ثلاجات اللبنانيين فارغة وعيونهم على "اللقاء الوطني" في بعبدا

الأربعاء 24 يونيو 202002:32 م

طوال عدة أيام خلال الشهر الجاري، زار مصورو وكالة فرانس برس بعض منازل اللبنانيين في عدة مدن رئيسية، منها العاصمة بيروت وطرابلس وجُبيل وجونيه وصيدا، لرصد أثر الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد على قدرتهم على توفير أبسط الحاجات الأساسية: الطعام.

وثّقت عدسات الكاميرا الثلاجات شبه الفارغة تماماً، عدا المياه في كثير من المنازل، عاكسةً بالصور إلى أي مدى قاد تدهور الاقتصاد اللبناني إلى انهيار العملة المحلية والقوة الشرائية وترك شرائح كاملة من المواطنين تحت حافة الفقر والعوز.

ولفتت الوكالة إلى أن الكثير من اللبنانيين أضحوا عاجزين حتى عن ملء براداتهم بالخضر والألبان واللحوم، مبرزةً أن تداعيات الانهيار الاقتصادي، وهو الأسوأ منذ عقود، لم يستثنِ أي فئة اجتماعية.

وأشارت إلى موجة الغلاء غير المسبوقة التي تزامنت مع أزمة سيولة وشحّ في ضخّ الدولار، وخسارة عشرات آلاف اللبنانيين مصدر رزقهم أو جزءاً من دخلهم منذ الخريف. ونقلت عن جمعية حماية المستهلك غير الحكومية أن المواد الغذائية سجلت ارتفاعاً تجاوز 72% حتى أول أيار/ مايو الماضي، ويبدو أن الارتفاع في شهر أيار حتى اليوم قد يتجاوز 100% إضافية لو أخذنا انهيار العملة الوطنية معياراً أولياً لأسعار السلع والقيمة الشرائية للبنانيين.

ونبهت الوكالة إلى أن الأزمة، التي دفعت مئات الآلاف إلى النزول إلى الشارع منذ 17 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، مُلقين باللوم على الطبقة السياسية التي يتهمونها بالفساد والعجز عن إيجاد حلول للأزمات المتلاحقة، تفاقمت بفعل تدابير الإغلاق العام التي فرضها تفشي فيروس كورونا.

وأوضحت أن قرابة نصف السكان يعيش تحت خط الفقر وفق البنك الدولي، وأن عاملين ومتطوعين في منظمات إغاثية أكدوا أن عائلات كثيرة باتت عاجزة عن تأمين أبسط متطلباتها من خبز وطعام ودواء.

وأعرب ناشطون عن ألمهم جراء تفشّي "الجوع" بين الأسر اللبنانية، معتبرين أن هذه هي النتيجة الحتمية لـ"حكم المافيا". ووجه بعضهم رسالة إلى المسؤولين مفادها أن "ثلاجاتنا تلعنكم".

ثلاجات اللبنانيين فارغة من الطعام وعيونهم على "اللقاء الوطني" في بعبدا… لكن "النخبة السياسية تتصرف كما لو أنّ البلد لا يزال ينعم بهامش كبير من ترف المقايضة في أروقة الحكم والمعارضة"

"اللقاء الوطني" والحاجة إلى "ترميم الثقة"

يأتي التقرير الذي نشرته الوكالة الفرنسية، مساء 23 حزيران/ يونيو، فيما عيون اللبنانيين شاخصة إلى "اللقاء الوطني" أو "حوار بعبدا" الذي من المقرر أن يعقد في 25 حزيران/ يونيو، بدعوة من الرئيس ميشال عون إلى جميع عناصر المشهد السياسي في البلاد. والعنوان الرئيسي للحوار العتيد هو "وقف الفتنة ‏والحفاظ على السلم الأهلي"، وعلى هامشه مواضيع عدة مثل حماية الاقتصاد المتداعي والبحث عن آليات معينة لمقاربة وطنية جامعة تقي لبنان تداعيات عقوبات "قانون قيصر" الأمريكي الذي دخل حيز التنفيذ في الأسبوع الماضي ويستهدف النظام السوري وحلفاءه.

وبرغم إعلان العديد من القوى السياسية والتيارات الدينية عدم المشاركة، حسمت الرئاسة اللبنانية قرارها وأكدت انعقاده مدة ساعتين ظهر 25 حزيران/ يونيو.

وهناك مخاوف من أن يتحول اللقاء إلى مجرد نسخة ثانية باهتة من اللقاء الحواري السابق، الذي عقد في أيار/ مايو الماضي، وفشل في تحقيق هدفه: تأمين مظلة دعم وطنية لخطة الإنقاذ الاقتصادي التي أقرّتها حكومة حسان دياب.

التخوف من نسخ ما جرى في الحوار السابق يذهب أبعد من فشل اللقاء في تحقيق هدفه، إلى القلق بشأن تداعياته السياسية. ففشل الحوار السابق لحل الأزمة الاقتصادية أعقبه المزيد من الانهيار المالي الذي تمثل في الارتفاع الجنوني في سعر صرف الدولار.

أما فشل حوار "السلم الأهلي" المرتقب فإنه "ينذر بخطر داهم قد يتعرّض له هذا السلم في مرحلة الذروة المرتقبة للصراع السياسي والنقطة المفصلية المرتقبة في الأزمة الاقتصادية، وقد يؤدي الفشل إلى تثبيت اصطفافات سياسية جديدة من شأنها أن تفتح معارك سياسية من المؤكد أنّ لبنان اليوم في غِنى عن جبهاتها"، حسبما كتب نبيل هيثم في صحيفة "الجمهورية" اللبنانية.

لايف: "لبنان دخل مرحلة خطيرة جداً، وسيؤدي المزيد من التقاعس إلى عواقب كارثية طويلة الأمد (...) يجب تنفيذ خطة شاملة لإعادة هيكلة القطاع المالي، وتنفيذ إستراتيجية شاملة لإصلاح الكهرباء ووضع ضوابط رسمية على رأس المال"

على الرغم من ذلك يأمل لبنانيون أن يتم التوافق بشأن أمرين لا يحتملان أي تأخير هما: التدهور المتسارع للعملة المحلية ووضع لبنان في ما يتعلق بعقوبات "قانون قيصر".

وسجل الدولار رقماً قياسياً جديداً إذ بلغ ستة آلاف ليرة في السوق السوداء، فيما توقف سعره لدى الصرافين عند 3850 ليرة حداً أدنى للشراء، و3900 حداً أقصى للبيع. لكن الصرافة عبر الصرافين المعتمدين تفرض استيفاء بضعة شروط لعدة عمليات، منها دفع أقساط الديون وأجور العمالة الأجنبية.

وفقدت الدولة اللبنانية السيطرة على سعر الدولار لا سيما أن السوق الموازية أو السوق السوداء هي السوق الفعلية التي توفر للمواطنين 75% من حاجاتهم. وثمة شائعات تفيد بأن سعر الدولار قد يناهز التسعة آلاف ليرة في الأسبوع المقبل.

ويرى لبنانيون أن أزمة عدم القدرة على التوافق بين زعماء القوى المختلفة مرجعها أن "النخبة السياسية تتصرف كما لو أنّ البلد لا يزال ينعم بهامش كبير من ترف المقايضة في أروقة الحكم والمعارضة، التي تحوّلت إلى بازارات للمزايدات وتصفية حسابات على حساب الشعب اللبناني الرازح تحت نير الأزمة الاقتصادية".

وهم يعتبرون أن لبنان بحاجة ملحة إلى "ترميم الثقة" بين النخب السياسية، وبين هذه النخب والشعب، وبين لبنان والدول العربية والمجتمع الدولي، لا سيما مع إصرار "حزب الله" على ربط المسار اللبناني بالمسار السوري الذي يترنح تحت تأثير العقوبات الأمريكية. وهو ما يعتبره مواطنون كُثر مجازفة ذات عواقب كارثية.

ويتفاوض لبنان مع صندوق النقد الدولي أملاً في الخروج من أزمته في غمرة تكهنات باحتمال رفض الصندوق المساعدة لأسباب عديدة، أبرزها فوضى القطاع المصرفي وتضارب الأرقام الرسمية وغياب الشفافية وعدم الثقة في صرف الأموال لمستحقيها.

وأبدت "الجمعية الدولية للاختصاصيين الماليين اللبنانيين" (LIFE) قلقها "تجاه القصور في تحقيق أي تقدم في مسيرة الإصلاح الاقتصادي في لبنان، وبخاصة أن الشلل في تطبيق السياسات الإصلاحية يأتي في ظل التسارع الواضح في الانهيار الاقتصادي والمالي، بالإضافة إلى تعثر المفاوضات مع صندوق النقد الدولي".

وحذرت من أن "لبنان دخل مرحلة خطيرة جداً، وسيؤدي المزيد من التقاعس إلى عواقب كارثية طويلة الأمد من شأنها أن تدمر التماسك الاجتماعي والوطني الهش في البلد. لذلك، نحث جميع الفرقاء على إظهار التزامهم تنفيذ تدابير تحقق الاستقرار اللازم. لقد نفد الوقت بالنسبة إلى لبنان".

ودعت إلى "تنفيذ خطة شاملة لإعادة هيكلة القطاع المالي، وتنفيذ إستراتيجية شاملة لإصلاح الكهرباء ووضع ضوابط رسمية على رأس المال".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard