ممنوع الحديث عن كورونا... خمسة أطباء مصريين وراء القضبان

الجمعة 19 يونيو 202005:08 م

منذ نهاية آذار/ مارس الماضي، بدأت السلطات المصرية بإلقاء القبض على أطباء تحدثوا عن انتشار فيروس كورونا بشكل يخالف رغباتها. خمسة منهم لا يزالون الآن معتقلين.

ومؤخراً، تدخّلت نقابة الأطباء، واعتبرت أن القبض عليهم وتوجيه التهم لهم "عقب نشر آراء لهم متعلقة بجائحة كورونا" أثار "حالة من الإحباط والخوف" بين الأطباء الذين "يواجهون خطراً يومياً لا يخفى على أحد".

وطالبت النقابة النائب العام المصري المستشار حمادة الصاوي بـ"سرعة الإفراج عن الزملاء لحين انتهاء التحقيقات معهم"، مشيرة إلى "ضرورة حضور ممثل للنقابة أثناء التحقيقات باعتباره حقاً أصيلاً لها".

خمس أطباء اختلفت قصصهم وظروف القبض عليهم، كما اختلفت أماكن عملهمن لكنهم جميعاً أصبحوا في قبضة السلطات المصرية.

يأتي هذا في وقت تشهد مصر نقصاً حاداً في صفوف الأطباء، ومع تزايد حالات الوفاة بينهم بسبب كورونا، متخطيةً حاجز الـ70 طبيباً ومع تخطي حاجز الإصابات بينهم حاجز الـ350 طبيباً، وفق تقديرات نقابة الأطباء المصرية.

القضية 558

ثلاثة أطباء وصيدلي من المعتقلين يواجهون اتهامات بالانضمام إلى جماعة تأسست على خلاف القانون ونشر وإذاعة أخبار كاذبة هدفها إلقاء الرعب بين الأفراد، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك في قضية واحدة تحمل رقم 558 لسنة 2020.

يروي أحد أعضاء هيئة الدفاع، وفضّل عدم الكشف عن اسمه خوفاً من التبعات الأمنية لذلك، أن القضية بدأت أحداثها مع الطبيبة النسائية آلاء شعبان حميدة عبد اللطيف (26 عاماً) وتعمل في مستشفى الشاطبي التابع لجامعة الإسكندرية.

ويقول المحامي إنه بعد قيام ممرضة باستخدام هاتفها للإبلاغ عن وجود حالة إصابة بفيروس كورونا في المستشفى، على الرقم 105 الذي خصصته وزارة الصحة المصرية، قام مدير المستشفى بالإبلاغ عنها بسبب ما اعتبر أنه تعدٍّ منها على اختصاصاته، وقُبض عليها في 28 آذار/ مارس 2020 من مقر عملها، واختفت قسرياً لمدة يوم واحد وظهرت في النيابة في اليوم التالي.

وأوضح المحامي أن الطبيبة العشرينية لم ترتكب جرماً ليُقبض عليها، وليس أكثر من مخالفة إدارية كان الممكن أن تعاقب عليها إدارياً دون اللجوء إلى الإجراءات الأمنية.

واعتبر أن هناك تعسفاً وتعنتاً من قبل إدارة المستشفى بحق الطبيبة المتزوجة حديثاً والحامل في شهرها الثالث، مؤكداً أن هناك ضرورة ملحة لسرعة الإفراج عنها نظراً لوضعها الصحي الحالي.

وفي 10 نيسان/ أبريل، ألقت قوات الأمن القبض على الدكتور هاني بكر علي كحيل (36 عاماً)، جراح العيون في مستشفى طوخ القليوبية، إحدى محافظات القاهرة، من داخل عيادته الخاصة.

يروي المحامي أن الدكتور هاني اختفى قسرياً لمدة 18 يوماً، ليظهر أمام النيابة التي واجهته بتدوينة له على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، ينتقد فيها المساعدات الطبية التي أرسلتها مصر إلى إيطاليا لأن المستشفيات المصرية أحق بها.

وعلى ذمة القضية نفسها، وبالاتهامات ذاتها، ألقي القبض على الطبيب أحمد صبرة إبراهيم (44 عاماً)، وهو أستاذ مساعد في كلية الطب في جامعة بنها، في 16 نيسان/ أبريل 2020، من عيادته الخاصة في مدينة بنها، واختفى قسرياً لمدة 12 يوماً، ثم ظهر أمام النيابة التي أمرت بحبسه على ذمة التحقيق.

يؤكد المحامي لرصيف22 أن إبراهيم يعاني من عدة أمراض مزمنة، منها القلب والضغط، إلى جانب إصابة في الحوض تمنعه من الجلوس ودخول الحمام بشكل طبيعي، وأن حبسه سيؤثر بشكل كبير على حالتيه الصحية والنفسية معاً، مطالباً بسرعة إخلاء سبيله نظراً لظروفة الصحية.

انتقد في تدوينة المساعدات الطبية التي أرسلتها مصر إلى إيطاليا لأن المستشفيات المصرية أحق بها، فاعتقلته السلطات المصرية ولا يزال معتقلاً منذ أكثر من شهرين

لم يختلف ما جرى مع الأطباء الثلاثة عمّا جرى مع الصيدلي محمد كامل غانم مصطفى السايس (27 عاماً). قُبض عليه في الرابع من نيسان/ أبريل، واختفى قسرياً لمدة خمسة أيام، وسأله عناصر الأمن الوطني عن صاحب الشركة التي يعمل فيها وعن عمله وزملائه في الجامعة. وبعد تفتيش هاتفه الخاص والعثور على ما كتبه على موقع فيسبوك من انتقاد لأداء وزيرة الصحة، قررت النيابة حبسه احتياطياً على ذمة التحقيقات.

يروي إسلام السايس، شقيق الصيدلي لرصيف22: "أثناء القبض على شقيقي تمت مواجهته بتدويناته المنتقدة لطريقة أداء وزارة الصحة أثناء أزمة كورونا، وركّزت النيابة على تدوينة انتقد فيها تصدير الحكومة للمواد والمستلزمات الطبية إلى الخارج في بداية الأزمة، أواخر شهر آذار/ مارس، رغم وجود نقص شديد في المستلزمات الطبية الوقائية في المستشفيات والمراكز الصحية، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الكحول والكمامات وعدم توافرها".

وتابع السايس: "أما التدوينة الثانية فكان ينتقد فيها وزيرة الصحة لطلبها من الصيادلة التطوع في وقت الأزمة، في الوقت الذي تشهد فيه الوزارة أزمة بسبب موقف تكليف صيادلة 2018 وما بعدها لازدياد العدد عن الحاجة".

والتكليف هو فترة يقضيها الصيدلي بعد تخرجه من إحدى الجامعات المصرية، في جهة حكومية تابعة لوزارة الصحة والسكان. وطبقاً لقانون التكليف رقم 29 لسنة 1974 وقرار وزير الصحة رقم 38 لسنة 2008 يصدر قرار التكليف خلال عام من التخرّج وتكون مدته عامين قابلة للتجديد، ويجوز لوزير الصحة الموافقة على إنهاء التكليف بعد عام من مزاولة المهنة.

وفي ظل تزايد عدد الصيادلة، أصبحت فرص العمل قليلة جداً، ولذلك فإن التكليف يُعتبر بمثابة فرصة جيدة لكل صيدلي حديث التخرج، يمكنه خلالها ممارسة  عمله كصيدلي.

وأوضح أن شقيقه بالفعل تقدّم للتطوع في أحد المستشفيات لكنه قُبض عليه قبل بدء العمل، وتساءل: "أين الأخبار الكاذبة في ما نشره شقيقي الصيدلي حتى يتم تجديد حبسه بشكل مستمر".

وروى السايس أن الأسرة والمحامي حاولوا التواصل مع نقابة الصيادلة للوقوف بجانب شقيقهم في محنته، "لكن الأمر دون جدوى".

القضية 535

وفي قضية أخرى حملت رقم 535 لسنة 2020، اتهم كل من محمد حامد محمود، طبيب مقيم عظام في مستشفى جمال عبد الناصر، وإبراهيم عبد الحميد بديوي، طبيب مقيم جراحة أطفال في مستشفى المطرية التعليمي.

بعد تفتيش هاتفه الخاص والعثور على ما كتبه على موقع فيسبوك من انتقاد لأداء وزيرة الصحة، قررت النيابة حبسه احتياطياً على ذمة التحقيقات، ولا يزال محبوساً منذ أكثر من شهرين

ووفقاً للمحامي، لا تختلف التهم الموجهة لهما كثيراً عن التهم السابقة، فهي أيضاً نشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والانضمام إلى جماعة تأسست على خلاف القانون، وأُرفقت في أواق القضية بعض التدوينات الناقدة للنظام الصحي في مصر.

وهنالك المزيد

يؤكد عضو مجلس نقابه أطباء مصر ومقرر لجنة الحريات فيها، الدكتور محسن عزام، لرصيف22 أن النقابة أبلغت بطبيبين آخرين ألقي القبض عليهما خلال الأيام القليلة الماضية، "لكن ما زلنا في مرحلة التقصي عن الأخبار وجمع المعلومات قبل الإعلان عنهم".

وأوضح أن الوضع الصحي في مصر وانتشار كورونا يجعل من الحفاظ على الأطباء وتقديم يد العون لهم أولوية، بدلاً من حبسهم والتنكيل بهم.

وأشار إلى أن الأطباء في الأغلب يُقبض عليهم بسبب آرائهم المكتوبة على وسائل التواصل الاجتماعي، وليس لأخطاء طبية.

وحمّلت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، وهي مؤسسة حقوقية غير حكومية، في بيان لها كامل المسؤولية لوزارة الصحة والسكان المصرية، واعتبرتها المسؤول الأول عمّا وقع من وفيات بين الأطباء نتيجة الإهمال، فضلاً عن كونها السبب الرئيسي في عمليات القبض التعسفي على الأطباء.

وحثت الجبهة المصرية نقابة الأطباء على متابعة أحوال كل مَن قُبض عليه من المنتمين إليها، وطالبت السلطات المصرية بضرورة الإفراج الفوري عن جميع الأطباء المحبوسين دون إدانة، والاهتمام بدعم القطاع الصحي وتلبية مطالبه، بدلاً من اللجوء إلى الحل الأمني.

ودعت منظمة العفو الدولية (أمنيستي)، في 18 حزيران/ يونيو، السلطات المصرية إلى التوقف عمّا وصفته بـ"حملة المضايقة والترهيب" ضد العاملين في مجال الرعاية الصحية ممّن "يعبّرون عن بواعث قلق تتعلق بالسلامة، أو ينتقدون تعامل الحكومة مع أزمة فيروس كورونا المستجد".

ووصفت المنظمة التهم التي اعتُقل بموجبها الأطباء بأنها "فضفاضة وغامضة جداً"، كما وصفت اعتقالهم بـ"التعسفي".

وقال فيليب لوثر، مدير بحوث الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المنظمة، إن "على العاملين في مجال الرعاية الصحية اتخاذ خيار مستحيل: إما المخاطرة بحياتهم أو مواجهة السجن إذا تجرأوا على رفع صوتهم بالشكاوى".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard