الفنانة السورية أسماء الفيومي "خارج اللوحة"

الأحد 21 يونيو 202006:29 م

يأتي هذا المقال عقب تغطية رصيف22 للملتقى الثقافي الثالث والعشرين الذي أجري عبر الانترنت من خلال مؤسسة بارجيل للفنون التي أسسها في الشارقة منذ 2010 رائد الأعمال الإماراتي سلطان سعود القاسمي المهتم بالشأن الثقافي والفني. الملتقى، الذي استضاف الفنانة السورية أسماء الفيومي، يوم أمس في 20 يونيو، حمل عنوان "أسماء فيومي خارج اللوحة"، وحاور فيه سعود القاسمي الضيفة بحضور عدد من الفنانين التشكيليين ومتابعي الفن وأصحاب المعارض الفنية والصحفيين.

"أسماء فيومي خارج اللوحة" 

استمدت إلهاماً من قول نصير شورى أن "الفن مثل حبيب مدللّ، إذا تركته يتركك"، وعلمها ناظم الجعفري الجدية في العمل، من ياسر الزيات تعلمت أن ترسم "بعيون مغمضة"... أن ترسم من أعماقها، ومن لاريجينا تعلمت أن "اللون موسيقا" وأن "الفن كأوراق التين، وإن تشابهت، فلكل واحدة بصمتها الفريدة".

عن أسماء فيومي نتحدث، الفنانة التشكيلية السورية التي تدين لأساتذتها بكل الحب والعرفان، ويدين المشهد الفني العربي، عموماً، والسوري على وجه الخصوص لفنها بانتقالها به من الأنماط الحداثية إلى المنهجيات المعاصرة. لأسماء، وأبرز مفاصل حياتها وعملها، نفرد مقالنا اليوم.

عن الحرب والمرأة ودمشق الألوان... ماذا قدمت الفنانة السورية أسماء الفيومي خلال نصف قرن من الفن المعاصر؟

البدايات، والبحث عما هو مختلف

ولدت أسماء الفيومي في العاصمة الأردنية عمان في عام 1943، لتعود مع عائلتها إلى دمشق بعد سنوات قليلة، حيث أمضت كامل سنوات دراستها. أسماء، التي كانت محاطة بالفن والثقافة في طفولتها، ومدفوعة باهتمام والديها ومديرة مدرستها الثانوية ليلى الصباغ بموهبتها الفنية، حلمت بالسفر إلى إيطاليا لدراسة الفن التشكيلي، تروي لنا في "الملتقى الثقافي":

"كنتُ أمضي ساعات في الغرفة المخصصة للرسم في المدرسة الثانوية التي دعمتني مديرتها بكل الأدوات اللازمة لمشاركتي في المعارض المدرسية، وكانت تشجعني للسفر إلى إيطاليا لإتمام دراستي الفنية".

 كما تدربت على يد رمزية زنبركجي، أول مدرسة للتربية الفنية في ثانوية البنات بدمشق، قبل دخولها إلى قسم التصوير في كلية الفنون الجميلة، بعد إحداثها، بجامعة دمشق، وتتلمذت على عدد من الفنانين السوريين إضافة إلى الفنان الإيطالي لاريجينا الذي عمل كمدرس زائر في الكلية محدثاً مدرسة جديدة في الفن التجريدي السوري. لتصبح الفيومي عام 1966، بعد خمس سنوات من الدراسة، من أوائل خريجات الدفعة الثانية من الكلية.

وفي السنة نفسها أقامت معرضها المنفرد الأول في صالة "الفن العالمي الحديث" بدمشق للفنان محمد دعدوش، والذي عرضت فيه لوحات من مشروع التخرج، بالإضافة إلى 20 لوحة أخرى تنتمي للمدرسة التجريدية، أثارت اهتمام الجمهور الفني في سوريا: "لطالما سئلت ما هذا؟"، تقول أسماء، "وكنت أجيب، لا يستهويني الفن التوضيحي، أراه شبيهاً بكتب الأطفال، لذا أبحث دائماً عما هو مختلف".

الحرب... عامل حاسم في التحول

عندما اندلعت الحرب عام 1967، كان رواد الفن التشكيلي السوري لا يزالون في بداية حياتهم المهنية مثل إلياس الزيات (1935)، نذير نبعة (1938)، غسان السباعي (1939)، ليلى نصير (1941)، أسعد عربي (1941)، وأسماء الفيومي؛ لتقع على عاتقهم مسؤولية تحويل منهجيات فن الرسم إلى أشكالها المعاصرة.

شكلت تداعيات هزيمة حزيران عاملاً حاسماً في التحول المفاجئ لأسماء الفيومي إلى البنى والأساليب التعبيرية التي ميزت أعمالها، لتجسد الانعكاس النفسي للواقع الأليم من خلال عوالمها الرمزية التي استعرضت عبرها مشاهد الخراب

غير أن النتائج غير المتوقعة للحرب، واستمرار التدهور للوضع السياسي السوري حال دون سير هذه العملية بسلاسة، الأمر الذي استدعى من هؤلاء تحقيق مهمتهم ضمن أطر موضوعية أخرى. هذا عنى، كما تشير  الناقدة الفنية ميمنة فرحات في مقالها "التخريب والتجديد في لوحات أسماء الفيومي"، تضمين المؤثرات العالمية بهدف تخطي حدود الفن الإقليمي، الذي ركز بمعظمه على منهج تقليدي في اختيار الموضوعات وتصويرها آنذاك.

أسماء الفيومي، التي دخلت المشهد الفني السوري بأسلوب تجريدي، مسترشدة بدراستها في كلية الفنون الجميلة بدمشق وبالضرورات الاجتماعية لعصر شكلت لبنه أهوال الحرب، كانت تداعيات هذه الحرب عاملاً حاسماً في تحولها المفاجئ إلى البنى والأساليب التعبيرية التي ميزت أعمالها. حيث تجسد الانعكاس النفسي للواقع الأليم من خلال عوالمها الرمزية التي استعرضت عبرها مشاهد الخراب. نجد شاهداً على هذا في لوحتها "رثاء المدينة" (1968) التي تصور "الوقع الكارثي" لهزيمة النكسة على حد تعبيرها: "كان لدينا فخر ببلادنا واعتقاد راسخ بأنها لا تهزم". والألوان القاتمة في خلفية اللوحة ليست إلا دلالات على المدن المدمرة بفعل الحرب، والوجه المكسور في اللوحة واليد التي تحمل طفلاً، يرمزان إلى قهر الإنسان العربي ومحاولته النجاة بما تبقى لديه.

العمل في مبنى الإذاعة والتلفزيون

وأمضت أسماء عاماً في دراسة الخزف، اتجهت بعدها للعمل في التلفزيون السوري بإعداد خلفيات وتترات للأعمال الدرامية. وهناك تعرفت إلى المخرج التلفزيوني غسان جعبري، الذي يعد من مؤسسي التلفزيون السوري ومن أوائل من اشتغل بالدراما التاريخية في المنطقة العربية. وتزوجا عام 1972 لترافقه في مشواره الفني الطويل،ويصبح داعماً لمسيرتها العملية حيث قامت بتصميم ديكورات الأستوديوهات التي صور فيها أعماله الدرامية.

أسماء: كنت أصطحب أبنائي سومر وزيد إلى مرسمي القريب من المنزل لنرسم نحن الثلاثة ونناقش لوحاتنا معاً

تذكر أسماء أن عملها في التلفزيون بلغ ذروته حين نفذت ديكورات الأعمال التاريخية مثل انتقام الزباء، إرث الدم، طرائف أبو دلامة وغيرها. واعتمدت في عملها على قراءتها لسيناريو العمل بتمعن، ودراسة فن العمارة الدارج في الحقبة التي يرصدها المسلسل، كي تكوّن "قاعدة تاريخية وثقافية يقوم عليها عملي بشكل صحيح" بحسب تعبيرها. ففي مسلسل طرفة بن العبد، مثلاً اعتمدت في الزخارف طريقة شبيهة بالمنمنمات الفارسية رسمتها على القماش لاعتبارات تتعلق بإضاءة اللقطة وجماليتها على الكاميرا. وفي مسلسل "طبول الحرية" (1983)، واحد من خمسة أعمال صورت في أثينا، تخبرنا أسماء أنها نفذت ديكوراته كاملة من الخشب وحده.

عملت الفنانة أيضاً في تصميم ملابس الأعمال التلفزيونية التاريخية لمسلسلي "اليتيم" (1987) و"العبابيد" (1997)، والتي اعتمدت فيها قراءة تاريخية لأزياء تلك المرحلة، وتنفيذاً دقيقاً يبدأ بالرسم وشراء الأقمشة الملائمة وينتهي بإشرافها بنفسها على خياطتها. كانت تعمد أيضاً إلى قراءة النصوص في تصميمها لبروشورات لبعض المسرحيات مثل "مغامرة رأس المملوك جابر" التي عرضت على مسرح نقابة الفنانين (1970)، ومسرحية "رقصة العلم" (1989) التي قدمها المسرح الوطني الفلسطيني برعاية منظمة التحرير الفلسطينية. صممت أيضاً غلاف رواية "شرخ في تاريخ طويل" (1977) للروائي هاني الراهب.

دمشق... احتفال لونيّ

بقيت موضوعات الحرب طاغيةً على أعمال الفيومي، وظهرت في مراحل متعددة، ففي لوحة "دمشق" (1970) عمدت إلى إظهار تأثرها بالمشهد الدموي من خلال لطخات بالأحمر استخدمتها في مواضع محددة تدرجت فيها من الناري شديد الاتقاد نحو القاتم الدموي والمقيت. نراه أيضاً في لوحة "أيلول الأسود" (1970) التي رسمتها متأثرة بمقتل الفدائيين في عمّان لحصان يحمل أطفالاً موتى في تضاد صارخ بين الأبيض والأحمر، السلام والدم.

ولأنها سعت في أعمالها إلى دعوة المشاهدين للتفاعل عاطفياً مع إبداعها، اعتمدت أسماء على إعادة اختراع التراكيب وتصويرها فقط من خلال الألوان وضربات الفرشاة. كلوحاتها الشعبية لدمشق القديمة التي تستخلص فيها جوهر الشوارع الشهيرة في المدينة بدلاً من تصوير طبيعي لها، وهي تقنية كانت رائدة وجديدة في الفن السوري. "رسمتُ دمشق كما أراها"، تقول أسماء، "إنها حفلة من الألوان، دمشق هي البيئة التي نتنفس منها". وهذا ما يبرز في لوحات مثل "الحارة الشامية" (1978) التي تبدو ي تدرجاتها اللونية التي تبدأ بالأحمر نحو البنفسجي وانتهاء بالأسود أشبه بليل دمشق الصيفي في إحدى حاراتها الشعبية.

أسماء الفيومي لملتقى بارجيل الثقافي: في لوحاتي كنتُ أحطم الوجوه في سبيل البقعة اللونية، الفن التجريدي يعني أن نرسم ثم نحطم لتخترع أسلوبنا

نساء الفيومي

بالنسبة لها، التجريد يعني التدمير وإعادة بناء وتشكيل كل عنصر من عناصر الصورة، لذلك سعت الفيومي جاهدة لرؤية روح الأشياء. وظهور المرأة البارز في أعمالها ليس استثناء لهذه الرؤية. فبدأت بأسلوبها الجريء تدمج الأنماط التعبيرية في لوحاتها لتجعل من الشخصيات النسائية تشكيلات مجازية قوية في تراكيبها التصويرية.

تتسم بألوان أقل حدة وأكثر دفئاً مثل الأزرق، لكن لا تحمل مطلقاً الرمزية الغربية للون الأزرق (feeling blue) والتي تعني الحزن والاكتئاب، وإنما ينطلق الأزرق عند الفيومي إلى آفاق سماوية بكل تدرجاتها اللونية ونرى هذا حاضراً في لوحة "المرحلة الزرقاء" (1996). كما تسبغ لوحتها "نساء في الأزرق" (1999) على الأنثى سمات الاتزان والسكينة والثقة والعمق المستمد من البحار. كما تتميز نساء الفيومي بالعيون العميقة والتي تتسع على عوالم الروح.

لكن المرأة عند الفيومي لا تنحصر في الألوان ورمزيتها وإنما تتعداها حيث تسبر أغوار النفس البشرية قبل الغوص بالأزرق الكبير. حيث صرحت أن "المرأة شغلي الشاغل حتى في أدق التفاصيل، المرأة عالم كبير هائل، يمتلك مخزوناً عظيماً من الجمال، ويقدم للآخر كل حالات الحب والتضحية. كثيرا ما قدمت عوالم تخصها، وكنت حريصة فيها على تقديم ما هو عميق ومؤثر، يشرح أسباب معاناتها، ويحاول مداواة جراحها".

وتشير الفيومي إلى أن تفاعلها مع الوضع السياسي والاجتماعي العام بعد نكسة حزيران جعلها تطور مفاهيم ودلالات رمزية جعلتها ترى دمشق أنثى والقدس أنثى في ثيمة المرأة/الأرض. كما عمدت إلى استلهام شخوصها النسائية من الأساطير المحلية التي تبرز فيها المرأة كمحور أساسي مثل عشتار.

أدافع عن وطني بالألوان

تستمد الفيومي إبداعها الفني من القضايا التي تشغل الوطن الأم أي الوطن حيث تعبّر عن كل ما يشغلها قضايا عربية على القماش الأبيض المشدود أمامها، فقد جسدت مجزرة قانا بلوحة تحمل الاسم نفسه (1998)، من خلال وجوه أطفال تتلبسها أوراق الصبار التي تحمل رمز القسوة والألم. كما نجد القدس جزءاً لا يتجزأ من المشهد التصويري لديها في لوحة "احتضان القدس" (2002) مدللة على أهمية ومركزية القضية الفلسطينية عندها.

لعل الحرب الماثلة بقوة في الأعمال الحديثة للفنانة السورية أسماء الفيومي هي نتاج حروب الـ48 و 56و67 و73 التي عايشتها خلال حياتها، وطبعاً الحرب السورية اليوم، إلا أنها تؤكد دوماً أنها من الجيل الذي تربى على القومية العربية وأن حبها للوطن العربي بكافة بقاعه وانتماءها الشديد لأرضه وشعبه ترسخ في عملها الفني: "هذا وطننا العربي، ندافع عنه بلوحة؟ أقل ما يمكن!".

وإن كان معرضها "أدين بدين الحب"، دمشق 2018، لم يشذ عن قاعدة التجلي الأنثوي في معظم أعمالها، لكن بدت هنا النساء منهكات وقد أضنت عيونهن سنوات الحرب تنظرن بحرقة نحو المشاهد، بحدقاتهن المتسعة علها تلتقط شعاع أمل. وجوه نسائية مخضبة برعاف الحرب المستمرة يغلب عليها، كما على اللوحة، الشحوب وطبقات من السواد المتدرج نحو الرمادية الكتيمة تُكمم منتصف الوجوه لطخات حمراء حادة، في ثنائية فريدة من جمال العيون وانفتاحها على الحياة وقبح الموت والألم.

حققت الفيومي إنجازاً نسوياً فريداً قطف ثماره جيل كامل من الفنانات السوريات، في وقت كانت المرأة السورية تبحث فقط عن مخرج من السلطة الذكورية

دمغت لوحات أسماء الفيومي، على مدى نصف قرن، وجدان الكثيرات. وكان لها تأثير جوهري على الفن النسوي السوري المعاصر. فقد عبّدت طريقاً حافلاً بألوان جرأتها أمام الفنانات السوريات اللاحقات، وحققت إنجازاً نسوياً فردياً قطف ثماره جيل كامل من الفنانات، في وقت كانت المرأة السورية تبحث فقط عن مخرج من السلطة الذكورية. ربما عاصرت أسماء، الفنانة والمرأة والمواطنة العربية، أوقاتاً عصيبة خلال أكثر من سبعين عاماً من الأحداث المصيرية في المنطقة، لكنها تركت تأثيراً أغنى تجربتها الفنية والإنسانية، فهي رغم تأثرها بالمدرسة التجريدة لم تتجرد يوماً عن حمل هموم أقرانها وتجسيدها بقوة في لوحاتها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard