الهيب هوب العربي الجديد: بين الحب والتمرّد

السبت 20 يونيو 202005:23 م
Read in English:

New Arab Hip Hop: Between Love and Rebellion

"مرحبًا بكم. معكم الشباب العربي المُعلَّق، حيث لا وظيفة ولا فرص. صوتي الانتخابي مقابل خمسين ليرة أو وجبة يصل بها زعيم قَبَلي إلى الحكم. أريد المغادرة، اللعنة على هذا البلد". هكذا تبدأ أغنية "دم" لـ "شولي" و"سينابتيك". وإلى الرافضين، كرروا عشرات المرات: "ماذا أخذنا منكم سوى الهزائم؟"

يتجلَّى الانقسام بين الأجيال في العالم العربي في السياسة والنشاط وحقوق الإنسان، وأخيرًا في الموسيقى. يبلغ هذا الانقسام مداه في صناعة الهيب هوب مع حركات غنائية مستقلة جديدة تظهر كل يوم لتتخذ من المجال المجاني على منصات، مثل "ساوندكلاود" و"يوتيوب"، مكانًا لإصدار أغنياتها وتسويقها.
قدمت مصر، التي اعتادت تصدّر المشهد الموسيقي العربي، عددًا من الشباب الموسيقيين مثل "ويجز"، الذي تعالج أغنيته الأخيرة "واحد وعشرين" قضايا مجتمعية تواجه الشباب المصريين، مثل الهجرة: "روما ليست بعيدة، الأصدقاء غرقى وأنا في عمق البحر". شهد مشهد الهيب هوب المصري، على اتساعه، صعود عدد من الفنانين وهبوطهم مثل "علي طالباب" وأخيرًا "مروان بابلو" الذي أعلن اعتزاله الغناء.
كذلك في شمال إفريقيا، هناك حركات تونسية على غرار "دودا" و"نوردو"، اللذين يتناولان مواضيع حساسة في أغنيتهما "El 9sem" أو "القسم"، مثل ظاهرة انضمام التونسيين إلى داعش في ذروة قوتهم بأغنيتهما "Gam7" أو "جامح"، التي تُغنَّى على أنغام "The Harder They Fall" لـ "جيو"، حول كيفية استخدام الجماعات الإرهابية القمح سلاحاً للمقايضة وتجويع الناس. تتضمن الأغنية هذا المقطع: "أخبر أميرك أننا رجال شجعان ولسنا أتباعه، نحن الثوار الذين صنعوا الربيع".
يسر حامد: الهيب هوب صعد لكنه لم ينضج بالرغم من المحاولات العشوائية والزخم في الإنتاج. النضوج يتطلب وقت, وجمهور #الهيب_هوب صغير ونصل له ببطء وصعوبة في غياب القنوات المعتادة ودون وسيط تجاري يسوّق لنا

على الجانب السوري، ظهرت عدد من الفرق مثل فرقة "شكون"، ومقرها برلين، التي تدمج الفولكلور مع مزيج من الموسيقى التقليدية والمعاصرة. ضمن نوع موسيقى الهيب هوب أيضًا، يأتي الموسيقي الشعبي "بو كلثوم" من سوريا، الذي يشكّل اسمه مزيجًا من اسم الشاعر الجاهلي "بن كلثوم" واسم المطربة المصرية "أم كلثوم". من أغانيه واحدة عنوانها "نجوم" ومنها هذا المقطع: "أفواه (قطع) وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، هم عبيد، لكنهم في أذهانهم هم سادة". "جوانا"، أغنية أخرى لـ "بو كلثوم" تُظهره يمشي مع زجاجة "جاك دانيالز" في شارعٍ خالٍ من المارة، وهو نداء من جيل أصغر يجب عدم التخلي عنه: "لا تنسونا، بذوركم في داخلنا، بحاجة أن تسقوها"، ويتابع: "ما زلت طفلًا على أرجوحة، طفلاً لا يزال يتعلم، مقطوعًا من شجرة داري".

شكون
يُعدّ الهيب هوب اللبناني الأقدم في المنطقة مع فِرَق مثل "عكس السير"، التي انطلقت في وقتٍ مبكرٍ من عام 1997، واستمر مع فنانين مثل "ريِّس بيك" الذي ضمَّن، في عام 2011، هتاف الربيع العربي الأشهر: "الشعب يريد إسقاط النظام" في أغنيته "ثورة"، معبرًا عن استنكاره السياسة الطائفية في لبنان. انضم حديثًا للركب "الراس" بلحيته المميزة، وهو يجمع بين الهتافات الصوفية: "يا سيد الكونين، جئتك قاصداَ" والموسيقى الإلكترونية في أغنيته "طرابلس 97"، التي تناقش خيبات الأمل من القادة اللبنانيين، بما في ذلك حزب الله ورئيس الوزراء السابق سعد الحريري. جلبت الانتفاضة اللبنانية الأخيرة إلى المشهد جيلاً جديداً من الفنانات مثل "ملكة" التي تُعتبر أغنيتها "عم حارب" بمنزلة تنديد بالسياسيين اللبنانيين وصرخة لتمكين المرأة.

ريس بيك

كذلك أدت الاحتجاجات العراقية الأخيرة إلى عددٍ من الحركات، بعضها نشطة منذ سنوات لكنها لم تلقَ رواجًا كبيرًا، لتقدم مثالًا على المزج بين عدة أنواع من الموسيقى، إذ أطلق أيمن حميد لأول مرة أغنيته "ذيل أعوج" (الاسم الذي استُخدِم أيضًا للدلالة على الدمية) في برنامج "البشير شو" التلفزيوني الشهير، وحقق نجاحًا فوريًا عندما وعدت كلمات أغنيته بعدم التراجع في مواجهة استخدام الدولة للقوة الغاشمة.
كما ألهمت احتجاجات 2018 في السودان فنان الهيب هوب السوداني المقيم في قطر "سماني" لإصدار نسخة مصحوبة بالعزف على الغيتار من أغنية تستند إلى هتافات المتظاهرين الذين يسعون إلى الديمقراطية بعنوان "مطالب"، وتبدأ كلماتها بـ "لن أعود، لدي مطالب، أعطنا حكومة حكم مدني".
بفضل منصات مثل "ساوندكلاود" و"يوتيوب"، يستمر مشهد موسيقى الهيب هوب العربي في الازدهار على الرغم من عدم عرضه على القنوات السائدة. من المرجح أن تستمر الرسائل المهمة التي ينقلها عبر أغانيه في التواري عن السلطات التي تُفضل الموضوعات التقليدية
يتجلى هذا النوع الجديد من موسيقى الهيب هوب العربية في أبهى صوره في الممر الأردني-الفلسطيني، حيث يلقى هذا النمط من الفن رواجًا واسعًا، لأن "رام الله" و"عمَّان" نقطة التقاء عشرات الفنانين القدامى والجدد على السواء، ليطلقوا أغانيهم التي تحقق مبيعاتٍ قياسيةٍ في كلتا المدينتين. من هؤلاء الموسيقيين "سينابتيك" المذكور أعلاه، وهو أنشأ قاعدةً جماهيريةً في جميع أنحاء منطقة المشرق العربي وصولًا إلى مصر، في الوقت الذي تزخر صناعة الأخيرة الموسيقية بما يجعل اختراق سوقها أمرًا عسيرًا على أي فنان من الخارج. تعاون "سينابتيك" - الذي حصل على شهادة في الطب - مع العديد من الفنانين، بما فيهم "تامر نفار"، وهو مواطن فلسطيني من إسرائيل، و"بو كلثوم" من سوريا، و"الراس" من لبنان، و"ويجز" من مصر في أغنية بعنوان "ماريجوانا".

الراس
بدأ فنانون كثر، مثل "سينابتيك" و"شولي"، مشوارهم في الغناء باللغة الإنجليزية في أول ظهورهم، لكنهم تحولوا إلى اللغة العربية حيث وجدوا جمهورًا مهتمًا بما تعكس أغانيهم من محنته. لا تزال موسيقاهم هم وأقرانهم مزيجًا من العربية الكلاسيكية والعامية، والآلات الشرقية والغربية مع الحفاظ على تأثير عربي قوي. يقول "كريس هيوز"، المتخصص في الدي جي والإعلام الإبداعي: "حققت الموسيقى العربية في الآونة الأخيرة قدرًا كبيرًا من الدقة والتقدم التكنولوجي، وقد ظهر تأثير تقاطع كليهما واضحًا وضوحًا كبيرًا أدى إلى نتائج رائعة".
تضفي يُسر حامد المستقرة في "رام الله" ميزةً رومانسيةً مفتقدةً، أحيانًا، على مشهد الهيب هوب، من خلال تعاونها المتعدد مع أمثال "دوديكس" التي أدت معها أغنية "بخصوص موضوع امبارح"، كان هذا سطرًا من كلماتها: "هو يبحث عن فتاة طريفة وهي تبحث عن رجل جاد". تخبرني يُسر، التي تكتب كلمات أغانيها: "في بعض الأحيان يكون التعاون مصادفة، قد تستمع إلى عملٍ لشخص ما وتحبه فتقرر التواصل معه، وقد يحدث العكس. لا توجد طريقة منهجية للتعاون. يعتمد ذلك بالأساس على مرونة الشخص الآخر ومدى استعداده للمشاركة". يُسر - التي درست الموسيقى العربية في معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى - ترثي افتقار مشهد الهيب هوب إلى الدعم: "نحن نشارك إنتاجنا من خلال منصاتنا الخاصة بدون وكيل، وهذا له إيجابياته وسلبياته، وقد يستغرق وقتًا طويلًا للوصول إلى الجمهور".
على الرغم من تنوع مواضيعها وأساليبها، تشترك هذه الحركات العربية الجديدة في عدد من السمات. فمعظم هؤلاء الموسيقيين يكتبون موسيقاهم الخاصة أو يتعاونون في عملية الكتابة، خلافاً لباقي المطربين العرب. عنصر آخر لافت هو أن هذه الحركات الجديدة غالبًا ما تعارض السلطة في أغانيها، على عكس المطربين العاديين الذين يكسبون رزقهم من الحفاظ على علاقاتٍ جيدةٍ مع الحكومات العربية المختلفة، وغالبًا ما يمدحونها في أغانيهم. يتعاون هؤلاء الفنانون أيضًا بعضهم مع بعض، ويطلقون الأغاني معًا ويدعم بعضهم بعضًا، وهذا ما يلد روحًا من الصداقة الحميمة المفقودة في المجالات الفنية الأخرى.
بلحيته المميزة، يجمع "الراس" بين هتافات الصوفية "يا رب العالمين، جئت لأطلب موافقتك" والموسيقى الإلكترونية في أغنيته "طرابلس 97"، التي تناقش خيبة الأمل في قادة لبنان، بمن فيهم حزب الله ورئيس الوزراء السابق سعد الحريري
كما هو الحال مع باقي أنواع الموسيقى في العالم العربي، فإن صناعة الهيب هوب في حاجة ماسة إلى الدعم. فالفرص الدراسية قليلة أو تكاد تكون معدومة، إذ لا يُدرّس هذا النوع من الموسيقى في المدارس ولا يزال الكثيرون يعدّونه من المُحرمات. لا تُبث أغاني الهيب هوب العربية الجديدة على القنوات التلفزيونية التي تسيطر عليها الدولة ولا على معظم محطات الراديو في المنطقة، ومن المحتمل أن تستمر الرسائل المهمة التي تحملها تلك الأغاني في التواري عن السلطات، التي تُفضل موسيقيين أكثر طموحًا يغنون عن مواضيع تقليدية مثل الرومانسية وحب الوطن أخيرًا. "التحدي هنا هو أن هذا ليس المشهد السائد، إنه ليس النوع الموسيقي الذي يتوقعه الناس، فنوع الجمهور يختلف وهو أقل عددًا من جمهور المشهد الموسيقي الموجود على الساحة. وهو أيضًا عمل مستقل يعتمد على المعدات التي نمتلك، وهذا ما يجعل الأمر لا يلقى الرواج الكافي. نحن ببساطة نقدم أفضل ما نستطيع تقديمه"، تقول يُسر.
وعلى الرغم من ذلك، لم تقف تلك التحديات في طريق مشهد موسيقى الهيب هوب العربي المزدهر، والذي يستمر في الازدهار بفضل منصات مثل "ساوندكلاود" و"يوتيوب"، ومحطات إذاعية مستقلة ظهرت في السنوات الأخيرة مثل "الحارة" من فلسطين، و"الشمس" من عمَّان، و"الحومة" من تونس.
"حقق مشهد الهيب هوب قفزةً كبيرةً ولكنه لم ينضج بعد، هناك عشوائية وزخم في الإنتاج، ولكن ليس هنالك نضج حتى الآن. أعتقد أنه سيحتاج إلى بعض الوقت قبل أن يصبح ذلك واضحًا"، بحسب يُسر. 
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard