"صدفة" أو "تمييز عنصري"؟... لماذا يغيب ذوي البشرة السوداء عن شاشات القنوات المغربية؟

الخميس 18 يونيو 202007:12 م

في الآونة الأخيرة، تفاعل بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي المغربيين مع التحركات المناهضة للتمييز ضد أصحاب البشرة السوداء، الجارية في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية.

في هذا السياق، راحت بعض التدوينات تستعرض سلوكيات وممارسات تكرّس التمييز تجاه المواطنين ذوي البشرة السوداء في المغرب، والصور النمطية التي تكرس النظرة الدونية إليهم أحياناً. وظهرت تساؤلات حول أسباب غياب أبناء هذه الفئة عن مجال التقديم التلفزيوني، رغم تألق العديد منهم في المجال الصحافي.

فرغم أن القوانين المغربية تجرّم أي تمييز بين المواطنين على أساس اللون، وجميع الوظائف مفتوحة أمام جميع الفئات في إطار المساواة، ورغم أن ذوي البشرة السوداء يشغلون مناصب عليا في مختلف مجالات الوظيفة العمومية والجيش، فإن مجال التقديم التلفزيوني ما زال يغيّب الصحافيين السود.

"أمر مؤسف"

وُلد الصحافي المغربي عادل لوتيتي، من أب كونغولي وأم مغربية، وترعرع في المغرب. يُعَدّ أول صحافي مغربي ذي بشرة سوداء يظهر على شاشة التلفزيون مقدماً للأخبار الرياضية باللغة الفرنسية في القناة الثانية "دوزيم"، وهو ما اعتبره الجمهور حدثاً غير مسبوق.

قبل التحاقه بالقناة الثانية مذيعاً، كان لوتيتي يعمل في راديو دوزيم التابع لنفس القناة، بعدما اكتسب تجربة مهنية في قنوات إذاعية مغربية، وبرز نجمه كأحد أشهر الصحافيين الرياضيين.

وعام 2017، غادر عدد كبير من الصحافيين القسم الرياضي للقناة الثانية وأصبحت مناصبهم شاغرة. تقدّم لوظيفة مذيع، بطلب من الإدارة، واجتاز المباراة بنجاح، والتحق بمنصبه الجديد ليُطل عبر شاشة القناة على الجمهور كأول صحافي من ذوي البشرة السوداء في تاريخ التلفزيون المغربي.

يقول لرصيف22: "أثار كوني أول صحافي والوحيد ذي البشرة السوداء الذي يقدّم نشرة الأخبار، في البداية، استغراباً، وشكّل حدثاً مفاجئاً للعديد من المواطنين والمتابعين"، ويضيف: "صحيح أن الصحافي سعيد زدوق سبقني في تقديم الأخبار الرياضية في القناة الأولى، وهو صحافي أسمر البشرة قليلاً، لكن أنا كنت أول صحافي أسود البشرة يظهر على شاشة التلفزيون مذيعاً، ما شكّل حدثاً غير مسبوق في تاريخ التلفزيون المغربي منذ الاستقلال سنة 1956، وهو تغيير وتحوّل ملموس".

يتذكر لوتيتي وقائع كثيرة جمعته مع أشخاص من ذوي البشرة السمراء، التقاهم في الشارع، ويتحدّر أغلبهم من مناطق جنوب شرق المغرب، وتعبيرهم عن اعتزازهم وفخرهم لمشاهدته على شاشة التلفزيون، وهو يقدّم الأخبار الرياضية بالفرنسية، بكفاءة ومهنية عاليتين، معتبرين أن ذلك يؤكد أن هذه الفئة فيها كفاءات في مختلف المجالات.

يعتبر لوتيتي أن غياب صحافيين من ذوي البشرة السوداء عن التلفزيون في المغرب "أمر مؤسف، خاصة أن المغرب يتميّز بتنوعه العرقي والإثني، وهذا الاختلاف في الثقافات والأعراق وألوان البشرة يبدو جلياً في المجتمع والمطلوب أن تعكس شاشة التلفزيون هذا التنوع من خلال الصحافيين العاملين فيه".

لا يعفي لوتيتي أصحاب البشرة السوداء من المسؤولية عن غيابهم عن شاشة التلفزيون، ويقول: "قد يشعر الصحافيون ذوي البشرة السمراء أو السوداء بمركّب نقص، بسبب ما قد يتعرضون له من تمييز أو سوء معاملة أحياناً في المجتمع منذ الطفولة، ثم يمارسون رقابة ذاتية على أنفسهم ويمتنعون من تلقاء ذاتهم عن المبادرة إلى شغل هكذا وظائف"، لكنه يؤكد أن "هذا مجرد احتمال أو افتراض"، لأن المعطيات حول أسباب ما يحصل غير متوفّرة.

ويشير لوتيتي إلى أن تغيير الواقع يتطلب تقدّم الصحافيين لشغل وظائف التقديم التلفزيوني، انطلاقاً من إثباتهم كفاءتهم المهنية، إضافة إلى رغبة مسؤولي قطاع الإعلام والقنوات التلفزيونية في تمثيل جميع فئات المجتمع على شاشة التلفزيون، لتعكس التنوّع الحقيقي للمجتمع، كما الحال في ما خص تمثيل النساء في البرلمان، والذي استجابت له الحكومة في السنوات الأخيرة.

ويلفت إلى أن المسؤولين قد يتذرعون بحجج أبرزها عدّم تقدم صحافيين من ذوي البشرة السوداء لشغل وظائف التقديم وعدم رغبتهم في الظهور على التلفزيون، "ما يتطلب تخلي الصحافيين عن الرقابة الذاتية وممارسة حقهم في التقدّم لهذه المراكز".

"معايير الجمال"

"هناك قلة من الصحافيين من ذوي البشرة السمراء الذين قدّموا برامج أو أخبار في التلفزة المغربية"، يقول محمد الغازي، وهو صحافي ميداني في القناة الثامنة الأمازيغية. يعتقد أن السبب وراء ذلك هو أن "القائمين على التلفزيون كانوا يختارون المذيعين والمذيعات وفق معايير جمال محددة".

"هناك سلوكيات ناتجة عن أنماط وعي ترسبت، بفعل الممارسات السابقة وأصبحت ذهنية غير مصرّح بها. الأمر ليس صدفة. هذا النوع من العنصرية هو الأخطر والناس غير واعين بها، بمَن فيهم بعض ضحايا التمييز"... عن غياب ذوي البشرة السوداء عن التلفزيون المغربي

يشرح الغازي لرصيف22 أن "هذه المعايير ورثها التلفزيون المغربي عن الحقبة الاستعمارية الأوروبية، التي كانت تعتبر المقدم التلفزيوني واجهة للقناة، وهو بالضرورة إنسان ببشرة بيضاء وبملامح وسيمة. وهي معايير بعيدة كل البعد عن المعايير المهنية".

ويضيف أن "هذا التوجه تغيّر كثيراً، بعد بروز مذيعين بسحنة سمراء في التلفزيون سواء في المغرب أو خارجه".

ورغم أنه من المتعارف عليه أن إقصاء أصحاب البشرة السوداء عن معايير الجمال هو ممارسة عنصرية صريحة، إلا أن الغازي لا يعتبر أن هذا الأمر "ممارسة عنصرية" لأن هذه السياسة "كان ضحيتها حتى صحافيون بسحنة بيضاء".

وينفي الغازي وقوع أي تمييز بسبب اللون من طرف المؤسسات، "مع احتمال وقوع ممارسات شاذة من طرف بعض الأشخاص".

ويؤكد أن الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري المعروفة اختصاراً بـ"الهاكا" HACA، أبدت صرامة ضد أي تمييز بسبب اللون في وسائل الإعلام، وذكّر بالإنذار شديد اللهجة الذي وجهته لإحدى القنوات الوطنية بتاريخ 21 شباط/ فبراير 2019، بسبب ورود لفظ "كحلوش" في برنامج كوميدي.

و"كحلوش" هي كلمة مستخدمة في العامية المغربية وتعني "الأسود"، واستخدامها لوصف أشخاص ذو حمولة قدحية.

واعتبرت "الهاكا" في إنذارها المذكور أن الجو العام والسياق الذي رافق توظيف هذه العبارة يُعَدّ سباً ذا حمولة قدحية لها بعد عنصري بالنسبة إلى فئة معيّنة من الجمهور.

يدعو الغازي الصحافيين، بمَن فيهم ذوي البشرة السمراء إلى الاجتهاد والمثابرة لإثبات قدراتهم، وفي حالة ثبوت أي تمييز بحقهم بسبب اللون، يدعوهم إلى اللجوء إلى القضاء ومؤسسات الدولة الضامنة لحقوقهم.

"تمييز غير مصرّح به"

لا علاقة لقلة ظهور المذيعين ذوي البشرة السمراء على التلفزيون المغربي بأي تمييز عرقي، بحسب الأستاذ في المعهد العالي للإعلام والاتصال في الرباط المهدي عامر. "قد تكون هذه الظاهرة من باب الصدفة"، يقول لرصيف22.

"حينما بدأنا النضال من أجل القضية الأمازيغية قالوا لنا نفس الكلام ‘الصدفة’ و’غياب التمييز’... ولكن بعد سنوات أقر الجميع بوجود التمييز"... عن غياب ذوي البشرة السوداء عن التلفزيون المغربي

ويضيف: "رغم أن الإعلام المغربي والسينما يقدّمان بعض الصور النمطية عن الرجل ذي البشرة السوداء، مثل الخادم أو مقدّم الشاي أو بعض المهن البسيطة، إلا أن غياب مقدّمي الأخبار من أبناء هذه الفئة هو فقط من باب الصدفة لأن المجتمع المغربي عُرف منذ قرون بتعدد مكوناته وتعايشها في تسامح".

يشير عامر إلى أن المغاربة ذوي البشرة السوداء الداكنة يشكلون نسبة لا تتجاوز 20% من المجتمع، وأن توظيف مقدمي النشرات الإخبارية لا يستند إلى أي بند يشترط مواصفات أو لون معيّن على المتقدّمين، داعياً إلى "المعالجة الموضوعية مع أخذ المسافة من الخطابات المتطرفة لأن استعمال كلمة عنصرية أمر خطير جداً".

ولكن أحمد عصيد، الحقوقي الأمازيغي والباحث في علم الاجتماع، يقرأ هذه القضية بشكل مختلف. يقول لرصيف22 إن السبب في غياب صحافيين من ذوي البشرة السوداء عن شاشة التلفزيون يكمن في "وجود عنصرية اللون".

برأيه، "هذه العنصرية غير مصرّح بها وغير معترف بها وموجودة في الواقع والسلوك العملي للمواطنين، ما يجعل حظوظ ذوي البشرة السوداء أقل من حظوظ ذوي البشرة البيضاء في النجاح وولوج العديد من المجالات".

ويضيف عصيد: "صحيح أن القوانين غير تمييزية، ولكن المعيار هو السلوك العملي، أي كيف يتصرف المغاربة في ما بينهم"، مشيراً إلى أنه "في بعض مناطق المغرب ما زالت توجد مقابر خاصة بذوي البشرة السوداء وأخرى لذوي البشرة البيضاء".

ينفي عصيد أن يكون غياب المذيعين من ذوي البشرة السوداء مجرد صدفة ويعلّق: "هذا غير صحيح، ولا يجب أن نتعامل مع الموضوع بشكل سطحي. الصحيح هو أن هناك سلوكيات ناتجة عن أنماط وعي ترسبت، بفعل الممارسات السابقة وأصبحت ذهنية غير مصرّح بها، ولكنها تحكم السلوكيات وتحكم الأفعال وهذا هو الأخطر. هذا النوع من العنصرية هو الأخطر والناس غير واعين بها، بمَن فيهم بعض ضحايا التمييز".

لتجاوز المشكلة القائمة، يقترح عصيد مناقشة الموضوع في الفضاءات العمومية في البداية، بإشراك النخب الثقافية والسياسية، إضافة إلى وضع معايير لتمثيل الاختلاف والتنوّع في المجتمع على أساس الدين، اللون واللغة، في كل المجالات.

يروي عصيد لرصيف22 أنه تم التعامل مع النشطاء الأمازيغ بنفس المنطق في البداية. "حينما بدأنا النضال من أجل القضية الأمازيغية قالوا لنا نفس الكلام ‘الصدفة’ و’غياب التمييز’، وللمفارقة كان أول من عارضنا هم التجار الأمازيغ أنفسهم المتحدرين من منطقة سوس، وقالوا إن الأمازيغية ليست لغة ولا ترقى أن تصبح قضية للنقاش المجتمعي ولكن بعد سنوات أقر الجميع بوجود التمييز وتم الاعتراف والتنصيص على الأمازيغية في الدستور وإدماجها في التعليم وقطاعات أخرى".

واعتبر الحقوقي الأمازيغي أن "الضحايا ينشأون على التمييز والتطبيع معه، ما يتطلب مناقشة هذا التابو علانية لتزول المشكلة". فبرأيه، هناك عوامل نفسية خلف نفي الضحايا كونهم ضحية، إذ "يصعب إقرارهم بوجود التمييز خشية المحاسبة، وقد تكون لديهم صعوبات ولكن إذا بدأنا النقاش واستمر وبدأت الأمور تتغير قد يظهر لاحقاً أشخاص يصرحون ويعترفون".

حلم الظهور على الشاشة

تلفت نعيمة عبشان، طالبة دكتوراه في المجال الإعلامي وقضت فترات تدريبية في إحدى القنوات المغربية، إلى أن هناك مفارقة تتمثّل في غياب مقدمي النشرات الإخبارية من ذوي البشرة السوداء على القنوات التلفزيونية المغربية، فيما يعملون بأعداد كبيرة في مهن مثل الإخراج، المونتاج والغرافيكس.

برأيها، السبب "ما زال غير واضح"، مرجّحة "الرقابة الذاتية التي قد يمارسها الصحافيون من ذوي البشرة السوداء على أنفسهم، فلا يتجرأون على التقدم إلى هذه المناصب معتقدين أنها حكر على غيرهم".

تؤكد عبشان لرصيف22 أن "التمييز على أساس لون البشرة ما زال سائداً في بعض المناطق الريفية، وما زالت بعض العائلات ترفض تزويج بناتها وأبنائها من ذوي البشرة السمراء أو السوداء".

وتشير إلى أن هذه الممارسات وأثر التمييز الذي يتعرّض له الشخص في حياته اليومية منذ طفولته "تنعكس سلباً على تكوين شخصية الفرد وتنشئته، فيكتسب مواقف ومشاعر سلبية يتطلب تغييرها والتخلي عنها سنوات طويلة".

لا تخفي عبشان رغبتها في العمل مذيعة تلفزيونية فهذا حلم يراودها، ولذلك تأمل أن تستند معايير الاختيار على الكفاءة المهنية بغض النظر عن لون بشرتها السمراء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard