"أخاف أن أكون نسخة عن أمي"... هل نعاني من فوضى الإنجاب؟

الاثنين 22 يونيو 202012:43 م

لارا، شابة في السابعة والعشرين من عمرها، تعمل في الإدارة في إحدى الشركات العالمية في عمّان، تتحدث بصراحة عن عدم رغبتها في الإنجاب أمام عائلتها وأقاربها ومحيط الأصدقاء، فتقول: "لم أكن يوماً من المهووسين بالأطفال، وفكرة الاعتناء بطفل لا تروق لي إطلاقاً، حتى أطفال المقرّبين مني أتجنّبهم، لا بال طويل عندي لملاحقتهم والتودد إليهم، أنا امرأة مكتملة الأنوثة، وأحب كوني امرأة، وأبحث عن شريك حياة يشاركني حياتي، وهذا لا يتنافى مع شعوري تجاه الأطفال".

تواجه لارا في كل مرة تتحدث فيها عن الأمر هجوماً من عائلتها، وخصوصاً والدتها التي تعدُّ صراحة ابنتها مخالفة للفطرة، وتتسبّب في تأخير زواجها، إلا أن لارا تدافع عن رأيها من مبدأ الوضوح والصراحة وعدم الرغبة في خديعة أحد.

"يرفض المجتمع الوضوح ويحبّ الخديعة"، المرأة لا تكتمل إلا بالإنجاب"، جمل تسبّبت في معاناة ملايين الأطفال حول العالم، أمهات تخلين عن مسؤولياتهن في التربية، أو اعتمدن أساليب العنف السامة في التربية، انتقاماً من أطفال لا ذنب لهم إلا أنهم أتوا، عكس رغبة الأمهات الحقيقية، فقط من أجل التماشي مع المجتمع والحصول على وسام استحقاق لقب أمّ.

المرأة لا تكتمل إلا بالإنجاب"، جملة تسبّبت في معاناة ملايين الأطفال حول العالم، أمهات تخلين عن مسؤولياتهن في التربية، أو اعتمدن أساليب العنف السامة في التربية، انتقاماً من أطفال لا ذنب لهم إلا أنهم أتوا، عكس رغبة الأمهات الحقيقية

أما ريتا، وهي امرأة لبنانية متزوجة من سويدي وتعيش في دبي، في الخامسة والثلاثين من عمرها، فتدافع عن قرارها بعدم الإنجاب وتقول: "قبل أن نتفق أنا وزوجي على الزواج تحدّثنا في فكرة الإنجاب، وإذا ما كنا فعلاً بحاجة للإتيان بطفل جديد إلى هذا العالم المنهك بقلّة الموارد والانفجار السكاني والتدهور المناخي. نحن نحب الأطفال، ولكن نجد في فعل الإنجاب أنانية، في الوقت الذي يملأ الأطفال المشرّدون الشوارع في البلدان النامية، لقد اتفقنا على التبني إن زادت رغبتنا بطفل، بالإضافة أننا نجد حياتنا مكتملة حالياً".

سمر، فتاة أردنية عانت من عنف أمّ متسلطة ومن عائلة مفكّكة، تقول: "لقد عانيت من علاقة سامة مع أمّي استمرت حتى اليوم، بالإضافة للعنف اللفظي والجسدي، فقد كانت أمّي تحاول التقليل من شأني بكل الطرق، تسخر مني ومن شكلي ومن شعري الأجعد، لقد كبرت امرأة فاقدة الثقة في نفسي، لا أعرف إن كنت حقاً أستطيع تجاوز الماضي والبدء من جديد بتأسيس عائلة، النموذج الذي كان أمامي في منتهى السوء، وأخاف أنْ أكون نسخة عن أمّي حتى وأنا مدركة لسوء فعلها".

ما زال الحديث عن جدوى الإنجاب في العالم العربي مستهجناً، وغير مقبول، إذ إن الغالبية الساحقة تعدُّه ضرورة للحياة ومغزى من الزواج، من الصعب القبول بفكرة أن يتزوّج رجل وامرأة من أجل الحب وأن يتشاركا أفكاراً أخرى وأهدافاً مختلفة، كالعمل والسفر والأعمال التطوعية والخيرية التي لا يجد الآباء والأمهات وقتاً لها بسبب مسؤولية رعاية الأطفال الكبرى، حيث يبدأ السؤال عن الحمل في الشهور الأولى من الزواج، ما يشكّل ضغطاً كبيراً على المتزوجين، ويتسبّب تأخير الحمل بمشاكل أسرية وتدخلات عائلية قد تنتهي بالطلاق.

في إحدى مجموعات الفيسبوك، تسأل شابة عن أطباء عقم ولم يمض على زواجها سبعة أشهر، وشابة أخرى منهكة من محاولات الإنجاب عن طريق أطفال الأنابيب، تشتكي من وزنها وصحّتها من آثار الإبر والهرمونات، وفي وسط كل هذه الفوضى الإنجابية، وعلى جروب آخر متخصص بسيدات مطلّقات، أجمعت أغلب النساء فيه على بدء المشاكل التي أدّت للطلاق بعد إنجابهن لطفل أو أكثر، بسبب نفور الزوج من البيت وتهرّبه من مسؤوليّاته، وتعب الزوجة وشعورها بعدم التقدير، ما يضعنا أمام أسئلة كثيرة حول ما إذا كان الإنجاب نابعاً من رغبة حقيقية لدى الطرفين، أو أنه فعل لا إرادي ارتبط بالزواج، وعلى الجميع الامتثال للكتيّب المعدّ مسبّقاً من المجتمع الذي يحدّد مهامّ الجميع، معتبراً أن رغبات الأفراد متطابقة.

ما زال الحديث عن جدوى الإنجاب في العالم العربي مستهجناً، وغير مقبول، إذ إن الغالبية الساحقة تعدُّه ضرورة للحياة ومغزى من الزواج، من الصعب القبول بفكرة أن يتزوّج رجل وامرأة من أجل الحب وأن يتشاركا أفكاراً أخرى وأهدافاً مختلفة، كالعمل والسفر والأعمال التطوعية والخيرية 

تقول الدكتورة رضوى فرغلي، وهي استشارية علاج نفسي وعضوة في الجمعية المصريّة للتحليل النفسي والجمعية الأمريكيّة لعلم النفس: "ثقافتنا هي واحدة من عدّة ثقافات في العالم، تنظر للإنجاب على أنه الهدف من الزواج، فتأخيره هو تعطيل لهذا الهدف، كما أن تأخيره يهدّد فحولة الرجل وقدرة المرأة على الأمومة أمام المجتمع، فإذا كان أحد الطرفين هشّاً أمام الضغوط المجتمعية، فقد يسبّب هذا حالة قلق وتوتر من الطرف الأكثر تضرّراً وهو غالباً المرأة، خصوصاً إذا كانت هي سبب التأخّر، لأنها قد تواجه الطلاق أو الزوجة الثانية، بما أن الخيارات متاحة للرجل بذلك، أما إذا كان السبب في التأخر من الرجل، فترضى غالباً المرأة بنصيبها حتّى ينصفها المجتمع ويضعها في باب 'الأصيلة'، لكنه في كل الأحوال خيار صعب بالنسبة لها، أن تضحّي بأُمومتها وتحد كبير لأي علاقة زوجية".

وفي سؤال عمّا إذا ممكن أن يكون الإنجاب فعلاً أنانيّاً، أجابت الدكتورة: "نعم، الإنجاب فعل أناني إذا فرضه أحد الطرفين على الآخر دون رغبة منه، أو إذا كان اتّخاذ القرار على الرغم من تأثيره الصحّيّ على الأمّ، في بعض الحالات التي يؤثّر فيها الإنجاب سلباً على صحّتها، كما أنه فعل أناني إذا كان أحد الزوجين أو كلاهما، غير قادر على القيام بدوره نفسياً وعاطفياً، أو في حال عدم مقدرة الزوجين مادياً واجتماعياً، وعلى الرغم من ذلك يقرّران الإتيان بالأطفال، لأنه فعل اعتيادي ومن دون أي التزام نفسي وأخلاقي تجاه الأطفال".

وتتابع: "الإنجاب أيضاً فعل أناني عندما تكون عدم المقدرة عليه من أحد الطرفين سبباً في أن يرميه الآخر بشكل مهين، ليحصل على شريك آخر يحقّق له الهدف، وكأن الزواج وسيلة لتحقيق رغباته وليس شراكة حقيقية، في هذه الحالات المتضرّر غالباً هو المرأة، لأنها لا تملك الاعتراض على شيء محلّل شرعاً وقانوناً، وإن كان جارحاً ومؤلماً للغاية".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard