ما هي المدينة البئيسة؟

الثلاثاء 23 يونيو 202011:01 ص

منذ أكثر من ألفي عام، كان أفلاطون يتحدث عن "الجمهورية" التي تُحقّق أحلام البشرية في الأمن والعدل والحق واحترام الناس ورعاية حقوقهم الأخلاقية، ثم ما فتئ الفلاسفة منذ ذلك الحين يتحدثون حول تلك "المدينة الفاضلة" كما أسماها الفيلسوف الإسلامي الفارابي. وتطورت تلك الأحلام الفلسفية حتى حاولت مشاغل التنوير الأوروبية أن تجعلها من أولوياتها عبر الدولة المدنية الديمقراطية، والتي كانوا يرونها من أفضل ما أنتجه العقل الحديث عملياً وسياسياً، فتحدّث جان جاك روسو عن العقد الاجتماعي، وجون لوك عن الدولة المدنية، وأسّسوا لما يسمّيه تشارلز تيلور، بالخيال الاجتماعي الحديث الذي يحلم بشكل معيّن للمجتمع والدولة والمدينة، ويبني عليها تصرفاته وأفعاله، ويكون هذا الأمل دافعاً للعمل والتأليف والتفلسف والنضال.

بعد الحربين العالميتين، بدأ اتجاه فلسفي غربي مختلف، اتجاه مصدوم من نتائج أفكاره، وفزِع من تلاشي حلمه بالمدينة الفاضلة التي يحلم الإنسان بها، من خلال التقنية علمياً والديمقراطية سياسياً والحداثة فلسفياً والحرية والمساواة اجتماعياً، فكل تلك العناصر الناشئة من الفكر الغربي نفسه ولّدت الاستعمار والنازية والفاشية والشيوعية، والآن الشعبوية، وأشكالًا مختلفة عمّا كان يحلم به فلاسفة المدينة الفاضلة.

القواعد التأسيسية لتلك المدينة الفاضلة أو الحلم، بنت بالفعل ديمقراطية ومعرفة علمية وتقنية غير مسبوقة، وتقدماً في المجال الصناعي، وبنت أشياء كثيرة، لكنها أيضاً أنتجت أسوأ أشكال الحروب البائسة والأسلحة النووية والكيماوية

القواعد التأسيسية لتلك المدينة الفاضلة أو الحلم، بنت بالفعل ديمقراطية ومعرفة علمية وتقنية غير مسبوقة، وتقدماً في المجال الصناعي، وبنت أشياء كثيرة، لكنها أيضاً أنتجت أسوأ أشكال الحروب البائسة والأسلحة النووية والكيماوية، وأنتجت تقنياً أشكال التجسّس والمراقبة وصنوف اختراق المجال الخاص وأدق خصوصيات الناس في بيوتهم ومأكلهم ومشربهم، وأنتجت الاضطراب الأخلاقي وفقدان البوصلة، لدرجة أنك تجد الآن رؤساء الدول الديمقراطية الكبرى عبارة عن شخصيات شعبوية تبرر العنصرية وتبرر التعذيب وتبرر القمع، شخصيات لا يمنعها من الاستبداد والقمع التام، إلا أنظمة البلد والفصل بين السلطات ونظام الضوابط والتوازنات ووجود برلمانات وإعلام حر يمارس الرقابة بكل صلافة وقوة، ويدافع عن المجال الإعلامي بكل شراسة.

وهنا، ومع مخلفات الحرب العالمية الثانية من البؤس والحرمان والظلم والفساد، وتلك الدول والمدن الكئيبة التي بدأت تنفض آثار الحرب عن كاهلها، برزت أفكار فلسفية مختلفة، ناقدة للفكر ذاته ومطورة له، ونازعة لتخويف الإنسان من فقدان المدينة الفاضلة بأحلامها.

هنا بدأ فلاسفة السياسة والأخلاق باتجاه مسار متشائم ومتحفّظ ومتخوّف جداً، واتخذوا طريق التخويف من المدينة الظالمة، وبدأت نزعة تميل للتحذير والتخويف من هذا المستقبل المخيف عوضاً عن التبشير بمدينة فاضلة أو يوتوبيا، ولذلك، جاء طرح نظرية "المدينة البئيسة" أو "اليوتوبيا السلبية"، كما أسماها إريك فروم.

إريك فروم تحدث عن وجود تلك اليوتوبيا السلبية في العقل الغربي عبر تصاعد أبخرة الحروب الحديثة ومخلفاتها، فالفلاسفة والأدباء المتشائمون من المستقبل -كما يرى- كادوا أن يفقدوا الأمل بذلك الحلم الفلسفي القديم، لذلك بدأوا يخوّفون البشرية من يوتوبيا سلبية أو "مدينة بئيسة"، كما يمكن تسميتها، مقابل "المدينة الفاضلة" التي تحدث عنها الفارابي وبشّر بها في القرن الرابع الهجري.

إريك فروم يقرأ رواية "1984" لجورج أورويل بهذا الإطار، فهي رواية كتبها أورويل عام 1948، أي بُعيد الحرب العالمية الثانية تماماً، تحدّث فيها عن تطور التكنولوجيا الحديثة حسب ما كان يتوقع، وفي نفس الوقت اتجاه تلك التقنية والتكنولوجيا لخدمة الشر الذي يقدم نفسه للعالم على أساس أنه الحقيقة المطلقة التي لا تقبل النقاش، لدرجة أن الناس كلهم يؤمنون بالتكنولوجيا إلا بطل الرواية الذي أوشك أن يصاب بالجنون، إلا أنه في نهاية المطاف يقتنع بما يقتنع به الآخرون ليقول بأن 2+2=5.

"الأخ الأكبر"، الحزب الوطني الحاكم في هذه الرواية، يفرض سيطرته على كل شيء، يعيد تعريف كل الحقائق لتناسب ما يريده ذلك الحزب الحاكم، ويستخدم كل التقنية الحديثة وتعقيداتها، لصناعة الشعب وتنميطه بشكل مخيف جداً، وضمن هذا الإطار يستخدم "الأخ الأكبر" التقنية الحديثة والمال للتجسس على مواطنيه ومراقبة تصرفاته، ويزرع شاشات كبيرة في المعامل والبيوت والأماكن العامة والخاصة لتقديس "القائد الملهم الاستثنائي" الذي يراقب كل كبيرة وصغيرة.

بكل وضوح: الروائيون والأدباء والفلاسفة كانوا ينظرون للمستقبل من خلال الحرب العالمية التي خرج العالم منها، والذي يتوقعون فيه المزيد من التكنولوجيا والتقنية، وفي ذات الوقت المزيد من الظلم العالمي الذي يمارس انتهاك الحقوق والحريات وأبسط أبجديات الحياة باسم المصلحة العامة، المزيد من التقنية المستعملة لصالح الشر والفساد والظلم والاستبداد.

لذلك ليس غريباً أن أكثر المنتجات والتقنيات تطوراً وحداثة تستخدم لأشنع حالات البشرية رعباً وقتامة، تستخدم لصالح تعبيد الناس وتدجينهم وتحويلهم لآلات رخيصة، ولطبول مشقوقة وأبواق رخيصة... وهذه هي المدينة البئيسة!

ولذلك في هذا الإطار، تجد أن تلك النبوءة صدقت، حينما نرى أن أبئس الأنظمة وأسوأها في العالم والشرق الأوسط، تستخدم أكثر التقنيات تقدماً لممارسة الاغتيالات والتجسس على المواطنين ودعم الاحتلال والظلم والاستبداد، وتتعاون فيما بينها وتتبادل الخبرات، لا لأجل التقدم الشعبي والتنمية، بل لأجل تبادل خبرات القمع والرقابة على الشعوب واختراقات الأجهزة والجوالات، التقنية المسخَّرة لخدمة التطبيل والتبعية والاستبداد والاستعمارات الجديدة.

لذلك ليس غريباً أن أكثر المنتجات والتقنيات تطوراً وحداثة تستخدم لأشنع حالات البشرية رعباً وقتامة، تستخدم لصالح تعبيد الناس وتدجينهم وتحويلهم لآلات رخيصة، ولطبول مشقوقة وأبواق رخيصة... وهذه هي المدينة البئيسة!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard