بعد حذف صفحة التعريف بسارة حجازي… كيف تُدار "ويكيبيديا العربية"؟

الثلاثاء 23 يونيو 202008:02 م

في خطوة جديدة تعزز الانتقادات بـ"فرض الوصاية والانحياز ضد الأقليات"، أقدم محررو ويكيبيديا العربية على حذف مقالٍ تعريفي بالناشطة الحقوقية والكويرية المصرية الراحلة سارة حجازي بداعي مخالفته معايير الموسوعة وتحديداً "الملحوظيّة" أي مدى شهرة المُعرّف به.

وسلّط مجد الشهابي، الناشط في مجال المعارف الحرّة والمفتوحة والمتخصص في الخرائط والأرشيفات، في تغريدة عبر حسابه في تويتر، الضوء على حذف التعريف بسارة على "ويكي العربية"، مبرزاً أن النسخة الإنكليزية من الموسوعة أضافت إلى مقالها عن الراحلة قسماً خاصاً بـ"ردود الفعل السلبية في الدول العربية" لتوضيح ملابسات حذف المقال العربي.

 وأوضحت لرصيف22 بكريّة مواسي، الناشطة الثقافية في عدة مجالات والفاعلة في حركة "ويكيميديا" العالمية، أن "حذف المقالة العربية عن سارة جاء إثر تصويت بعد ترشيح المقالة للحذف بادعاء أن سارة وقضيتها لا تستوفيان معايير الملحوظيّة، وأن الحديث حولها هو مجرد ‘فقاعة إعلامية‘ قد تموت عاجلاً أو آجلاً"، لافتةً إلى أن "التصويت تنوع. هناك من أيّد بقاءها وهناك من نادى بحذفها".

وقضت سارة، التي اعتقلت وتعرضت للتحرش والتعذيب والتشويه والتحريض الإعلاميين، عام 2017، عقب رفعها "الرينبو" في حفلة لفرقة مشروع ليلى اللبنانية بالقاهرة، قضت قبل عدة أيام منتحرةً بعد معاناة مع الاكتئاب في غربتها، ودفنت في 22 حزيران/ يونيو في كندا.

"انحياز" و"خوف من الآخر"

واعتبرت مواسي الحذف "خطوة غير منصفة ومنحازة في منصة مفتوحة المصدر، يُفترض بها أن تمثل مجتمعات ومجموعات مختلفة وقضاياهم. ويكيبيديا موسوعة ليست للترويج بالطبع، ولكن لا يخفى على أحد أن سارة حجازي اسم يتم تداوله منذ موقعة الرينبو عام 2017 وهي حادثة مفصلية في الحراك المثلي المصري والعربي عموماً، كما أنها ناشطة سياسية اجتماعية. تم تجاهل النقاش الذي شارك فيه ويكيبيديات/ ون وويكيميديات/ ون وفحواه، وحُذفت المقالة".

وقال الشهابي لرصيف22: "كل ويكيبيديا تعكس المجتمع الذي تنتمي له، والويكيبيديا العربيّة ليست استثناء. تدل عمليّة الحذف هذه على عدّة أشياء، أوّلاً أن مجتمعنا (العربي) لا يعترف بوجود النساء فاعلات في مجتمعنا، وفوق ذلك لا يعترف بأن الجنس يمكن أن يكون لأي غرض غير التناسل. الحجج المؤيّدة للحجب تجنّبت بمهارة نقاش التحيّز ضد النساء والأقليّات، وتذرّعت بمعايير الملحوظيّة، التي وٰضعت بشكل منحاز. طبعاً كان من الواضح أن المحرّرين (وأغلبيّتهم رجال) لم يقرأوا التعليقات التي طرحناها لإبقاء المقالة. وجرت إضافة تنويه في أعلى الصفحة تحذّر الناس من المشاركة برغم أن صفحة سياسة الحذف تطرح بوضوح أن النقاش ليس اقتراعاً، وبالتالي أعداد المشاركين/ات في التصويت ليست مهمّة، ومع ذلك، ‘صوّتوا‘ لمصلحة الحذف". 

بذريعة أنها "ليست ملحوظة بالقدر الكافي" وأن قضيتها قد تكون "فقاعة إعلامية ستخفُت عاجلاً أو آجلاً"، حذف محررو "ويكيبيديا العربية" مقالاً يعرّف بسارة حجازي. هل يعكس هذا السلوك جانباً من سياسات إدارة الموسوعة العالمية؟

وكان المحرر والصحافي وليد حوري أكثر حدةً في انتقاد الخطوة، فكتب عبر حسابه في فيسبوك: "محررو ويكيبيديا باللغة العربية بدل ما يكونوا عم بيشجعوا على بناء مخزون معرفي متوفر للناس، قرروا حذف مقال عن سارة حجازي بكل بساطة لأن المشرفين على هيدا المجتمع بيفضلوا الجهل والتجهيل والكُره والإكراه"، متسائلاً: "كيف ممكن مجتمع يخاف من الاختلاف لهيدي الدرجة يكون عنده مستقبل؟".

وأضاف: "مخجل أنه هناك مقالات عن سارة بعشر لغات بس ما في مقال عنها بالعربي. مخجل أنه الناس القيّمين على موسوعة هم ناس ما يهمهم نشر المعرفة بس آرائهم الشخصية وخوفهم من الآخر. مؤسف أن شخصية (يقصد سارة) ساهمت بنشر وعي سياسي وصارت رمز لقضايا وللحظة تاريخية ولجزء مهم من المجتمع ما يكون إلها وجود على ويكيبيديا بلغتها لأن في مجموعة رجال مرعوبين وكارهين ومسيطرين على موسوعة من أهم المراجع للمعرفة بالعالم".

مآخذ على ويكيبيديا

أكد الشهابي أن هناك مآخذ عديدة على أداء جميع نسخ الموسوعة الشهيرة مثل "الانحياز ضد الأقليّات وأن كل ويكي تعكس المجتمع الذي تخدمه". ويذكر مآخذ أخرى أكثر التصاقاً بالنسخة العربية وأبرزها أن "كل تعديل لازم يتفلتر (أي يراجع من قبل المحررين بعكس النسخة الإنكليزية) بالمعايير تبعهن، يلّي هن بيعتبروها حياديّة، لكن هي بشكل واضح بتطبيقها أبداً غير حياديّة".

ورأت مواسي أن كل نسخة من ويكيبيديا "مكونة من فريق من المحررين يعمل بشكل تطوعي على تحسين الموسوعة والحفاظ عليها من التخريب، والتأكد من معيارية اللغة وهيكلية المقالات. هذا لا يعني أن صورة ويكيبيديا العامة وردية، فهناك فجوات ملموسة في تمثيل مجموعات مختلفة على الويكيبيديات المتعددة".

وتابعت: "من خلال هذا النشاط، يحظى المستخدمون بصلاحيات تخولهم اتخاذ قرارات. وهناك هرمية لهذه الصلاحيات تُمنح للمستخدمين وفق نشاطهم وجودة هذا النشاط. ويكيبيديا العربية تمتاز بكثرة القراءات وضحالة المساهمة فيها (نسبة إلى عدد الناطقين باللغة) في صفوف مواطني/ات الإنترنت ومنتجي المعرفة باللغة العربية. تُطرح نقاشات عديدة في الموسوعة بجميع اللغات، وأكثرها شيوعاً نقاشات ‘الملحوظيّة‘ التي تجري وفق معايير وضعها المجتمع الويكيبيدي".

بكريّة مواسي لرصيف22: "غياب التنوع بين محرري ويكيبيديا وقلة عددهم أمر مؤسف. آن الأوان لتوضيح هذه المعايير بدقة من دون ضبابية، وإعادة النظر في السياسات المعتمدة لتلائم حاجة ‘الموسوعة الحرة‘ إلى تنوع المحتوى وتنوع المحررين على السواء"

أزمة تنوع أم "جهل"؟

أما حوري فاعترف أن هناك أزمة حقيقية في حجم المعرفة وجودتها على النسخة العربية من ويكيبيديا، مقارناً "اللغة العربية بيحكيها حوالي الـ270 مليون بشري، اللغة السويدية بيحكيها حوالي 10 مليون. الويكيبيديا باللغة العربية فيها مليون مقال والويكيبيديا باللغة السويدية فيها 3.7 مليون مقال".

واستطرد: "في فقر معلوماتي حزين… في شي مؤسف ومعبّر ومحزن بواقع الثقافة والمجتمع العربي وهو حجم المعرفة المتوفرة للناس على الإنترنت (وخارجه). كمية الجهل والمعلومات المغلوطة المتوفرة بالعربي مخيفة وكمية الكراهية المتفشية مخيفة أكثر".

في هذا الإطار، أشارت مواسي إلى أن "ويكيبيديا منصة مفتوحة للجميع. هذا لا يعني أن المسألة مفهومة ضمناً. من المهم مراعاة قواعد الكتابة الموسوعية، والاستناد إلى مراجع موثوق بها والحرص على صدق المعلومة وعدم انحيازها. لكن بسبب غياب التنوع، فإن الكتابة في ويكيبيديا تُشبه حقل ألغام. وهذا ينطبق على أجواء التحرير في ويكيبيديات أخرى".

ونبّهت إلى أن الجدل بشأن سارة ليس الأول، مبيّنةً أنها "صادفت الكثير من الحالات المشابهة، من بينها مقالة إسراء غريّب إذ نوقشت في حينه لو كانت القضية تستحق التوثيق في الموسوعة".

وأضافت: "ويكيبيديا منصة شفافة وكل النقاشات فيها متوفرة للفرجة. السؤال: كيف نحول محطة المعرفة الأولى التي يزورها مئات الملايين من القراء شهرياً إلى مكان رفيق وودود يستقبل قضايا مجموعات مختلفة، ومهمشة، ولا يتم إنصافها وتمثيلها كما يجب؟".

في النهاية، شددت مواسي على أن "غياب التنوع بين المحررين وقلة عددهم في الموسوعة أمر مؤسف. آن الأوان لتوضيح هذه المعايير بدقة من دون ضبابية، وإعادة النظر في السياسات الموجودة لتلائم حاجة ‘الموسوعة الحرة‘ إلى تنوع المحتوى وتنوع المحررين على السواء".

وهذا ما عدّه الشهابي "مشكلة جذريّة في ويكيپيديا، وحلّها يجب أن يكون جذرياً"، شارحاً: "تسعى مؤسّسة ويكيميديا العالميّة إلى بناء سياسة ضد المضايقات التي تتعرّض لها النساء ومجتمع الميم، ويفترض أن تُنشر هذه السياسة قبل نهاية العام. لكنّها ليست كافية، ونحتاج لعدد أكبر من المساهمين/ات في الموسوعة، لأن تصبح ويكيبيديا متنوّعة بقدر تنوّع مجتمعاتنا".

"ميزة ويكيبيديا الكبرى أنّها قيد الإنشاء طوال الوقت، ولن تكتمل أبداً، لأنّنا لن نصل إلى حصر كل المعرفة الموجودة في هذا الكون. من الواضح أن ويكيبيديا ليست مجتمعاً مثالياً، لأن مجتمعاتنا ليست مثاليّة، لكنّنا نحبّها برغم كل ذلك، ونحرص عليها كما نحرص على بلادنا. كل شيء قيد الإنشاء"، ختم الشهابي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard