"يا ريت أموت"... عن صوت الآخرة في مدينة ملوي أو مهنة "المنادي"

الأحد 21 يونيو 202002:57 م

"يا أهالي ملوي الكرام.. توفي إلى رحمة الله.. فلان الفلاني.. سليل عائلة كذا.. وقريب علان بيه ونسيب.."، يقول "المنادي" قبل أن يختم الخبر بالجملة التي يعرفها كل سكان ملوان، مدينة في محافظة المنيا في صعيد مصر، "والدفنة شرق"، وشرق تعني "الجبانات الشرقية" في "البرشا"، و"دير البرشا" من أبرز وأقدم المدافن الأهلية في مصر.

عرف أهالي المدينة عم محمد عبده، كأقدم وأبرز "منادي" في مدينة ملوي، ولذلك بدأ حديثه معي، بعدما التقطت معه صورة، قائلاً: "الناس بتشوبر مني"، (يشوبر باللهجة الصعيدية بمعنى يتشاءم).

"كلنا حنموت والناس بتتشاءم"

"إنهم يتشاءمون مني، كلما شاهدوني أو جاءت سيرتي، يتمتمون. وجهي يذكرهم بالموت.. صوتي.. عربتي.. ولكن هل يمكن أن ينسى البني آدم الموت، وينتظرني أنا فقط لأذكره به؟ ما كلنا ها نموت.. يا ريت أنا أموت"، يقول "المنادي" عم محمد، وهي مهنة يختص صاحبها بإذاعة أخبار النعي، ومواعيد وأماكن العزاء، إلى جانب الأشياء المفقودة، أو الأطفال التائهة.

كنا قد وصلنا إلى شارع "مطرانية ملوي للأقباط الأرثوذكس"، المغلق بحواجز من الخرسانة والسياج الحديدي، عرفت أن عم محمد بدأ مهنته قبل اغتيال الرئيس المصري أنور السادات، بأشهر قليلة، بداية الثمانينيات من القرن الماضي.

يتذكر محمد أنه لازم بيته آنذاك، ولم يخرج، وكانت مكبرات الجيش المصري، والإذاعة هي من تتولى أمر إعلان مواعيد حظر التجوال، وملوي تحديداً كانت من أخطر الأماكن في مصر وقتها، فقاتل السادات هو خالد الإسلامبولي، ابن مدينة ملوي.

"إنهم يتشاءمون مني، كلما شاهدوني أو جاءت سيرتي، يتمتمون، وجهي يذكرهم بالموت، صوتي، عربتي، ولكن هل يمكن أن ينسى البني آدم الموت، وينتظرني أنا فقط لأذكره به؟ يا ريت أنا أموت"

أربعون عاماً قضاها عم محمد "المنادي" في مهنته، التي يقول إنه أول من طور في تفاصيلها، يطوف مدينة ملوي العريقة، ذات الثماني وثمانين قرية تابعة لها، بطول شرق وغرب نهر النيل، في محافظة المنيا جنوب مصر.

أكثر من عشرة "حناطير" غيَّرها عم محمد طوال الأربعين عاماً، لا تصمد عربات الحنطور أكثر من 5 سنوات لو كانت جيدة، بسبب سوء حالة الشوارع في مدينة ملوي كبيرة المساحة.

لا يعلم عم محمد أن غيره من زملاء المهنة في بعض الأحياء الشعبية في القاهرة طوّروا الأمور لأبعد من ذلك، حيث باتوا يستخدمون "التوك توك" بدلاً من الحناطير، بحسب تقارير منشورة.

أول عربة حنطور

يتذكر عم محمد أول عربة حنطور اشتراها منذ أكثر من ربع قرن، بعدما ادخر ثمنها من عمله طوال خمسة عشر عاماً سابقة، كان فيها يؤجر الحنطور والحصان و "العدة"، وهي عبارة عن بطارية موصولة بمكبر صوت، يضعه عم محمد بجواره، بالإضافة إلى "الحديدة"، وهو الميكرفون الذي يمسكه عم محمد في يده، يردّد ما كُتب له في الورقة.

يضيف عم محمد: "عكس ما يحدث الآن طبعاً (في إشارة إلى الصمت الذي يخيم على إعلان الوفيات)، في ظل تفشي فيروس كورونا وإعلان الحظر طوال ثلاثة أشهر ماضية".

شارك عم محمد مع "بندر" ملوي، ورجال المركز في تبليغ الأهالي، وأصحاب المحلات بمواعيد الحظر المقررة، وبالطبع يفعل ذلك مجاناً و"لوجه الله"، وحتى مسألة الأجر في مهنته يقول إنها "تقديرية": "فيه اللي يدفع خمسين أو مائة أو حتى خمسمائة جنيه"، ولا يطلب عم محمد أجراً بعينه، ولا ينظر للمبلغ الذي وضع في يده، لاسيما في حالات الوفيات.

"أتطوع بإبلاغ الناس مواعيد الحظر المقررة".

أشار عم محمد إلى قصر عبد المجيد سيف النصر باشا، الذي كان عن يسارنا، وقال: "تعرف إن خُط "مجرم" الصعيد، المحاكمة بتاعته كانت في القصر ده من مائة عام".

لم يعرف عم محمد "باشوات ملوي بتوع زمان"، في إشارة إلى الطبقة الثرية في العهد الملكي قبل "ثورة" يوليو 1952، لكنه عاش، ولف، وجال في شوارع مدينة الباشوات، قبل أن تهدم قصورها وتباع أراضي مصانعها.

"أغلب الراحلين من كبار عائلات ملوي، ناديت على جنازاتهم وحزنت عليهم.. شباب زي الورد، وكبار موتهم كان يحدث صدمة، نساء، ورجال".

"إحساسنا بالموت اتغيّر"

يرى عم محمد أن شعور الناس بالموت تغير مع الزمن، يقول: "زمان كانت الناس بتهتم بالموت والعزاء، وكان له جلال كده، اقعد اقرأ في ورقة طويلة، القرائب والنسايب والمعارف، ويظل العزاء والصوان 3 أيام على الأقل".

أما مقارنة بهذه الأيام، يوجز عم محمد نظرته لرصيف22 قائلاً: "العزاء قاصر على تشييع الجنازة"، واختفت مظاهر العزاء الأخرى في كثير من مدن وقرى مصر، والغريب أن ذلك يحدث في الصعيد، أصحاب أشهر عادات الجنازات وطقوسها منذ قديم الأزل، وذلك مع انتشار تحريم مظاهر العزاء والجنازات من قبل التيار السلفي المتعمق جذوره في بعض قرى وصعيد مصر.

ينصح عم محمد حفيده كريم (11 عاماً)، بضبط سلك البطارية جيداً، قبل أن يقول: "أنا مش أول منادي في ملوي، لكن أنا أول واحد يجيب جهاز وعدة وحنطور للمهنة".

قبل عم محمد كان يلف "المنادي" الشوارع على قدميه، أو على ظهر حمار، ينادي بحسه الجهوري على المفقودات: معزة ضائعة، بهيمة شاردة، طفل تائه، وحتى أخبار الوفيات والعزاء.

ويضيف عم محمد بلهجة تنمّ بالفخر لمهنته: "أنا أيضاً لست تخصص وفيات، ما فيش افتتاح لمحل ولا فرح أو حتى عروض التخفيضات للمحلات التجارية والجزارين إلا ويحتاجوني، بس برضه أنا بفكرهم بعزرائيل، أو الحانوتي اللي بنشوفه في أفلام إسماعيل يس".

"ميت اشتكاني للشرطة"

كانت المرة الأولى التي يضحك فيها عم محمد وتظهر أسنانه، أو ما تبقى منها، وقال فجأة: "مرة زمان، واحد جاني البيت الصبح اداني ورقة وفلوس وقال لي فلان مات، لف ملوي والعزاء الساعة كذا في بيتهم، وطلع في الآخر واحد عايز يعمل مقلب في صاحبه".

لا ينسى عم محمد هذا اليوم، بعدما اشتكاه الميت الحي للشرطة، وكان سيقضي ليلته في "الحجز" لولا تفهم الضباط لما حدث، وضحكوا معه، ونصحوه أن يحصل على صورة من البطاقة الشخصية لأي شخص يريد المناداة على حالات الوفاة تحديداً.

لم يرث عم محمد المهنة من أحد أفراد أسرته، ولم يكن "سائق حنطور"، فهو لا يعمل في توصيل الزبائن، ولا يسمح لأحد بركوب الحنطور، ولا يوجد أحد من أحفاده الكثيرين يريد أن يصبح "منادياً"، حتى كريم الذي يساعد جده بعد إغلاق المدارس وتوقف الدراسة في مصر بسبب إجراءات الحظر لمنع تفشي فيروس كورونا.

قبل عم محمد كان يلف "المنادي" الشوارع على قدميه، أو على ظهر حمار، ينادي بحسه الجهوري على المفقودات: معزة ضائعة، بهيمة شاردة، طفل تائه، وحتى أخبار الوفيات والعزاء

"أنا أيضاً لست تخصص وفيات، ما فيش افتتاح لمحل ولا فرح أو حتى عروض التخفيضات للمحلات التجارية والجزارين إلا ويحتاجوني، بس برضه أنا بفكرهم بعزرائيل، أو الحانوتي اللي بنشوفه في أفلام إسماعيل يس"

يعلم عم محمد أن مهنة "المنادي" أوشكت على الانقراض، فربما يكون هو "المنادي" الأخير في ملوي، من يدري؟ فقد ساهم التطور والتكنولوجيا في انتشار الأخبار بشكل جنوني، لكنه لا يعلم تاريخ مهنته هذه في مصر، والتي يصفها الباحث  إسلام إبراهيم عامر في دراسة له، أنها " من أقدم المهن في مصر، وفي مصر القديمة، وكان هناك أكثر من منادي، فهناك منادي الملك، وهو الشخص الذي ينادي باسم الملك قبل دخوله ومنادي الوزير، أو أحد الموظفين في الدواوين للنظام، ، خلاف منادي الأخبار للعامة.. وكانت الوظيفة تعتبر إحدى الوظائف الإدارية في الدولة، ويقوم بها أحد رجال الأمن.. وتطورت بشكل كبير، حتى وصلت إلى الشكل الحالي".

"المنادي في مصر القديمة كانت مهنة متطلّبة، وسعى لها كثيرون".

ويشير عامر في دراسته  التي نشرتها مجلة يصدرها اتحاد الأثريين العرب، إلى متطلبات مهنة "المنادي"، حيث كانت تشترط على صاحبها أن يمتلك حسّاً جهيراً، وكان منادي الأخبار قديماً يمتطي دابّة، يجول بها الشوارع لإذاعة أوامر الملك وقراراته، وفي الدولة المصرية القديمة كان دورها هاما، وسعى إليها كثيرون، كما تشير البرديات القديمة.

ترى كيف تكون جنازتك يا عم محمد، وماذا تريد أن يقول "المنادي" تلميذك في وداعك؟

أوبخ نفسي بيني وبينها، كيف جرؤت على التفكير في سؤال كهذا: "أنا آسف يا عم محمد"، يبتسم الستيني الهادئ لبائع يشاكسه في شارع "مسجد العرفاني" صائحاً: "مش ها نسمع خبرك قريب"، في إشارة إلى خبر وفاته.

ربما السيجارتان اللتان أشعلناهما سوية زادت من درجة الود بيننا، فقلت له ما يدور في بالي، قال وكأنه يحفظ الإجابة، ويستعد لها منذ زمن: "لا أريد لجنازتي أية مظاهر، فقط عربة حنطور تلف ملوي من شرقها لغربها، بحري وقبلي، وينادي المنادي ويقول: انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء، العبد لله محمد عبده المنادي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard