"لم يُعادِ الإسلام كما يدّعي معارضوه"... إرث الحبيب بورقيبة يستمر بإثارة الجدل في تونس

الخميس 25 يونيو 202011:51 ص

رغم مرور عشرين عاماً على رحيله، لا يزال الجدل قائماً حول شخصية الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وإرثه الغائب الحاضر.

في الأيام الماضية، انتقل الجدل من الشارع إلى قبة البرلمان، لينقسم مَن في داخله بين رافع شعار البورقيبية ومتبنٍ لأفكارها وبين معارض شرس لها ولتوجهاتها.

يرى الشق البورقيبي في شخص الرئيس الذي حكم تونس لثلاثين سنة (25 تموز/يوليو 1957 - 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987) رائداً للتحديث الاجتماعي في تونس، بينما يعتبره معارضوه رائد التغريب وعدو الإسلاميين.

في ما يتعلق بالفريق المدافع عن البورقيبية، يُميّز المحلل السياسي فتحي الزغل بين طرفين فيه، الأول ينتصر لفكر الرجل ويتبناه، والثاني "وصولي" يشترك مع البورقيبية في مقارعة عدو واحد لكنه لا يسلك نهجها بالمعنى الفعلي.

يقول الزغل لرصيف22: "في المرحلة الحالية، لا يوجد بورقيبيون بالمفهوم الاصطلاحي للكلمة، لأن البورقيبيين الفعليين ينتصرون لفكر الرجل الذي حكم البلاد بعد الاستقلال ويتبنونه. المصطلح لا ينطبق على الذين يتكلمون اليوم باسم بورقيبة".

من يتكلمون اليوم باسم بورقيبة، وفق الزغل، هم من الحداثيين والليبراليين واليساريين والتجمعيين (نسبة إلى "حزب التجمع" المنحلّ أي حزب الرئيس الراحل زين العابدين بن علي) و"الدساترة" (نسبة إلى حزب بورقيبة وهو "الحزب الحر الدستوري الجديد") و"السياسيين الوصوليين" الذين يدّعون انتصارهم لإرث بورقيبة فقط لأنهم يشتركون في العداء للإسلاميين.

في المقابل، يمثل الإسلاميون، وعلى رأسهم "حركة النهضة" و"ائتلاف الكرامة"، الطرف المعارض لبورقيبة وإرثه، علماً أنهم من نالوا الأغلبية في المحطات الانتخابية التي شهدتها تونس بعد الثورة.

صراع الإسلاميين والعلمانيين يطغى اليوم على المشهد السياسي في البرلمان التونسي، فيستحضر الطرفان تجربة أول رئيس للجمهورية التونسية، وينقسمان بين "الحزب الدستوري الحر" (تأسس عام 2013) برئاسة عبير موسي التي ترفع صور بورقيبة متهمة "حركة النهضة" و"ائتلاف الكرامة" بجرّ تونس إلى مربع العنف القديم، وبين "النهضة" و"الائتلاف" والشكوى الدائمة من ممارسات بورقيبة بحقهم.

الإسلام والعلمانية

يُقرّ رجل الإعلام والاتصال كمال الشطي بوجود صراع بين هذين الطرفين. وفيما يصف الصراع بـ"السياسوي الشعبوي الانتهازي بالأساس"، يقول الشطي الذي عمل لعقد كامل مع رئاسة الجمهورية خلال حكم بورقيبة: "بورقيبة ليس ′أصلاً تجارياً′، فهو لا لهذا ولا لذاك".

ويُشير الشطي، في حديثه لرصيف22، إلى أن "الزعيم الراحل لم يُعادِ الإسلام أو يُحاربه كما يدعي معارضوه من الإسلاميين"، مستنداً في كلامه إلى الفترة التي أصدر فيها بورقيبة مجلة الأحوال الشخصية. وقتها، كلّف الرئيس لجنةً ضمت ممثلين عن المذهَبَيْن المالكي والحنفي، طلب منهم الاجتهاد في إصدار أحكامها انطلاقاً من مختلف المذاهب الإسلامية بما فيها المذاهب الشيعية.

ومجلة الأحوال الشخصية هي مجموعة من القوانين التقدمية كان قد أصدرها بورقيبة في 13 آب/ أغسطس عام 1956، وأحدثت ضجة في المجتمع التونسي حينها لما تضمنته من قوانين جديدة على غرار إلغاء تعدد الزوجات واشتراط رضى الطرفين لإتمام الزواج.

في المقابل، يُشدّد رئيس "جمعية التاريخ والمصالحة" سفيان بن مراد على أن بورقيبة "أتى بفكر غربي علماني تقدمي ونظر إلى الفكر الزيتوني كفكر رجعي متخلّف".

صراع الإسلاميين والعلمانيين يطغى اليوم على المشهد السياسي في برلمان تونس. يستحضر الطرفان تجربة بورقيبة، وينقسمان بين من يرفع صور أول رئيس للجمهورية التونسية ويتهم الإسلاميين بجرّ البلاد إلى العنف، وبين "النهضة" و"الائتلاف" والشكوى الدائمة من ممارسات بورقيبة

ويتابع، في حديثه لرصيف22، قائلاً: "لقد حارب بورقيبة الإسلام في إطار خطة تغريبية نفذها على مراحل، حيث أفتى بإفطار شهر رمضان رغم معارضة عدة شخصيات دينية له ورفضهم إصدار فتوى بهذا الشأن، كما أغلق جامعة الزيتونة وفرض مجلة الأحوال الشخصية فرضاً على المجتمع التونسي… أنا أعتبر أنه قضى على دين الإسلام في تونس".

وعن حقيقة علمانية بورقيبة، يتحدث أستاذ التاريخ المعاصر عدنان منصر شارحاً أن نظام بورقيبة من الناحية التاريخية لم يكن نظاماً علمانياً رغم التصاق التسمية به، وذلك لأن الدولة في النظام العلماني لا تتدخل في الدين وفي الشعائر الدينية، وتفصل فصلاً كاملاً بين الحياة السياسية المدنية وبين الحياة الدينية.

وبخصوص الاجتهادات التي قام بها بورقيبة في بعض الأمور الدينية، يرى أستاذ التاريخ المعاصر أنها كانت تنبع من عاملين اثنين، هما التأثير بواسطة الدين والتأثير من داخل الحقل الديني بادعاء القدرة على الاجتهاد.

أما بشأن ما تضمنته مجلة الأحوال الشخصية فيندرج في إطار نظرة بورقيبة لتحديث المجتمع، وكل هذه "الاجتهادات" كان بورقيبة يعتمد فيها على قراءات للنص القرآني وللنص الديني، بحسب منصر الذي يوضح أن بورقيبة كان يحمل فكراً حداثياً على مستوى بناء الدولة والعلاقات الاجتماعية ومكاسب المرأة والأسرة، لكنه استطاع إيجاد حل وسط بين فكره وبين المجتمع التونسي لأنه أدرك طبيعة الأخير وعدم قبوله بأن تكون الدولة منفصلة عن الدين.

يقول منصر لرصيف22: "النظام التونسي خلال فترة حكم بورقيبة كان من هذه الناحية نظاماً متمسكاً بالسيطرة على الفضاء الديني، فكان بورقيبة مثلاً يأخذ مكان الإمام في المناسبات الدينية الكبرى ويلقي خطب الجمعة في جامع القيروان بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف".

ويرى منصر أن صراع بورقيبة مع الإسلاميين كان سياسياً قائماً على شرعية تمثيل الدين الإسلامي ولم يكن صراعاً دينياً، إذ لم يسمح بورقيبة لأحد بأن يُنافسه في أي شرعية من الشرعيات التي يؤمن بها، بغض النظر عما إذا كانت حقيقية أم مُفترضة.

العلاقة مع الغرب

يشمل الصراع المستمر اليوم بين أنصار بورقيبة ومعارضيه مسألة علاقة تونس بالغرب التي كانت حاضرة بقوة في جلسات البرلمان وتسببت بنقاشات حادة.

انقسم النواب بين من حمّل بورقيبة مسؤولية ما تعانيه تونس اليوم من ارتهان اقتصادي للغرب وعلى رأسه فرنسا، ومن دافع بشدة عن انفتاح الرئيس التونسي الراحل على أوروبا.

في هذا الإطار، يقول أستاذ الأدب والحضارة الإسلامية في جامعة تونس فاكر يوسف لرصيف22 إن بورقيبة انخرط في تيار حداثي قائم على أن النهضة لا تقوم إلا بالاقتباس الإيجابي.

بالنسبة ليوسف، فإن مواقف بورقيبة و"الحزب الحر الدستوري الجديد" كانت قبل الاستقلال تصر على أن لا مقاومة للاستعمار إلا بالتمسك بهوية تونس العربية الإسلامية، ليدخل بعد نيل الاستقلال عام 1956 في بناء الدولة الحديثة حيث قام بتَونسة الإدارة وانتزاع أملاك المستعمرين على مراحل كما قام بتوحيد التعليم عام 1958، ضمن خطة كاملة لاسترجاع السيادة التونسية.

من هنا، يشدد الشطي بدوره على أن بورقيبة لم يغلق جامعة الزيتونة كما يروّج الإسلاميون، وإنما أراد تطوير التعليم فيها حسب المناهج الحديثة، بحيث يصبح غنياً بإرث تونس الإسلامي الحضاري كما يأخذ الإيجابي من المناهج الغربية كالعلوم والتقنيات وغيرها.

صراع بورقيبة مع الإسلاميين كان دينياً أم سياسياً؟ هل كان أول رئيس للجمهورية التونسية علمانياً بالمعنى الفعلي؟ كان رائد التحديث أم التغريب؟ خذل القضية الفلسطينية والعرب؟ أسئلة عديدة طُرحت مع انتقال الجدل حول إرث بورقيبة من الشارع إلى البرلمان

على عكس ذلك، يرى رئيس "جمعية التاريخ والمصالحة" سفيان بن مراد أن بورقيبة كان يتبع الغرب اتباعاً سلبياً، قائلاً: "إلى جانب اتفاقه مع فرنسا، كان بورقيبة متفقاً أكثر مع أمريكا والصهيونية خلال عامي 1950 و1951، حتى أنه ثار على فرنسا التي كانت تعتقد أنه حليفها، بسبب تلقيه الأوامر من الأمريكيين".

ويضيف بن مراد: "سفره المبكر إلى فرنسا جعله ينبهر بها وبأضوائها وتبعيته للغرب جعلته يغلق جامعة الزيتونة منبع تونس الثقافي والحضاري ويغلق مؤسسة الأوقاف شهرين بعد نيل الاستقلال ليصدر في مرحلة ثانية سنة 1957 قراراً يلغي الأوقاف الخاصة والمشتركة، وهي كارثة كبيرة ضربت عمق الهوية التونسية".

وبينما ينحصر تقييم طرفي الصراع لعلاقة بورقيبة بالغرب بين وصفها بالانفتاح الإيجابي أو التبعية، يحاول منصر تقديم قراءة مختلفة لها. 

يقول أستاذ التاريخ المعاصر: "كان بورقيبة ينظر للغرب كقدوة ونموذج ولا يخفي ذلك ويعتقد أن تونس يجب أن تبلغ في مرحلة من المراحل في تطورها ما بلغته الدول الأوروبية، وكانت سياسته تعتمد على مساندة الغرب في حالة وقوع أزمات أو تهديد للحدود التونسية".

هذه العلاقة، وفق منصر، خلقت لبورقيبة مجالاً لعدم إنفاق الكثير من الأموال في التسلح وتوجيه الميزانية إلى التربية والصحة والتعليم والتجهيز والبنى التحتية، حيث "كان بورقيبة يعتمد على الغرب لأنه لم يمتلك حلولاً كثيرة ولأن ذلك بدا الحل الأكثر عقلانية لحسن التصرف في موارد محدودة للدولة التونسية في تلك الفترة".

القضايا العربية

من المسائل التي شكّلت نقطة خلاف تونسي دائم حول إرث بورقيبة، كانت مسألة مواقفه من بعض القضايا العربية، على رأسها القضية الفلسطينية والارتباط بجماعة الإخوان في مصر. 

من المسائل التي شكّلت نقطة خلاف تونسي دائم حول إرث بورقيبة، كانت مسألة مواقفه من بعض القضايا العربية، على رأسها القضية الفلسطينية والارتباط بجماعة الإخوان في مصر. 

في هذا السياق، ينتقد الشطي الموقف القائل بأن بورقيبة خان وخذل الفلسطينيين عندما دعاهم في خطاب أريحا عام 1965 إلى القبول بالمفاوضات مع الإسرائيليين، قائلاً: "يكفينا تصريح رئيسة حكومة الكيان الصهيوني غولدا مائير التي قالت عن بورقيبة إنه أخطر زعيم عربي".

ويرى الشطي أن موقف بورقيبة حينها كان صائباً، وذلك انطلاقاً من شغفه بسياسة المراحل وهو الذي عُرف بمقولة له بالدارجة التونسية "خذ واطلب".

من جهته، يرى يوسف أن بورقيبة كان براغماتياً وواقعياً في موقفه تجاه القضية الفلسطينية، فيقول: "سياسياً لم يخذل بورقيبة أي موقف عربي ورغم عدم انخراطه في الاتجاه القائم على الوحدة العربية العامة، لكنه في المقابل ساند كل القضايا العربية, مثل العراق في الحرب ضد إيران وكان يسميها حرب العرب ضد الفرس، كما استضاف الجامعة العربية واستقبل الفلسطينيين عندما اشتدت الأزمة في لبنان".

وعن العلاقة المزعومة بين بورقيبة وجماعة الإخوان المصرية، يقول الشطي: "لم تكن لديه علاقة مباشرة بإسلاميي مصر ولم تكن له كذلك في البداية علاقة عدائية معهم، بل كان يهادنهم وحسب"، مضيفاً "استقباله من قبل الإخوان في مصر يأتي في إطار حرصه على تجميع أكبر قدر من الأنصار في مصر والبلدان العربية لدعم تونس في إطار العمل السياسي لا غير".

أما بن مراد من جهته فيرى عكس ذلك، ويذهب إلى القول بأن "بورقيبة برز وتفوق بحلفه مع الأمريكيين واليهود الصهاينة وأن مهمته بدأت منذ خطاب أريحا".

ويشدد بن مراد على أن بورقيبة تحجّج باعتماد سياسة المراحل في التعامل مع القضية الفلسطينية، فـ"رغم أن العرب كانوا يعيشون حرب احتلال، بورقيبة لم يعتبرها أبداً كذلك ولم يتخذ موقفاً إيجابياً من حرب العرب ضد الكيان الصهيوني، فكان يدعم بطريقة غير مباشرة السياسة الأمريكية في هذه النقطة".

من جهته، ينفي منصر أن يكون بورقيبة خذل العرب من خلال موقفه تجاه القضية الفلسطينية، ويقول: "لا أتصور وجود ما يدل على خذلان بورقيبة للموقف العربي بشأن القضية الفلسطينية، فما الذي كان مطلوباً منه في دولة بعيدة كتونس في تلك الفترة وبموارد ضعيفة وإمكانيات عسكرية تقارب الصفر؟".

وعن دعوة بورقيبة في خطاب أريحا إلى المفاوضات، يرد منصر بأن "مسألة الخذلان تُوجَّه إلى دولة قوية كمصر وليس لدولة ضعيفة كتونس في تلك الفترة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard