"كرمال عيون السوريين" أو "تتريك اقتصادي"؟... الليرة التركية تجتاح شمال سوريا

السبت 20 يونيو 202002:30 م

"لم أكن أتخيل يوماً أنّي سأرى نقوداً غير العملة السورية. ولكن ها هي الليرة التركية موجودة أمامي الآن"، يقول ابن عفرين إسماعيل عثمان، وهو يشير إلى بضع ليرات تركية موجودة أمامه على طاولة خشبية.

يجلس إسماعيل قرب محله في سوق مدينة عفرين الشعبي، في أقصى شمال غرب سوريا. ينهي لف سيجارته بيدي المسنّ المرتجفتين ويقول لرصيف22 مبتسماً وهو يشير بيده إلى محل صرافة بالقرب منه: "ما حدا جايب عملتو كرمالنا. الكل عم يشتغل لمصلحتو. الله يجير الشعب المسكين".

تسعير بالليرة التركية

في العاشر من حزيران/ يونيو الجاري، بدأت الحكومة السورية المؤقتة بتسعير بعض المواد الأساسية، كالخبز والمشتقات النفطية، بالليرة التركية، وتسعير مواد أخرى بالدولار الأمريكي. أتى ذلك إثر تدهور قيمة الليرة السورية في الأسابيع الماضية، ومن المتوقع أن يتدهور أكثر مع دخول قانون قيصر حيّز التنفيذ.

وأوضح رئيس الحكومة السورية المؤقتة عبد الرحمن مصطفى أن "الحفاظ على القوة الشرائية للعمال والموظفين في المناطق المحررة، يستدعي ضخ القطع النقدية الصغيرة من الليرة التركية"، مشيراً إلى أن "بعض المنشآت الخاصة بدأت بدفع أجور العمال لديها بالليرة التركية، كما أن معظم الموظفين في المناطق المحررة يتقاضون رواتبهم بالليرة التركية أو الدولار".

وبحسب مصطفى، لا اعتبارات سياسية وراء هذا الإجراء، وهو مؤقت و"تنتهي مفاعيله بعد التوصل إلى حل سياسي شامل".

وأشار وزير الاقتصاد في الحكومة السورية المؤقتة عبد الحكيم المصري إلى أن سكان المنطقة يمكنهم الحصول على الليرة عبر فروع خدمة البريد التركية PTT، مؤكداً أن "اﻷهالي لطالما دعموا هذه الخطوة اﻷمر الذي سهل مهمتنا".

في الحقيقة، التعامل بالليرة التركية ليس وليدة اللحظة. الجديد هو فقط الإعلان عن ذلك بشكل رسمي. يعود تاريخ وجود العملة التركية وتداولها في الشمال السوري إلى الفترة التي أنهت فيها تركيا عمليتها العسكرية الأولى في الشمال السوري والمسماة "درع الفرات".

ودرع الفرات هي تسمية أطلقتها تركيا على عملية خاضتها بين شهري آب/ أغسطس 2016 وآذار/ مارس 2017 ضد داعش، في المنطقة الواقعة بين نهر الفرات إلى الشرق والمنطقة التي كان يسيطر عليها التنظيم حول أعزاز إلى الغرب. وتوجد في هذه المنطقة مدينة جرابلس التي تقع على الشريط الحدودي مع تركيا، ومدينة الباب التي تبعد عن حلب حوالي 48 كيلومتراً.

ويقول إبراهيم العبد الله، أحد سكان مدينة الباب بسخرية لرصيف22: "الآن أعلنوها؟ بكير كتير! يتم تداولها منذ دخولهم إلى المدينة"، مشيراً إلى تداول العملة التركية في مدينته منذ سنوات، ويضيف: "بعدما دخلوا، صارت البضائع تأتي من تركيا وكنّا نضطر إلى شرائها بالليرة التركية. هكذا دخلت في التداول. صحيح أن الأمر لم يكن واسعاً كما الآن، ولكنها كانت متداولة".

مدينة عفرين خضعت للسيطرة التركية في ثاني عملية عسكرية تنفذها تركيا في شمال سوريا، وهي عملية "غصن الزيتون" التي أطلقتها ضد قوات سوريا الديمقراطية بين شهري كانون الثاني/ يناير وآذار/ مارس من عام 2018، ومن خلالها ربطت مناطق "غصن الزيتون" بمناطق "درع الفرات".

وبعد ذلك، شنّت تركيا عملية "نبع السلام" في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، وخاضتها أيضاً ضد قوات سوريا الديمقراطية في مدينتي رأس العين وتل أبيض الواقعتين على الشريط الحدودي، وبها فصلت المقاطعات الكردية عن بعضها.

يؤكد مجيد علي عبد الله، صاحب محل صرافة في مدينة رأس العين، لرصيف22 أنه بعد الدخول التركي إلى مدينته بحوالي شهرين، قامت شركات الاستيراد والتصدير بضخ الليرة التركية في الأسواق من خلال البضائع وعمليات الشراء والبيع.

القائمون على قرار توسيع التعامل بالليرة التركية في الشمال السوري يعتبرون أنه يأتي استجابة لرغبة أبناء المنطقة القلقين من التدهور السريع والمتنامي لليرة السورية، ولكن البعض يعتبره "تتريكاً اقتصادياً"

وبرأي ابن مدينة عفرين، الناشط السياسي محمد كمال، ما أدى إلى التعامل بالليرة التركية في المناطق الخاضعة لسيطرة تركيا هو عوامل سياسية، إضافة إلى عوامل واقعية، فالتبادل التجاري بين مناطق سيطرة تركيا وتلك الخاضعة لسيطرة الإدارة الذاتية والنظام السوري محدود، فهي مناطق مفتوحة على الداخل التركي، بحكم تأثير العامل العسكري.

ويعتبر أن تركيا استغلت الوضع السياسي والعسكري في شمال سوريا لتفرض أمراً واقعاً على أبنائه، إذ لا خيار أمامهم سوى الأسواق التركية.

وعن الاختلاف بين المرحلة السابقة والأسبوعين الأخيرين، يقول لرصيف22 إن التداول بالليرة التركية كان محصوراً بالتجار السوريين والتجار الأتراك، وفئات محدودة من الناس كانت على علاقة بالسوق، أما حالياً فإن ضخ النقدية الصغيرة والمتوسطة هو خير دليل على الاتجاه للتعامل بها على أوسع نطاق.

لا مكان للعملة السورية

بعد سيطرتها على هذه المناطق، باشرت تركيا بتأسيس مجالس محلية لكل منطقة، وتعيين روؤساء ونواب وعاملين فيها، بالإضافة إلى تأسيس شرطة عسكرية لكل مدينة وجمع المسلحين الذين يُقدَّر عددهم حوالي 75 ألف شخص تحت مسمى الجيش الوطني.

بدخول العملية التركية على خط التبادلات، تخسر الحكومة السورية الدولارات التي كانت تأتيها من هذه المنطقة، عبر تحويلها إلى ليرات سورية.

ويشرح الصيرفي خالد العلي أن تبديل العملات يتم التبديل على أساس سعر الدولار مقابل الليرتين التركية والسورية.

تبرز مشكلة تدني سعر صرف الليرة السورية أمام الليرة التركية، فالـ8000 ليرة سورية تساوي ثلاثة دولارات، يعني 20 ليرة تركية، ما يعني أن الشخص الذي يقوم بتحويل الليرة السورية إلى الليرة التركية يخسر الكثير.

وتقوم تركيا بصرف رواتب الموظفين العاملين في مؤسساتها بالليرة التركية، ويقدّر عددهم بحوالي 150 شخصاً في كل مجلس محلي للمناطق.

يتخوف أبناء الشمال السوري الذين طالتهم عمليات تغيير ديموغرافي من الهدف وراء قرار توسيع التعامل بالليرة التركية في الشمال السوري... "تركيا ما بتعمل كل هالشي كرمال عيون السوريين. بدها تضم هل مناطق لتركيا، شو نسيتو لواء إسكندرون؟"

وتنقسم الرواتب بحسب خالد علي إلى ثلاث فئات: الفئة الأعلى تتراوح رواتبها بين ألف إلى ألفي ليرة تركية، وهم من القضاة ورؤساء المجالس والضباط؛ في حين تتراوح رواتب الفئة المتوسطة بين ستمئة إلى ألف ليرة تركية، وهؤلاء من الموظفين في الأقسام الخدمية التابعة للمجلس المحلي والشرطة العسكرية للمدن؛ والفئة الأدنى من الرواتب تقدر بخسمئة ليرة تركية، للعاملين في البلديات وفي الخدمات اللوجستية.

والمجلس المحلي هو عبارة عن حكومة مصغرة تضم مختلف الدوائر والهيئات الخدمية والمدنية والقانونية.

كذلك، بدأت المجموعات المسلحة بصرف رواتب عناصرها بالليرة التركية. وبحسب مصادر محلية، رواتب هؤلاء متدنية ويعتمدون في مداخليهم على "السرقة والنهب".

لماذا التداول بالليرة التركية؟

القائمون على القرار يعتبرون أن خطوة الانتقال إلى التعامل بالليرة التركية تأتي استجابة لرغبة أبناء المنطقة القلقين من التدهور السريع والمتنامي لليرة السورية، ولكن البعض يعتبرها "تتريكاً اقتصادياً"، وحلقة ضمن سلسلة عمليات التتريك التي تقوم بها تركيا في هذه المناطق.

فـ"سياسة التتريك التي تعتمدها أنقرة لا تقتصر على الجانب الثقافي"، حسبما يقول الباحث والخبير الاقتصادي جلنك عمر لرصيف22.

ويضيف أن كل الهياكل الإدارية والاقتصادية والخدماتية في هذه المناطق صارت مرتبطة بالليرة التركية، و"هذه الأمور ليست وليدة اليوم".

يشير عمر إلى أن مجمل الاقتصاد في مناطق الشمال السوري بات ملحقاً بالاقتصاد التركي، من خلال التجار ورجال الأعمال الأتراك والشراكات القائمة مع قادة الفصائل المسلحة الذين يهيمنون على مجمل الحركة الاقتصادية والتجارية وقطاعات الأعمال الموجودة هناك، و"أيضاً مواسم القمح والزيتون يتم تصدير إنتاجها إلى الداخل التركي وبالليرة التركية".

ينتقد عمر غياب المشاريع الصناعية ذات الاعتبار عن الشمال السوري، معتبراً  أن ذلك مقصود "ليبقى سوقاً لتصريف المنتجات التركية"، ومشيراً إلى أن تركيا عملت على ربط نمط حياة سكان المنطقة بها "لتستخدمهم في سبيل تكريس الروابط الاقتصادية بينها وبين مناطقهم".

يتخوف أبناء الشمال السوري الذين طالتهم عمليات تغيير ديموغرافي من الهدف وراء هذه الخطوات.

يعتبر الناشط السياسي محمد كمال، في حديثه لرصيف22، أن هذه الخطوات تؤدي إلى "توطيد أركان الواقع الاحتلالي بشكل نهائي، والذي يتم منذ سنوات عديدة"، و"شرعنة النهب والاستحواذ على المنطقة وتوسيع دائرة هيمنة أنقرة في المنطقة، بحجة انهيار الليرة السورية، وتدارك انعكاسات العقوبات الاقتصادية على سوريا".

أما السيدة بسمة حسن، وتعمل في ورشة خياطة فتقول لرصيف22: "تركيا ما بتعمل كل هالشي كرمال عيون السوريين. بدها تضم هل مناطق لتركيا، شو نسيتو لواء إسكندرون؟".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard