضة علينا، ولا إلى البنوك والفنادق النافرة وسط معالم عريقة، ولا يشعر أصدقائي بالانتماء إلى قهوة الكمال التي احتوتهم وهم طلاب وقد تغيرت أسعارها وطاقمها بالكامل.

حتى مهنياً أنت خارج الخارطة تماماً، أياً كان المكان الذي تعمل به، ما المستقبل المنتظر وأنت تعمل ضمن منظومات تديرها تركيبات عقلية مشابهة للمخرج نور، (أحد شخصيات مسرحية لزياد رحباني كتبت في الثمانينيات)؟ لتبقى محاصراً بآلية عمل كل ما فيها " شي فاشل".

نرى حيواتنا تتهالك أمامنا، نحاول لملمتها، منا من استطاع ومنا من تدمّر، لا يمكننا لوم أحد، فالحياة كانت قاسية أكثر مما يمكن تخيلها، أليست حفلات النوستالجيا المنتشرة على مواقع التواصل لمواليد الثمانينيات والتسعينيات نوعاً من الموت المبكر؟

نرى حيواتنا تتهالك أمامنا، نحاول لملمتها، منا من استطاع ومنا من تدمّر، لا يمكننا لوم أحد، فالحياة كانت قاسية أكثر مما يمكن تخيلها، أليست حفلات النوستالجيا المنتشرة على مواقع التواصل لمواليد الثمانينيات والتسعينيات نوعاً من الموت المبكر؟

أن تنظر إلى الخلف وترى حياتك المحدودة وقتها بهذا الجمال الذي تصنعه مخيلتك اليوم، وأن يكون الماضي هو الحلم والمشتهى وأنت لازلت في العشرينيات أو الثلاثينيات، ذلك هو الوجه الآخر لليأس، لا يعيش في كل هذه النوستالجيا إلا من كان حاضره زهيداً ومثيراً للشفقة.

لكل منا حدبته الخاصة، لا أحد اليوم يمشي دون انحنائه الخاص وآفات ندمه، فرصه المهدورة وعجزه اليومي. فرّقنا الشتات والغياب، القهر والعجز والتعب المزمن، الغصّة التي لشدة ما ابتلعناها وقفت في حلقنا، وأحالتنا أناساً عاجزين، أقصى ما يسعنا فعله، بضعة هاشتاغات ووقفات تضامنية لا زلنا نحلم أن توصل صوتنا للعالم.

"ماذا نفعل بالزمان... ماذا نفعل بالأمكنة... أيها الزمان الضيق… أيتها الأرض الواسعة "، ولكن بيننا وبين الأرض الواسعة جدران شاهقة لا زلنا نحلم بتحطيمها يوماً ما.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard