صديقي الساذج... صاحب الإلهام والذوق المبتذل

الثلاثاء 23 يونيو 202004:11 م

يصف الفرنسي غي دي موباسان في روايته "قويّ كالموت" الفنان التشكيلي أوليفيه بيرتين بقوله إنه: "واحد من عباقرة الفنانين اليوميين"، كلمة يومي هنا ترجمة لكلمة mondain، لا معنى دقيق لها باللغة العربية، ففي جذرها تحيل إلى ما هو عالمي، أي ينتمي لهذا العالم ومعروف من قبل الجميع.

هذه الصفة تستخدم كمذمة ونوع من السخرية حين الحديث عن عمل فنّي أو أدبي، وتحيل إلى ما هو اعتيادي ومتفق عليه، ولا نقصد هنا شعرية اليومية، ذلك اللامنطق الذي تختزنه أشد المواقف تفاهة، بل عن ذاك "المسلم به"، الذي يمارس عنفاً على ذاته، لأنه يمنعها عن التفكير، مُسلّماً بـ"اليومية".

فنان أو كاتب يومي؟ ربما سريع الاختفاء، لا يمكن تذكّره مع ذلك هو "معروف"، يبدو الأمر في البداية متناقضاً، لكن الكثير من هؤلاء الفنانين والكتاب والنقاد، أصدقائنا، يوميّون في آرائهم ولو كانوا "مشاهير"، رهانهم حصراً على "الاختلاف" الذي يحركه "نداء" ما لممارسة فعل ثقافي ما، ليس انصياعاً أو إيماناً بالممارسة الفنية، بل تلبية عمياء للنداء، ثم قرار بالانتماء إلى أولئك الباحثين في أنفسهم والعالم عن "الفن".

نقصد هنا المتفانين في سبيل فنهم أو أدبهم حد العمى، الأشدّ شجاعة بين الجميع، أصحاب المسودة الأولى المنشورة، الذين "شعروا" وفقط "شعروا" بأن لما "يخلقونه" قيمة ما، قد لا تكون فنيّة، لكنها قيمة معترف بها من المحيط العام لأنها بالنهاية جهد مبذول، الغريب بالأمر أن لا مشكلة في انتقاد نجار صنع كرسياً عاديّاً جداً ثم باعه بثمن باذخ، لكن الأمر إشكالي إن انتقص أحدهم، مهما كان، من قيمة نص أو عمل فنيّ عاديّ جداً.

المتفانون في سبيل فنهم أو أدبهم حد العمى هم الأشدّ شجاعة بين الجميع، أصحاب المسودة الأولى المنشورة، الذين "شعروا" وفقط "شعروا" بأن لما "يخلقونه" قيمة ما، قد لا تكون فنيّة، لكنها قيمة معترف بها من المحيط العام لأنها بالنهاية جهد مبذول

مثال الكرسي يتردد في نص جان بول سارتر عن "المخيلة" ويفصل بينها وبين الإدراك، نحن ندرك المتخيّل بأكمله، نرى الكرسي من كافة الجوانب، بعكس الإدراك، الذي لا نرى فيه سوى جانباً واحداً وهو المرئي، لكن، ماذا لو كنا نستخدم الكرسيّ/ النص ونكتشف دقائقه وجوانبه، نطرح أسئلة عليه من خبرتنا ومعارفنا ومخيّلتنا، ليأتينا الجواب: " أنا كرسيّ فقط".

هناك رد مضحك حين نحاول البحث عن معنى عرش الرحمن في التأويلات المعاصرة، ينتهي بعبارة "عرش يليق به"، هو كرسيّ ضد المخيّلة، قيمته فقط وبدقة ومن ذات التفسير كانت على الشكل التالي: "نؤمن أن العرش حق؛ لأن الله ذكره في كتابه"، وكل ما يلي ذلك هي محاولات لفهم قيمته وشكله دون التسليم لثانية بأنه "فقط كرسيّ"، السبب أنه كرسيّ إن قرأ فقط ضمن النص المقدس.

تاريخ ضد تاريخ

لنقارن حكايتين، شاعر قرر الكتابة "لأن الثورة السورية فرضت عليه ذلك"، روائي جنوب أمريكي قرر الكتابة "لأنه قرأ الانمساخ لكافكا"، الاختلاف بين الاثنين، أن الأول ناداه التاريخ، الثاني نادته الرواية، الأول يبحث عن قيمة لما يكتبه في التاريخ، ذاك اللاشخصي والجمعي، في حين أن الثاني ينظر في تاريخ الفن الذي يُصنع خارج التاريخ الإنساني، الأول أجبن، لأن التاريخ الإنساني لا ينتهي ودوماً مختلف عليه، الثاني أشجع، لأن تاريخ الرواية واضح ومهدد بالانتهاء، حسب تعبير ميلان كونديرا، الأهم أن تاريخ الرواية لا ينكر أن سيرفانتس ورابليه آباء للرواية، التاريخ الرسمي والعلمي يشكك بأول من اخترع المصباح الضوئي أو الكاميرا.

هنا يمكن تلمس الساذج، لا فقط من علاقته الوطيدة مع "التاريخ" بل مع من ظهروا، المؤلف عادة يحاول الاختباء وراء كل النصوص التي قرأها ليدّعي التأليف، ينفي صوته ليتحول إلى همس، ويتقمص أصوات ولغات غيره، لا يستطيع أن يقول ما يريد قوله لأن اللغة ملك الجميع، ملك "يومي" لا فكاك منه، أما الساذج والأضحوكة فواضح كالشمس، صوته عال ولغته له، لا يهاجمها ولا يطرح أسئلة على معانيها، بل يسلّم بمعناها لأنه يتطابق مع الصورة التي يمتلكها، تلك القادمة من يقين يشابه اليقين الديني، فالساذج يبحث عن حضوره في التاريخ، أما الآخر، الذي شكّل تاريخ النوع الفني، فهدفه التلاشي.

هدف الساذج الانتماء إلى مجموعة ما ضمن ممارسة تتطابق مع ما يقوم به القارئ حين يحاول أن يربط ما يقرأه بنصوص أخرى، نميل أثناء القراءة مهما كانت خبرتنا إلى التصنيف والبحث عن الشبيه، هناك دوماً أسبقية، وصوت "مُنافس" حاضر في كل نص.

هناك ميل دوماً نحو ربط الفرد بجماعة مشابهة له، الساذج يمتلأ فخراً بهذا الميل لدى القارئ ويرسخه، بل يجاهر به، البعض يقول إنه ينتمي إلى "الدرويشيين" أو "البوكوفسكيين"، كتل من كتاب مجاهيل لا نعرفهم يجمعهم صوت شخص، السبب أن الساذج يخاطب ما نعرفه من متخيلات عن "جماعة الأدب"، وهي لعنة تجعل الواحد منهم محبوباً، يومياً، يصف موباسان بيرتين بأنه حاضر في كل الصالونات الأدبية الباريسية، لكن المثير للاهتمام أنه لا يتحدث أبداً عن أي من لوحاته.

يتذوق القارئ الساذج العمل الفني أو النص بمقارنته مع التاريخ وخبرته الشخصية، يقرأ بسخف ولا يصدّق إلا ما يشترك به الجميع، يصدّق الإلهام "ذاك الذي هجرناه بعمر السادسة عشرة"، ويبحث عنه دوماً، علماً أن النصيحة الدائمة هي نسيان ألف بيت من الشعر قبل تأليف الشعر، فالأهم هو النسيان لا التذكر

الذوق الرباني وحرفة الاختيار

الذوق رأس مال في ظل الشكل الثقافي الحالي، لكن عن أي ذوق نتحدث، ذوق من يشتري؟ ذوق من ينشر؟ أو ذوق من يتيح لشكل فنيّ ما بالظهور؟ أو ذوق من "يخلق"؟

دور الذواقة هو رصد الاختلاف بين "القيمة الفنية" و"القيمة العالمية"، لأن الأولى نتاج خبرة و بحث، الثانية نتاج إجماع ودهشة أولية، ومشابهةٌ للوحي الديني الذي كلما أمعنّا في تكذيبه ازداد رسوخاً.

أشد أشكال الذوق انحطاطاً هي السائدة حالياً، القائمة على البحث الشعري والجمالي خارج تاريخهما، هذا الذوق يعتمد على الإحساس الفطري المبتذل والتقديس المبالغ به، المشابه لمفهوم النبوّة في أحد المراحل، فـ"كل ما قام به النبي هو سنّة تتبع"، أساس الذوق الفطري كمفهوم السنة النبوية، قائم على الدهشة أو الملاحظة المبتذلة، المتعلقة بجسد صاحب الذوق وخبرته.

التاريخ الفني والأدبي يتبنّى ما قبله ويعيد تمثيله، لا فنّ أو أدب أو شعر موجود "خارجاً" هكذا بصورة صرفة، لا أحد يولد شاعراً، ولا شعر صرف في العالم، وهنا يأتي دور الذواقة، رصد الاختلاف بين "القيمة الفنية" و"القيمة العالمية"، لأن الأولى نتاج خبرة و بحث، الثانية نتاج إجماع ودهشة أولية، ومشابهةٌ للوحي الديني الذي كلما أمعنّا في تكذيبه ازداد رسوخاً.

*حاشيّة وتلفيق

أصوات كتّاب هذا النص دون عناء البحث عنهم: ناتالي هانيش، عبد الفتاح كيليطو، ميلان كونديرا، جان بول سارتر، أبو البراء محمد بن عبد المنعم آل عِلاوة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard