"طهران تُساند تركيا ودمشق تدعم مصر"... لماذا اختلفت مواقف إيران وسوريا في ليبيا؟

الأربعاء 24 يونيو 202005:55 م

للمرة الثانية، أكدت إيران دعمها الكامل لـ"حكومة الوفاق" الليبية، في خطوة تتعارض مع سياسة ومواقف أبرز حلفائها وهو النظام السوري الذي أعلن مساندة المشير خليفة حفتر، قائد ما يعرف بـ"الجيش الوطني الليبي".

وذهب الحليفان اللذان يقاتلان معاً منذ سنوات إلى إعلان كل طرف منهما دعم أحد الدول المتصارعة في ليبيا، حيث اختارت طهران مساندة تركيا فيما عرض النظام السوري تقديم المساعدة لمصر.

وتعهدت تركيا بدعم "الوفاق" للسيطرة على كامل الأراضي الليبية، فيما هدّدت مصر بالتدخل عسكرياً لمساعدة قوات حفتر من أجل صدّ أي تقدم عسكري مدعوم من أنقرة.

وانسحبت قوات حفتر من غرب ليبيا بعدما فشلت في السيطرة على العاصمة طرابلس، إثر تدخل أنقرة لمساندة "الوفاق" في رد الهجوم.

طهران ودمشق وجهاً لوجه؟

في 22 حزيران/يونيو الجاري، عبّر وزير الدفاع الإيراني العميد حسين دهقان عن دعم بلاده لحكومة الوفاق كممثل شرعي لليبيا.

وقبل ذلك بحوالي الأسبوع، وتحديداً في 15 حزيران/يونيو، زار وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف أنقرة، ليعلن في مؤتمر صحافي دعم حكومة الوفاق، ويؤكد على أن طهران تتشارك وجهات نظر مع تركيا بشأن سبل حل الأزمة الليبية.

في المقابل، أعلن وزير الخارجية السوري وليد المعلم دعم بلاده لـ"الجيش الوطني" بقيادة حفتر وباقي المؤسسات التي قامت في شرق ليبيا.

وعلى نقيض نظيره الإيراني، أكد وزير الخارجية السوري أن دمشق "تقف إلى جانب الأشقاء في مصر العربية من أجل الدفاع عن أمنهم الوطني وعن الأمن القومي العربي"، مضيفاً "إذا كانوا (المصريون) يريدون أي دعم سوري فنحن جاهزون له بغض النظر عن مواقفهم من قضايانا".

وكانت مواقع متخصصة في تتبع حركة الطيران العالمية قد رصدت هبوط طائرات تابعة لخطوط "أجنحة الشام" السورية في بنغازي، حيث يشتبه مراقبون في نقلها معدات عسكرية ومرتزقة لمساندة قوات حفتر.

شكوكٌ في الموقف الإيراني

رأى اللواء سيد غنيم، وهو استشاري الأمن الدولي والأستاذ الزائر في حلف الناتو، أن تصريح ظريف بشأن توافق التوجهات والمصالح الإيرانية/ التركية لم يكن يخص ليبيا فحسب، بل اليمن أيضاً، ويستهدف استدراج وتشتيت المعسكر الغربي والمنافسين الخليجيين ومصر دون تحرك إيراني تركي متبادل في بؤرتي الصراع.

وتوقّغ غنيم، في حديثه لرصيف22، أن "يستمر التفاعل الإيجابي بشكل مؤقت بين تركيا وإيران في ليبيا واليمن، مع استمرار أنقرة في محاولة استقطاب دول أخرى داعمة لموقفها في ليبيا كالجزائر وتونس، في ظل التواجد الروسي وتخبط الولايات المتحدة والمعسكر الغربي، دون تحرك عسكري تركي في اليمن أو عسكري إيراني في ليبيا".

للمرة الثانية، أكدت إيران دعمها الكامل لحكومة الوفاق الليبية، في خطوة تتعارض مع سياسة ومواقف أبرز حلفائها وهو النظام السوري الذي أعلن عبر وزير خارجيته وليد المعلم مساندة مصر في الدفاع عن أمنها وفي دعم قوات حفتر

بدوره، شكّك المحلل السياسي التركي علي باكير في تصريحات المسؤولين الإيرانيين، واضعاً إياها في سياق محاولة طهران لخلق تصور خاطئ بأن إيران تدعم "الوفاق".

وأشار باكير في سلسلة تغريدات إلى أن هذه التصريحات جاءت بعد تطورين مهمين: الأول هو إرسال مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة رسالة إلى مجلس الأمن كشف فيها تزويد طهران قوات حفتر بأسلحة متطورة، والثاني كان هزيمة قوات حفتر أمام حكومة الوفاق المدعومة من تركيا.

ولفت باكير إلى أن الطائرات الروسية التي تدعم حفتر كانت تتزود بالوقود في قاعدة همدان في إيران وهي في طريقها إلى ليبيا.

وأوضح المحلل التركي رأيه بالقول إن إيران تشعر أن حفتر ورقة خاسرة، وتريد أن تحتوي تداعيات دعمها له من خلال الإعلان عن دعم "الوفاق"، كما تريد تجنب إغضاب أنقرة، محذراً من أن تصريحات المسؤولين الإيرانيين الذين لم يكشفوا عن خطوات ملموسة لدعم الحكومة المعترف بها دولياً على الأرض، قد تكون مجرد خدعة ومناورة عاجلة.

أسباب اختلاف الموقف

لفت غنيم إلى أن موقف إيران المُعلن في ليبيا، والذي يبدو معاكساً لموقف الحكومة السورية، لا يشكل تناقضاً حقيقياً على أرض الواقع. 

وأوضح فكرته بالقول إن سوريا يمكن أن تقدم دعماً عسكرياً لحفتر كما تردد في تقارير سابقة عن وجود مرتزقة سوريين في ليبيا، أما إيران فدعمها سياسي من خلال تصريحات وإعلان مواقف دون ترجمة فعلية. 

في المقابل، رأى الباحث السوري مالك الحافظ أن هناك اختلاف وتضارب مصالح بين إيران والحكومة السورية في ليبيا.

وقال الحافظ : "دمشق لا تزال غير قادرة على الانعتاق تماماً من قيد الشراكة والتبعية لطهران بسبب الدعم الذي قدمته لها خلال السنوات الأولى من الأزمة السورية، لكن ذلك لا يمنع من وجود اختلاف في الرؤى في العديد من ملفات المنطقة، ومنها الملف الليبي، لا سيما في ظل تعاظم الدور الروسي في سوريا على حساب تهميش الدور الإيراني".

موقف إيران المُعلَن يبدو معاكساً لموقف النظام السوري في الشأن الليبي... اختلاف رأى محللون أنه لا يشكّل تناقضاً حقيقياً على أرض الواقع، فيما اعتبر آخرون أنه يعكس تعاظم الدور الروسي على حساب الإيراني في سوريا

وتابع الحافظ شارحاً رأيه، في حديث لرصيف22، بأن الملف الليبي يضم طرفين متنازعين، أحدهما حكومة "إخوانية" حليفة لأنقرة، مقابل طرف آخر تؤيده روسيا، لافتاً إلى أن إيران تدخلت في هذا الملف إلى جانب تركيا، نكاية في روسيا التي حجّمتها سياسياً في الملف السوري، وتسعى لتغييب نفوذها "تدريجياً" على الصعيد العسكري عن عموم الأراضي السورية.

وأردف المحلل السوري: "دمشق ستقف بكل تأكيد ضد من تدعمه أنقرة وتقف إلى جانب موسكو التي زادت من نفوذها في مختلف المؤسسات السيادية السورية". كما أشار إلى وجود جوانب أخرى أدت إلى الاختلاف في المواقف بين طهران ودمشق، فـ"منذ بداية الخلاف الخليجي الداخلي عام 2017، بدأ محوران بالتشكّل في المنطقة، الأول يضم تركيا وقطر، وانضمت إليهما لاحقاً إيران بسبب الخصومة مع السعودية، والثاني يضم كل من الإمارات ومصر والسعودية وتقف بينهما القوى الدولية".

وأضاف الحافظ أن دمشق ومنذ ما قبل فرض عقوبات"قيصر" الأمريكية على النظام بات يتشكل لدى قصرها الجمهوري رغبة في التخلص من الأثر السلبي الكبير الذي يخلفه استمرار التواجد الإيراني، ويكون ذلك من خلال التقارب من المحور السعودي وتأييد مواقفه وقضاياه، وترغيبه بأنها ستتخلص من النفوذ الإيراني مقابل انفتاح هذا المحور عليها، وهو ما بدأت تتضح ملامحه منذ مطلع العام الجاري. 

وختم كلامه بالقول إن "دمشق لن تؤيد مواقف المحور المناوئ للرياض، ففي ذلك المحور أشرس خصمين بالنسبة لها وفق رؤيتها (تركيا وقطر)، كما ترغب بالعودة للجامعة العربية من خلال بوابة هذا الحلف، وأن تكسب اقتصادياً عبر هذا الحلف لا سيما في مرحلة مواجهة جائحة كورونا، وهو السبب ذاته الذي دفع أبو ظبي للتواصل مع دمشق في آذار/ مارس الماضي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard