جمعت عبد الناصر بماكس فيبر... الجامعة الأمريكية في بيروت

الأربعاء 24 يونيو 202006:57 م

قد لا يعرف سكان بيروت، ومعظم محبيها، أن مساحة المدينة الفعلية تشكّل 2.2% فقط من البلد الصغير التي توجد فيه. كل هذه الجلجلة التي تدور حول بيروت أحياناً تحدث في هذه المساحة الضيقة جداً من العالم. لكن، يعرف أبناء بيروت أن كل شيء في رأس بيروت تقريباً، ولفترة طويلة، دار حول صرح ضخم أقيم هناك، اسمه الجامعة الأمريكية في بيروت.

وثمة مَن يحسب المستشفى التابع للجامعة ضمن ملحقاتها، رغم أنه تجاوزها أو على الأقل يجاورها في الأهمية أيضاً.

بعد طرد إدارة الجامعة 1500 موظف وعامل فيها، في الآونة الأخيرة، ربما يكون مفيداً التذكير بأن مطاعم رأس بيروت ومكتباته وحاناته تطمع بوجود الجامعة هناك، أو بلغة أصح: بوجود الحياة في الجامعة.

هذه افتراضات سهلة، مثل سهولة التاريخ الذي يذكّر ببداية تشييد البيوت في رأس بيروت: غرف صغيرة مسقوفة بأناقة لأساتذة الجامعة الأمريكية. قبل ذلك، كانت العمارة أفقية، وكانت المنازل تخشى الارتفاع، لأن سكانها كانوا مزارعين، يفضّلون البقاء على مقربة من الأرض. لكن عندما جاء الأساتذة، احتاجوا طوابق أكثر، وأشكالاً مختلفة، ليقدّموا أنفسهم عبر العمارة، كمنتمين إلى طبقة وسطى تدور حول الجامعة.

"التبشير" والمبادرة الفردية

ربما لا تكون الطبقة الوسطى سوى مصطلح منفّر للبنانيين لشدة تداوله في الآونة الأخيرة في ما بينهم، بمعنى وفي أحيانٍ كثيرة بلا معنى. ولكن، قد نجد في سرد رئيس الجامعة الأمريكية في بيروت، بايارد دودج (1923-1948)، تصوراً واضحاً للطبقة التي تخيّلها المبشّر الأمريكي دانيال بليس، عندما شيّد الجامعة.

بعيداً عن سردية الأثر الاقتصادي التقليدي لوجود الصرح في المدينة، يقدّم المختص بالإسلاميات في "صناعة الرجال" نموذجاً أمريكياً أكثر تحديداً للحداثة وأوضح مما قدمه أسلافه، وربما الذين خلفوه أيضاً. في مقاربته التي تجد جذورها في أعمال ماكس فيبر وكتابه "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية"، يحاول أن يرسم صورة الجنة للرجل "الرصين"، الذي يعمل لكسب ود الإله واحترام المجتمع.

بطريقة ما، كانت الجامعة حافزاً للمبادرة الفردية، بصيغتها التي نعرفها من الليبرالية، وسمحت طبيعة النظام اللبناني بنشوء هذه المبادرة، مثلما أدّت هذه الصيغة الملتبسة على نفسها وعلى الليبرالية بحد ذاتها إلى انهيار "محيط الجامعة" اليوم، قبل انهيارها نفسها.

في نصه الطويل، كان دودج فخوراً بالرجل الأمريكي الذي بنى ناطحات السحاب، وبعبور الطائرات فوق المحيط الأطلسي، وبتصنيع السيارات بمعدلات عالية. كان يتحدث عن الرأسمالية، وهي جميلة على أي حال، عندما تظهر في الكتب، أو في الأفلام الأمريكية.

عندما تقترب اليوم، من البوابة الرئيسية للجامعة الأمريكية في بيروت فهذا يعني أنك تقترب من البحر. وهذا مشهد جميل كما في الأفلام أيضاً. يجب أن يُحسب للجامعة موقعها القريب من البحر، والذي اختير بعد رحلة دانييل بليس التبشيرية الطويلة في عاليه بجبل لبنان. الموقع كان حاسماً وذا دلالة كبيرة.

ورغم أن الناس في بيروت يستخدمون أسماءً خاصة للشوارع غير الأسماء الرسمية التي تطلقها عليها البلدية، لكنهم لم يستبدلوا اسم البحر باسم آخر. لديهم تسمياتهم، ولديهم تفسيرات خاصة للعلاقة مع المدينة. إذا سرت إلى جانب الجامعة والمستشفى الطبي الخاص بها، وتابعت الطريق يميناً، ستمرّ بشارع فان دايك، وتصل بعده إلى شارع سُمّي باسم أحد أشهر الرؤساء الأمريكيين: جون كينيدي. وقد تجد في الطريق إليها نزولاً من شارع الحمرا، واجهات تحمل أسماء أمريكية، مثل باركلي، والمقصود بها غالباً بركلي في كاليفورنيا، مكتوبة بخط أبيض عريض وعلّقت على لافتة خضراء.

وإذا تتبعت شارع الحانات الذي كان يحاول اختراع حياة له في مساحة ضيقة خلف الحمرا، وأمام الجامعة، في شارع المقدسي تحديداً، ستلاحظ ميلاً لاستخدام مصطلحات أمريكية خالصة في الحانات، من نوع "Main Street" مثلاً، كما لو أنها تحاول تمييز نفسها عن أي شبه مع النمط الفرنكوفوني (الكاثوليكي) الذي يحيط بالجارة البعيدة نسبياً، في شارع مونو، أو في خليط الحانات الذي صعد وهبط في الجمّيزة، وحطّ رحاله في مار مخايل، قبل الركود الكبير. هذا ليس كافياً للحديث عن طابع أمريكي، لكنه يكفي للاستدلال إلى ما يعتقده الجميع عن احتمالات المبادرة الاقتصادية وحدودها.

المضاربة... بسبب الجامعة وعليها

الذين استجابوا في السنوات الأخيرة لهذه العلاقة، بين طبيعة الجامعة المنفتحة على "المبادرة الفردية"، وبين نشوء اقتصاد يدور حولها، لم يفكروا كثيراً باحتمالات تدني سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار الأمريكي. على الأرجح، اعتقد هؤلاء أنهم كما بشّرهم دودج، ذاهبون إلى الجنة.

وبما أن الجامعة شكّلت مركز استقطاب، من خمسينيات القرن الماضي وربما إلى تسعينياته، وفي بلد مثل لبنان، كانت عاملاً جذاباً للمضاربين العقاريين. وبين إفراط الليبراليين في الاعتقاد بأن هذه المساحة كانت مساحة "تسامح" وحريات في عالم عربي كان مثقلاً بالاستبداد وحكم العسكر، وإفراط اليساريين في محاولة نزع أي دور إيجابي للجامعة، كانت القراءة الصحيحة لعلاقتها مع المحيط ملتبسة دائماً ومشروطة بالأيديولوجيا.

الجامعة الأمريكية التي بدأت "تبشيرية" في تاريخها، إلى درجة أغضبت المسلمين والكاثوليكيين، صارت لاحقاً معقلاً لتخريج يساريين وعروبيين لم تعجبهم الكيانية اللبنانية من أساسها

المفارقة أن المدافعين عن خيارات رئيس الجامعة، فضلو خوري، اليوم، يعتقدون أنهم يخوضون معركة أيديولوجية، فيكثرون من الحديث عن هجوم عشوائي يشنّه حزب الله الذي يدير آلة دعائية عريضة على الجامعة، بينما الذين ينتقدون الجامعة يصرّون على النظر إليها من زاوية واحدة. لا يبدو أن العلاقة مع المدينة تهم أحداً. حتى أن رسالة خوري نفسه التحذيرية، قبل فصل الـ1500 عامل وعاملة، تحدثت عن خسائر قدّرتها بـ249 مليون دولار أمريكي، وهي خسائر سببها أن الطلاب سيدفعون بالليرة اللبنانية، مثل فواتير المرضى. ولكن في الوقت نفسه، جزء كبير من تكاليف التشغيل، ما زال يدفع وفقاً على سعر الصرف القديم. هناك مشكلة مادية في الجامعة يحتاج تحديدها إلى معطيات، ولكن ثمة مشكلة لدى محيط الجامعة وهي أكبر بكثير.

لا يمكن إنكار أن الجامعة الأمريكية، ومنذ فترة تسبق الانكماش في الاقتصاد اللبناني، وبسبب أقساطها وتركيبتها الطبقية، كانت عاملاً لارتفاع كلفة السكن. استغل المضاربون العقاريون ذلك في بيروت. العلاقة مع المدينة ليست مجرد عبارة عن بضع حانات يقصدها الطلاب، بل هي علاقة مع السكان أيضاً، الذين أخلى كثيرون منهم بيوتهم وغادروا خلال السنوات القليلة الماضية، بسبب ارتفاع كلفة الإيجارات.

يجب الإشارة طبعاً إلى أن الجامعة ليست وحدها مسؤولة عن المضاربة العقارية، فقد هُدمت المباني القديمة وظهرت أبراج في مكانها، وهُجرت مبانٍ لم يعد إليها أصحابها منذ الحرب. لكن، وحسب الدراسات، فإن كل شيء شُيّد كان يشيّد على مقاس الحياة التي تجري في الجامعة.

شقق كثيرة في محيط الجامعة كانت مخصصة للطلاب والعابرين والسياح: صغيرة دائماً ومفروشة، ومخصصة لتلبية حاجات مركز الاستقطاب الرئيسي. كان هذا قائماً قبل الحرب، لأن الجامعة كانت مركز الاستقطاب أيضاً. لكن أخيراً وبسبب عدم حماية السكان، ازداد التفاوت بين الشقق السكنية، كمؤشر إلى التفاوت بين طلاب الجامعة الأمريكية، وبين جزء من السكان في رأس بيروت.

اليوم، يبدو الفارق مرشحاً للاتساع. لطالما كانت هناك فوارق، ولم تكن اقتصادية دائماً. حتى أواخر القرن التاسع عشر، كانت الجامعة الأمريكية في بيروت ما زالت "الكلية السورية الإنجيلية"، وكانت لا تزال في زقاق البلاط. ومثلما حدثت تحولات كبيرة في زقاق البلاط، حدثت أيضاً تحولات في رأس بيروت. لا تكتسب الأمكنة هوياتها اقتصادياً وحسب، من دون فهم تلك العلاقة الطويلة مع المقيمين والعابرين. منذ وقت طويل، هناك علاقة "سياسية" أيضاً بين الجامعة وطلابها، وبين الجامعة وطلابها مع محيطها.

عبد الناصر بالإنكليزية

في مسح أجراه الباحث حليم بركات، في ربيع 1970، وشمل عيّنات واسعة من طلاب الجامعة الأمريكية في بيروت، ونشره في كتابهLebanon in Strife: Student Preludes to the Civil War، تبين أن 68% من الطلاب المسلمين في الجامعة حينذاك يعتبرون الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر قائداً لهم. أما بالنسبة إلى الطلاب المسيحيين، فإن نصفهم تقريباً، وعلى اختلاف جنسياتهم العربية، لم يضعوا عبد الناصر حتى بين الأسماء التي اقترحوها.

يعرف أبناء بيروت أن كل شيء في رأس بيروت تقريباً، ولفترة طويلة، دار حول صرح ضخم أقيم هناك، اسمه الجامعة الأمريكية في بيروت

وفي تحليله للنتائج، وفق شروط ذلك الوقت وضمن إمكاناته، خلص بركات إلى دلالة أساسية: تصاعد الراديكالية بين الطلاب. افترض الباحث أن هذه مؤشرات، ناتجة عن إدراك الطلاب أن التوجهات الثقافية في لبنان بدأت تشهد تغييرات حاسمة. وبالفعل، كانت هناك مواجهة بين مشروعين، يمكن الاستفاضة في إطلاق الأسماء عليهما. رغم كل شيء، كان هناك طلاب يرغبون بتغيير طبيعة النظام اللبناني، وطلاب محافظون.

بتحليل أكثر راهنية لتلك المعطيات، ومن دون الغرق في التصوّر الأسطوري اللبناني عما يسمّونه "التعايش" بين الطوائف، يبدو أن خيارات الطلاب في الجامعة، بالنظر إلى انتماءاتهم الدينية التي شكّلت دعامة الانتماء الطائفي في الحرب، كانت مثل خيارات الناس في وسط بيروت، ومثل خيارات الناس في لبنان عموماً. لم تكن معزولة أبداً عنه، وتأثرت بالمحيط، مثلما تركت فيه أثراً. كانت مختبراً حقيقياً، عندما كانت بيروت نفسها مختبراً.

فالجامعة التي انتفضت من أجل سايغون، لم تنتفض دعماً للثورة السورية، أو تعلن رفضها لمحاولات الاحتلال الإسرائيلي ضم أراض فلسطينية أخيراً. ولا يمكن أن نحسب بعض النشاطات التي تقيمها بعض الأحزاب السياسية إلا على أنها ترسيخ لقاعدة الرضوخ، وليس العكس. أما البحث في موقف إدارة الجامعة، وعلاقتها بأمريكا نفسها، فليس بتلك السهولة التي يتخيّلها كثيرون.

الاستشهاد بدراسة بركات عن عبد الناصر لا يعني أن نتائجها مطلقة، حتى في السياق التاريخي التي ترد فيه، أو أنها تكفي لتعطيل تأثيرات المناخ الليبرالي المحيط بالجامعة كمُنشأة ذات تأثير كبير في المحيط. ولكن، كما تخرّج جورج حبش من الجامعة الأمريكية في بيروت، فإن "حكيم" القوات اللبنانية (قائد المنطقة الشمالية فيها حينذاك، ورئيس هيئتها التنفيذية اليوم) التي كانت خلال الحرب معادية تماماً لكل المناخ "العروبي" و"اليساري" درس سنواته الأولى في الطب في تلك الجامعة، قبل أن تمنعه الحرب وانقطاع الطرقات عن متابعة دراسته.

هذه ليست مقارنة بين "حكيمين"، ولا بين "جيلين"، إنما هي للتأكيد على إمكانية قبول الجامعة لاتجاهات متعددة ضمن شروط محددة.

هذه مجرد محاولة لإيجاد مدخل، لفهم الحاضر السياسي، انطلاقاً من فهم الجامعة لنفسها، وفهم الآخرين لها. فالجامعة التي بدأت "تبشيرية" في تاريخها، إلى درجة أغضبت المسلمين والكاثوليكيين، صارت لاحقاً معقلاً لتخريج يساريين وعروبيين لم تعجبهم الكيانية اللبنانية من أساسها.

الآن اختلفت انتماءات وميول طلاب الجامعة الأمريكية عمّا كانت عليه في السابق. وهذا طبيعي لأن انتماءات وميول اللبنانيين اختلفت. ويحتاج تحليل كل هذه الظروف إلى فهم أوسع لآليات إنتاج المعرفة، وانحسار امتلاكها بطبقات معينة. على نحو ما، وبالنظر إلى محيط الجامعة، يمكننا الافتراض أن هذه الطبقات كانت دائماً في صراع مع الجامعة وحولها، لكن الجامعة كانت تنتصر دائماً في فرض شروطها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard