زهراء "خانم" اليوسف... ماذا نعرف عن سيدة سوريا الأولى؟

الثلاثاء 23 يونيو 202012:52 م

في مطلع العام 1919، زار وفدٌ من سيدات دمشق قصرَ المهاجرين المُطل على العاصمة السورية، لتهنئة سيدته الجديدة، الأميرة حزيمة بنت ناصر، زوجة حاكم البلاد، فيصل بن الحسين. كانت حديثة العهد في دمشق، قادمة مع زوجها من مدن الصحراء العربية. لم تنحن رئيسة الوفد زهراء "خانم" اليوسف، أمام الأميرة الحجازية الشابة، كما كانت تفعل نساء إسطنبول في حضرة زوجات السلاطين، ولم تتعامل معها على أنها امرأة حاكمة، فلم يكن أهالي دمشق يعرفون أي ملكة أو سيدة أولى في تاريخهم الحديث، ولو كان في دمشق أميرات، لكانت زهراء أحقهن بهذا اللقب، فهي ابنة باشا وحفيدة باشا وكنّة باشا، إضافة لكونها شقيقة أمير وزوجة رئيس.

الخانم... السيدة الأولى

كل نساء الولاة العثمانيين كانوا غائبين تماماً عن أي ظهور، لا يخرجون من قصورهن بتاتاً، وتوقعت الأميرة حزيمة أن يسري عليها ما سرى على أسلافها من السيدات، لكنها تفاجأت بلباس ضيفاتها، فجميعهن كن سافرات الوجه، علماً أنها استقبلتهن بغطاء الرأس التقليدي الذي كانت ترتديه في مكة، ظناً منها أنه فرض عين في مدينة عرفت بقداستها، ولقبت بشام "شريف" أيام الحكم التركي.

تبين لها أن جميع هؤلاء السيدات كن متعلمات، يجدن القراءة والكتابة، وبعضهن يتقن الفرنسية، وأن لهن حياتهن الاجتماعية الخاصة في الأندية والجمعيات، لا تتعارض مع واجباتهن المنزلية والعائلية. حدثنها عن أنفسهن وعن عائلاتهن وعن مدينتهن. لم تُدرك زهراء اليوسف يومها أنها ستقف في ذات المكان وفي نفس الموقف، بعد ثلاث عشرة سنة، عند انتخاب زوجها، محمّد علي العابد، كأول رئيس للجمهورية السورية سنة 1932.

قليلة هي المعلومات عن زهراء اليوسف، سيدة سورية الأولى، ليس فقط من حيث المنصب، بل من حيث تسلسل السيدات الأول في بلادها.

كانت من عائلة أرستقراطية ذات أصول كردية، جاءت إلى سورية قادمة من ديار بكر، في جنوب شرق تركيا، مطلع القرن التاسع عشر. أدت زهراء خانم دوراً هاماً في إنشاء الجمعيات الأهلية، وكان لها نشاط بارز في منظمة الصليب الأحمر الدولية وفي جمعية نقطة الحليب، وهي وحدها بين السيدات الأولى في سورية الحاصلة على وسام الاستحقاق السوري، ليس من زوجها بل من خليفته في قصر الرئاسة، الشيخ تاج الدين الحسني. ورثت مالاً وفيراً عن جدها المباشر، شمدين آغا، وعم جدها الأكبر، أسعد باشا العظم، ودارت العالم مع زوجها، متنقلة بين دمشق، إسطنبول، واشنطن، لندن وباريس. كانت هذه السيدة الدمشقية حالة فريدة بين قريناتها، جلست مع قادة العالم، من الرئيس الأميركي ثيودور روزفلت إلى سلطان مصر حسين كامل، وشقيقه الملك فؤاد الأول.

وتوفيت بصمت في إحدى مستشفيات دمشق عام 1971، بعد ثلاثة عقود على رحيل زوجها. 

شكلت زهراء حالة فريدة بين قريناتها فكانت أول سيدة تحصل على وسام الاستحقاق السوري والوسام المذهب من الصليب الأحمر، كما أنها جلست مع قادة العالم، من الرئيس الأميركي ثيودور روزفلت إلى سلطان مصر حسين كامل، وشقيقه الملك فؤاد الأول

البداية والأسرة

ولدت زهراء اليوسف في حي سوق ساروجا العريق، خارج أسوار مدينة دمشق القديمة سنة 1885، والدها محمد باشا اليوسف كان من الأعيان، عُيّن حاكماً على مدينة حمص، وجدها محمد شمدين آغا، كان من الزعامات الكردية في دمشق الذي تولى إمارة الحج الشامي، مُكلفاً بنقل حجاج بيت الله الحرام من دمشق إلى مكة.

تنازل جدها عن منصبه لصالح شقيقها الأكبر عبد الرحمن، الذي كان في العشرين من عمره، فاعترض عدد من رجال الدولة العثمانية المحيطين بالسلطان عبد الحميد الثاني، نظراً لصغر سنه وانعدام خبرته الحياتية، وكان أول المعترضين، كبير أمناء السلطان، أحمد عزب باشا العابد، وهو دمشقي من حي سوق ساروجا أيضاً وجار بيت اليوسف، ولكن السلطان أبقى على شقيقها في إمارة الحج، ما خلق توتراً بين عائلتي اليوسف والعابد، ظلّ قائماً حتى زواج زهراء، شقيقة عبد الرحمن اليوسف، من محمّد علي العابد، نجل أحمد عزت العابد.

زوجة سفير في واشنطن

في حزيران 1908، عُيّن زوجها، خريج جامعة السوربون، سفيراً للدولة العثمانية في واشنطن، وشدت الرحال معه إلى الولايات المتحدة قبل أن تتجاوز الثالثة والعشرين ربيعاً. اجتمعت بالرئيس الأميركي ثيودور روزفلت بالبيت الأبيض، وبوزير الخارجية الأميركي أليهو روت. كانت تلك المقابلة الأولى التي تجمع بين مسؤولين أميركيين ووجهاء من مدينة دمشق، ونشأت علاقة طيبة بينهم وبين السفير وزوجته، بقيت محفورة في ذاكرة العابد حتى وصوله إلى سُدّة الحكم في دمشق، سنة وصول الرئيس فرانكلن روزفلت إلى البيت الأبيض، وهو ابن عم ثيودور روزفلت. قام الرئيس العابد بإرسال برقية تهنئة للرئيس الأميركي الجديد، واصفاً نفسه بالصديق القديم لهذا الأسرة الأميركية.

سنوات المنفى

كانت نهاية خدمته في أميركا أسرع من المتوقع، فبعد أسابيع قليلة من وصوله واشنطن، جاء خبر من دمشق بأن انقلاباً مزلزلاً هز عرش الدولة العثمانية، بقيادة مجموعة من الضباط الأتراك المعروفين باسم "جمعية الاتحاد والترقي"، وقاموا بمحاصرة السلطان عبد الحميد داخل قصره، يوم 23 تموز 1908، وفرضوا عليه حزمة من الإصلاحات قبل خلعه عن العرش، والاستغناء عن خدمات كل من أحمد عزت العابد ونجله محمد علي.

لم يكن السفير العابد قد أنهى فك حقائبه بعدُ عندما جاء قرار إعفائه من منصبه، فتوجهت الأسرة إلى أوروبا، بأوامر ألا يعودا أبداً إلى إسطنبول أو دمشق.

عاشت زهراء مع عائلة زوجها بين سويسرا وبريطانيا وفرنسا، حيث قام أحمد عزت باشا بإدارة أملاكه وأرزاقه وبشراء أسهم في عدة شركات في نيويورك وباريس ولندن،  وعادت معهم إلى دمشق بعد انهيار الحكم العثماني، نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1918.

زهراء في المجتمع الدمشقي

أسست زهراء جمعية "نقطة الحليب" عام 1922 بهدف توفير حليب البقر الطازج للأمهات السوريات الفقيرات، وبعد انتخابها رئيسة للجمعية، وزعت في عامها الأول 8850 علبة حليب في دمشق

في عام 1922، شاركت زهراء اليوسف بتأسيس جمعية نقطة الحليب، بعد سنتين من فرض الانتداب الفرنسي على سورية، وكان هدفها الرئيسي توفير حليب البقر الطازج للأمهات السوريات الفقيرات وذوات الدخل المحدود. انتخبت اليوسف رئيسة للجمعية، وفي عامها الأول وزعت 8850 علبة حليب في دمشق.

كانت تجمع سيدات المجتمع المخملي حولها لرسم سياسات الجمعية، إما في قصر زوجها أو في سراي عائلة اليوسف، وكلاهما في سوق ساروجا. كانت جمعية نقطة الحليب علامة فارقة في المجتمع الدمشقي، نظراً لعدد السيدات النافذات والمتعلمات في صفوفها، اللواتي خرجن من بيوتهن إلى الحياة العامة بموافقة أزواجهن وآبائهن، وشكلن حركة نشطة في المجتمع المحافظ، فبالإضافة لزهراء اليوسف، ضمت الجمعية ابنة أخيها، وجيهة اليوسف، حرم حسين إبيش، وسبع سيدات من آل العظم كانت أبرزهن فائزة العظم، أرملة عبد الرحمن اليوسف، وكان معهم أيضاً سيدتان من عائلة الأيوبي، هما حفصة وسنية، بنات رئيس الوزراء عطا الأيوبي. قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، استطاعت أولئك النسوة رفع سوية وكمية مساعدات الجمعية إلى 234 ألف علبة حليب سنوياً. 

كانت المرأة الدمشقية يومها قد بدأت تتحدى الأعراف والتقاليد، فخرجت إلى مضمار العمل الخاص والوطني، وكانت تقود مظاهرات ضد الحكم الفرنسي وتطالب بكافة الحقوق التي منعت عنها. الكثير من السيدات السوريات كن قد تعلمن القراءة والكتابة في المدارس الفرنسية، بعضهن التحق بكلية الحقوق في جامعة دمشق، ودخلن الحياة العامة كمحاميات ومدرسات وصحفيات، ويقمن بنشر مقالات في الصحف اليومية، تعارض سطوة الرجال التاريخية عليهن، متأثرات بالجو العلماني الذي سيطر على شريحة ضيقة من المجتمع الدمشقي منذ بدأ الاحتلال الفرنسي.

في بداية الأربعينيات، كان بعض هؤلاء السيدات قد بدأن بقيادة سياراتهن بأنفسهن، وعرف أن عدداً منهن كان يرتاد السينما والحفلات الخاصة مع أزواجهن، يرقصن معهم على أنغام الموسيقى الغربية.

عند انتخاب زوجها رئيساً للجمهورية سنة 1932، نشطت اليوسف في الحقل العام وانتخبت رئيسة لمنظمة الصليب الأحمر الدولية في سورية، بصفتها زوجة رئيس الجمهورية، وقد منحها الصليب الأحمر وسامه المذهب، تكريماً لعملها، لتكون أول سيدة سورية تحصل على هذا اللقب، ولكن ظلّ نشاطها محدوداً، لأن منصب "السيدة الأولى" لم يكن متعارفاً عليه في سورية بعد.

وقد أنجبت زهراء ولدين، هما نصوح ومحمود مختار الذي درس في جامعة أوكسفورد البريطانية العريقة، وتزوج من سيدة فرنسية، أما بناتها، فكانت ليلى العابد، التي تزوجت لفترة قصيرة من رئيس الدولة السورية صبحي بركات، وشريفة العابد التي لم تتزوج، وبعد استقالة العابد من منصبه سنة 1936 غادر مع عائلته مجدداً إلى أوروبا، وتوفي في مدينة نيس سنة 1939، ظلّت زهراء اليوسف متنقلة بين عواصم أوروبا ومسقط رأسها بدمشق حتى وفاتها سنة 1971.

مأساة الأسرة

في أيلول 1958، صادرت جمهورية الوحدة معظم أراضي عائلة اليوسف، وحددت ملكية الفرد بثمانين هكتار في الأرض المزروعة (800 دونم) أو 300 هكتار في الأرض البعلية (3000 دونم). كانت اليوسف قد ورثت ثروة طائلة، من أبيها وجدها وشقيقها الذي قتل سنة 1920، ومن ثم من زوجها ووالده المتوفي عام 1924، وقد ضمت أملاكها أراضي خصبة على الشاطئ الشرقي من بحيرة طبريا، وقرى كاملة في غوطة دمشق وفي سهل البقاع وفي الجولان، ولكن كل تلك الأملاك صودرت في زمن الوحدة.

صادرت جمهورية الوحدة معظم ممتلكات عائلة اليوسف ليتحول قصر العائلة إلى بيت أشباح تتصدع جدرانه وتتساقط أسقفه وزخرفاته النفيسة نظراً للإهمال وقلة الاهتمام، وأصبحت الغرف الفاخرة لمنزل زوجها في سوق ساروجا ورشاً لتصنيع الأحذية

وكان مصير قصورها لا يختلف كثيراً عن أراضيها، فقصر أبيها وشقيقها الفاخر خلا من سكانه الأصليين منذ عام 1964 وتحول إلى بيت أشباح، تتصدع جدرانه وتتساقط أسقفه وزخرفاته النفيسة نظراً للإهمال وقلة الاهتمام، وكذلك الحال مع منزل زوجها في سوق ساروجا، الذي تم تحويله إلى مدرسة ابتدائية بعد بيعه سنة 1948، ولكن الدولة وضعت يدها عليه حتى مطلع التسعينيات، بقي خرابة وحطاماً قبل أن يتعرض لحريق ليلة رأس السنة عام 1993، قضت على ما تبقى فيه من تحف، وهو ما زال قائماً في دمشق حتى اليوم، حيث تحولت غرفه الفاخرة إلى ورش لتصنيع وتصليح الأحذية. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard