اتهامات للنهضة بتحريكها... لماذا تتصاعد الاحتجاجات في مدينة تطاوين التونسية؟

الاثنين 22 يونيو 202008:48 م

لليوم الثاني على التوالي، شهدت مدينة تطاوين، جنوبي تونس، اشتباكات بين قوات الأمن ومحتجين على تدهور الوضع الاقتصادي في البلاد، في مشهد أثار مخاوف من احتمال انتقاله إلى مدن أخرى، في ظل تزايد معدل البطالة مع توقف حركة الإنتاج إثر أزمة تفشي فيروس كورونا.

وأطلقت قوات الشرطة التونسية، الاثنين 22 حزيران/يونيو، الغاز المسيل للدموع على المحتجين الذين قاموا بإضرام النار في إطارات مطاطية وألقوا بها وسط الطريق، بينما دعا الاتحاد العام للشغل إلى إضراب عام في المدينة للتعبير عن "رفض استعمال العنف المفرط وغير المبرر" ضد المحتجين.

وأشار محللون إلى أن حركة النهضة الإسلامية برئاسة راشد الغنوشي تقف خلف هذه الاحتجاجات كي تُحرج الرئيس قيس سعيّد الذي يزور فرنسا حالياً.

لماذا اندلعت الاحتجاجات؟ 

اندلعت شرارة الاحتجاجات عقب اعتقال شخص من مجموعة من المعتصمين في مدينة تطاوين يطالبون الحكومة بتنفيذ اتفاق تم إبرامه عام 2017، يقضي بتوظيف عدد من الشباب في شركات نفطية تستثمر في المنطقة.

وكان الناشط المعتقل ضمن المحتجين الذين نصبوا منذ أسابيع الخيم في اعتصام مفتوح في المدينة، بعدما أغلقوا الطريق أمام الشاحنات التابعة للشركات التي تستثمر في استخراج النفط والغاز في منطقة الكامور، والتي شهدت مواجهات بين المحتجين وقوات الأمن عام 2017 عُرفت باسم أحداث "اعتصام الكامور".

وتم التوصل قبل ثلاث سنوات إلى الاتفاق بوساطة من الاتحاد العام التونسي للشغل، وقضى بتوظيف 1500 شخص في "شركة البيئة والغراسات" الحكومية، ألف منهم في عام 2018، و500 مطلع عام 2019.

وقضى الاتفاق كذلك بتخصيص مبلغ 29 مليون يورو لصندوق التنمية والاستثمار في تطاوين سنوياً، فيما يؤكد المحتجون أن الحكومة لم تلتزم بتنفيذ بنود الاتفاق، لذا عادوا للاعتصام مرة أخرى.

وفي بيان لها حول أحداث تطاوين، أعلنت وزارة الداخلية التونسية أن مجموعة من الأشخاص عمدت "إلى محاولة الاعتداء على المقرات الأمنية في المدينة بواسطة الزجاجات الحارقة مولوتوف، ما أجبر الوحدات الأمنية على اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية هذه المقرات واستعمال الوسائل المتاحة قانونياً في مثل هذه الوضعيات".

وقال والي المنطقة عادل الورغي إن الاحتجاجات اندلعت بعد اعتقال ناشط "مطلوب لدى العدالة"، مضيفاً "منذ أكثر من شهر والطرقات مغلقة وخيم الاعتصامات وسط الطريق وهذا خارج عن القانون".

في المقابل، أوضحت صفحة "تنسيقية اعتصام الكامور"، وهي إحدى المنصات الإعلامية للمحتجين في تطاوين على موقع فيسبوك، أن "ما يحدث الآن في المدينة من استعمال مفرط للقوة لا مبرر له وعواقبه ستكون وخيمة".

وأكدت التنسيقية في تعليق على فض الاعتصام بالقوة أن "الدولة القوية العادلة لا يمكن أن تتصرف هكذا، ترويع الأهالي والإفراط في استخدام القنابل المسيلة للدموع والايقافات هنا وهناك ما كان لها أن تحل الإشكال بل ستزيد الوضع احتقاناً، وسوف يتطور نحو الأسوأ ويبدو أننا سنعود إلى المربع الاول".

وقالت في منشور آخر: "منذ 2011 انطلقت صيحات من أفواه المكبوتين تنادي بصوت الحرية… لكن اليوم في 2020 شهدت تونس الدولة المدنية الديمقراطية غياباً كاملاً لمعنى الحرية".

اندلعت شرارة الاحتجاجات عقب اعتقال شخص من المعتصمين في تطاوين لمطالبة الحكومة بتنفيذ اتفاق عام 2017 الذي قضى بفتح باب التوظيف في شركات نفطية تستثمر في المنطقة... محللون يقولون إن "النهضة" تقف وراء الاحتجاجات لإحراج الرئيس

وتابعت: "في ولاية تطاوين منذ الصباح إلى حدود هذه الساعة لم تنقطع المواجهات بين الدولة البوليسية والشعب التطاويني، ومن يرى الذخائر الهائلة من مسيل الدموع يستغرب فقر الدولة"، مضيفة أن "كل المسؤولين، وكل من له سلطة أو مكانة داخل هذه البلاد لم يحرك ساكناً… الكل مساند لحركة القمع".

وتتعرض تونس لضغوط قوية من صندوق النقد الدولي لتجميد الأجور في القطاع العام للحد من عجز الميزانية، بينما يعاني اقتصاد تونس من أزمة حادة منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في عام 2011، إذ ارتفعت معدلات البطالة والتضخم إلى مستويات غير مسبوقة.

وقال صندوق النقد الدولي إنه من المتوقع أن ينكمش الاقتصاد التونسي بنسبة ‭‭‭ ‬‬‬4.3%عام 2020، تحت تأثير أزمة فيروس كورونا في أسوأ ركود منذ عام 1956.

دعوة للإضراب

في أول رد فعل على أحداث تطاوين، دعا فرع الاتحاد العام التونسي للشغل في المدينة إلى إضراب عام، اليوم الاثنين 22 حزيران/يونيو، معبراً عن "رفضه لاستعمال العنف المفرط وغير المبرر" ضد المحتجين.

وعلّقت "تنسيقية اعتصام الكامور" على هذه الدعوة، قائلة: "نعلن نحن أعضاء تنسيقية الكامور رفضنا لهذا الإضراب ما لم يردف له إضراب شامل بالحقول النفطية مع وقف الإنتاج".

وتابعت: "في خضم كل هذه الأحداث يخرج اتحاد الشغل ببيان يدعو فيه إلى إضراب عام تغلق فيه المتاجر والمقاهي و كل ما يعطل مصلحة المواطن من مؤسسات وإدارات عمومية".

وقالت التنسيقية :"اعتصامنا منذ البداية كان سلمياً و في كل خطوة نخطوها أخذنا بعين الإعتبار مصلحة البلاد و العباد، لم نرد تعطيل سير المؤسسات العمومية و الخاصة، لم نرد تعطيل مصلحة المواطن البسيط.... أردناها درساً لمن يريدون الركوب على الأحداث و تشويه اعتصامنا الخالي من كل دسائس وأبعاد سياسية قذرة".

إحراج الرئيس

من جانبه، قال المحلل السياسي التونسي حسان القبي إنه يستبعد انتقال هذه التظاهرات إلى مدن أخرى، لأن هناك كتلة سياسية وهي حركة النهضة، تقف خلف الاحتجاجات وتتحكم في مداها. 

وقال القبي إن هدف هذه الاحتجاجات واضح وهو إحراج الرئيس قيس سعيّد الذي زار المدينة عقب فوزه ووعد الشباب بالعمل حين استقبل وفداً منهم في قصر الحكم وتعهد بتلبية مطالبهم.

تصاعدت الأحداث في مدينة تطاوين تزامناً مع زيارة الرئيس قيس سعيّد لفرنسا حيث من المقرر أن يلتقي نظيره إيمانويل ماكرون، بينما شاعت في اعتصام الكامور وبين أبناء تطاوين أخبار عن نية الرئيس منح النفط لشركات فرنسية

واعتبر القبي، في حديثه لرصيف22، أن اشتعال الموقف يتزامن مع زيارة سعيّد لفرنسا حيث من المقرر أن يلتقي بنظيره إيمانويل ماكرون، لافتاً إلى أن هناك من أشاع في اعتصام الكامور وبين أبناء تطاوين أن الرئيس سوف يمنح النفط للشركات الفرنسية.

من جانبه، كتب النائب في مجلس النواب عن تطاوين بشير الخليفي، على صفحته الرسمية عبر فيسبوك، رسالة لتهدئة المحتجين، قال فيها: "نحن في تواصل دائم مع أعضاء الحكومة المعنيين و سيكون هناك مجلس وزاري مخصص لتطاوين خلال اليومين المقبلين تطرح خلاله هذه الأحداث واتفاق الكامور وقرارات الحكومات السابقة التي لم تنفذ وسنحمل المسؤوليات".

وأضاف الخليفي الذي ينتمي لكتلة حركة النهضة: "نحن ندعم دعماً غير مشروط مطالب أهلنا في تطاوين في تنمية عادلة و تمييز إيجابي في الانتفاع بخيرات أرضنا التي حرمنا منها".

وفي مطلع الشهر الجاري، كتب الخليفي على صفحته متهماً الرئيس التونسي بعدم تلبية مطالب شباب تطاوين، قائلاً :"في أحد أيام الشتاء، في أوج البرد وبعد أيام من الاعتصام في الولاية، شد أبناء تطاوين الرحال إليك طالبين تطبيق اتفاق الكامور… استقبلتهم كأحسن ما يكون واستمعت إليهم ووعدتهم بتطبيق الاتفاق وأكدت أن مطالبهم شرعية. وها هي الشهور والوعود ظلت وعوداً".

وسخرت صفحة تنسيقية اعتصام الكامور من تصريحات سابقة لسعيّد حين قال: "يا أهلنا في تطاوين إنتم تريدون التنمية… هنيئاً لكم لأنكم أنتم من تريدون"، مضيفة "وهنيئاً لكم الغاز الجميل ذي الرائحة العبقة وتنمية ستكون مسيلة للدموع".

وغرّد الكاتب التونسي محمد نعيم واصفاً تعامل الشرطة مع الاحتجاجات بـ"الاعتداءات الوحشية غير المسبوقة لدولة البوليس على الشعب الأعزل"، مضيفاً "قوات الأمن تمطر الأحياء والحواري والمنازل بقنابل الغاز المسيل للدموع... والنتيجة اختناق الأهالي وتعريض حياتهم للخطر وخاصة من كبار السن".

في هذا السياق تضامن عدد من التونسيين على مواقع التواصل الاجتماعي مع المحتجين، مستنكرين تعامل الشرطة العنيف مع المتظاهرين.

وقال الناشط محمد قاسم في تغريدة له: "الثورة من جديد... ثورة من أجل الشغل والكرامة الوطنية، ثورة الشباب العاطل تنطلق الآن من تطاوين جنوب تونس".

وقالت التونسية نجاة الغديري في تغريدة لها: "ما حدث في تطاوين من فض عنيف لاعتصام الكامور السلمي والاعتداء على الشباب وإثارة الاحتقان بالجهة، لا يليق بائتلاف حاكم، جانب من مكوناته قوى ثورية ناضلت ضد القمع البوليسي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard